الصين: هل تنجح رؤية النقاط الأربع في وقف التصعيد في المنطقة؟

الصين ترى أن مصالحها الأساسية في المنطقة باتت مهددة، وعليها الموازنة بين مصلحتها السياسية في أن واشنطن أكثر في مشاكل المنطقة، وبين خسائرها الاقتصادية الناجمة عن تعطل طرق الملاحة المارة من منطقة الشرق الأوسط.

  • المخاطر على المصالح الصينية في المنطقة تغيرت وهو ما دفع بكين إلى تغيير نبرة خطابها.
    المخاطر على المصالح الصينية في المنطقة تغيرت وهو ما دفع بكين إلى تغيير نبرة خطابها.

تقديم الصين لمبادرة النقاط الأربع يعكس رغبة عميقة في تعزيز نفوذها الدولي، مع التركيز على دورها كفاعل إيجابي يختار لغة الحوار والتفاهم بدلاً من التصعيد، في ظل تزايد التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة. كما أن المبادرة تنسجم مع توجهات الصين لتعزيز استراتيجيتها في الشرق الأوسط، مستهدفة حل الأزمات المحلية والإقليمية بطرق متناغمة مع مصالح جميع الأطراف. 

لم تتغير الحسابات الصينية، لكن المخاطر على المصالح الصينية في المنطقة تغيرت، وهو ما دفع بكين إلى تغيير نبرة خطابها السياسي.  

قرار الرئيس ترامب بفرض حصار على الموانئ الإيرانية لم يعد شأناً إيرانياً فقط، بل تحول إلى مواجهة غير مباشرة مع الصين لآنها المتضرر الأكبر.

لم يعد السؤال هل تتحدى الصين أميركا بل هل العالم يستعد لما بعد الهيمنة الأميركية، خاصة وأن صعود الصين أصبح حقيقة على الولايات المتحدة أن تتعامل معها بواقعية باعتبارها جزءاً من ترتيبات المرحلة الانتقالية نحو نظام عالمي جديد.

ترغب الصين في لعب دور "جيو اقتصادي" أكثر مما هو "جيو سياسي"، فهي تاجر لا يرغب في تحقيق أهداف استراتيحية أو الغوص في اعادة ترتيبات المنطقة، لكنها معنية بالحفاظ على مكانتها كلاعب أساسي فيها. بمعنى أن السياسة الصينية في المنطقة تركز على "إدارة المخاطر" أكثر مما هي سياسة "جيوسياسية" في المنطقة.

الحديث  الأميركي عن "تورط الصين" في دعم إيران عسكرياً لم يعد مقبولاً من قبل بكين، التي ترى أنها باتت اليوم دولة قادرة على صياغة رؤيتها الاستراتيجية، والتصرف وفقاً لتلك الرؤية. ففي الوقت الذي تتسارع فيه الأزمات، طرحت بكين رؤية تقوم على أربع نقاط، لا تمثل تفصيلاً في السياسة بقدر ماهي محاولة لإعادة ضبطها. سيادة تحترم دون استثناء، وتعايش لا يفرض بمنطق القوة، واعلاء للقانون الدولي باعتباره مرجعية لا تتغير، وتوازن دقيق بين الأمن والتنمية بحيث لا يسبق أحدهما الآخر بل يكتمل به. بهذه المعادلة تحاول الصين أن تقدم مقاربة مختلفة تنقل الصراع من ساحات المواجهة إلى مساحات التفاهم. 

يبرز هذا النهج كخيار يختلف عن المقاربات التقليدية التي غالباً ما كانت تتسم بالتدخل الخارجي أو محاولة فرض حلول من خارج السياق المحلي، مما يزيد من اعتماد المبادرة على مقومات ذات طابع سياسي ودبلوماسي يراعي خصوصية المنطقة وتعقيداتها التاريخية والجغرافية.

الصين ترى أن مصالحها الأساسية في المنطقة باتت مهددة، وعليها الموازنة بين مصلحتها السياسية في أن تغوص الولايات المتحدة الأميركية أكثر في مشاكل المنطقة، وبين خسائرها الاقتصادية الناجمة عن تعطل طرق الملاحة المارة من منطقة الشرق الأوسط.

سعي أميركي حثيث لجعل صعود الصين صعوداً هادئاً، وزيارة ترامب إلى الصين والتي من المتوقع حدوثها في الشهر القادم ستكون الحدث الدبلوماسي الأهم لهذا العام، فهي الزيارة التي تم تأجيلها بسبب هذه الحرب، والتي ستنعكس نتائجها على العالم كله. 

الحوارات الصينية الأميركية ليست عدائية بالضرورة، فالبلدان يختلفان على ملفات كثيرة، لكنهما يتقاربان كثيراً في رؤيتهما للشرق الأوسط.

رؤية المجتمع الأميركي للصين لم تعد عدائية، حيث تشير التقارير إلى ارتفاع نسبة الأميركيين الذين ينظرون إلى الصين بإيجابية من 14% عام 2023 إلى 27% حالياً، وفقاً لوكالة CNN. 

التركيز على الحوار والمفاوضات يعكس رغبة بكين في تحقيق حل سلمي للنزاعات بدلاً من اللجوء إلى القوة العسكرية.

تتميز الصين بموقفها الحيادي في الشرق الأوسط، مما يجعلها وسيطاً محتملاً موثوقاً به في نظر العديد من الدول. فهي ليست ملتزمة بتحالفات قوية مثل الولايات المتحدة، مما يمنحها مرونة أكبر في التعامل مع مختلف الأطراف.

لكن، وفي شرق مثقل بالتوترات يبقى السؤال هل يمكن لهذه المبادئ أن تصمد أمام واقع لا يعترف إلا بالقوة. 

صحيح أنه ليس للصين الخبرة العميقة في التعامل مع التعقيدات السياسية والثقافية في الشرق الأوسط مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، لكنها نجحت في الماضي في حلحلة أعقد الملفات وتوصلت إلى اتفاق للسلام بين السعودية وإيران. 

السياسة الدولية تتطلب العودة إلى القانون الدولي العام وخاصة الحفاظ على سيادة الدول وعدم التخل في شؤونها الداخلية حتى يكون هناك تنمية، فلا يمكن أن يكون هناك تنمية مستدامة في العالم إلا إذا كان هناك استتباب للأمن.

الدور الصيني دور فاعل وله حضور ويمكن تطبيق هذه الأفكار على أرض الواقع باعتبارها ستكون مقبولة من قبل إيران ودول الخليج وباقي دول العالم، لكنها قد لا تلقى قبولاً لدى الولايات المتحدة التي قد تقبلها على مضض، أما إسرائيل فلا يمكن لها تفهم الخطاب السياسي الصيني الذي يتناقض كلياً مع توجهات إسرائيل التوسعية. 

الصين لديها قوة اقتصادية هائلة وقدرة على تقديم الاستثمارات والمساعدات المالية، مما يجعلها شريكاً جذاباً لدول الشرق الأوسط التي تسعى إلى التنمية الاقتصادية.

رفضت الصين هذه الحرب منذ البداية باعتبارها انتهاكاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وطرحت هذه المبادرة التي تقدم رؤية مختلفة عن التوجهات الأميركية التي تسعى إلى "إدارة الأزمات عبر الضغط والتصعيد"، وهو ما ترى بكين أنه لم يعد ممكناً لتحقيق الأمن والاستقرار في العالم.

قد تبدو بنود المبادرة أقرب إلى المبادئ والأفكار العامة، لكنها في الحقيقة تعيد الأمور إلى نصابها، خاصة وأن النظام الدولي الذي نعرفه تم تهشيمه وبات شيئاً من الماضي.

وجود قوى دولية كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا في الشرق الأوسط قد يشكل عقبة أمام نجاح المبادرة الصينية، حيث قد تسعى هذه القوى إلى حماية مصالحها الخاصة، أو العمل على افشال أي نجاح صيني محتمل.

فالولايات المتحدة قد ترى في المبادرة الصينية تحدياً لنفوذها التقليدي في الشرق الأوسط. ومن المتوقع أن تسعى واشنطن إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة من خلال تعزيز علاقاتها مع حلفائها التقليديين مثل إسرائيل والسعودية. قد تتبنى الولايات المتحدة نهجاً مزدوجاً، يجمع بين الترحيب بالمبادرات السلمية وبين الحذر من تنامي النفوذ الصيني.

أما روسيا فبدت أنها المستفيد الأكبر من هذه الحرب التي خففت الضغوطات عليها في أوكرانيا وسمحت لها بإستئناف تصدير النفط والغاز، وبالتالي تحسين وضعها الاقتصادي والسياسي.

"إسرائيل" قد تنظر إلى المبادرة الصينية بعين الريبة، خاصةً إذا شعرت بأنها قد تؤثر على دعم الولايات المتحدة لها في القضايا الأمنية. ومع ذلك، فقد تسعى إسرائيل إلى الاستفادة من التعاون الاقتصادي مع الصين، خاصةً في مجالات التكنولوجيا والابتكار.

إيران قد ترحب بالمبادرة الصينية كجزء من استراتيجيتها لكسر العزلة الدولية المفروضة عليها. فالعلاقات الجيدة بين الصين وإيران قد تعزز موقف إيران في مواجهة الضغوط الغربية. لكن في نفس الوقت، ستظل إيران حذرة من أي محاولات للحد من مكانتها ونفوذها الإقليمي.

الدعم الصيني لإيران أمر مؤكد، من وجهة نظر الولايات المتحدة على الأقل، فدقة الصواريخ الايرانية تطورت كثيراً عما كانت عليه خلال حرب الـ 12 يوماً التي جرت في العام الماضي.

قد لا تكون الصين قد قدمت لطهران دعماً عسكرياً مباشراً، لكنها وبكل تأكيد استمرت في إرسال مواد مزدوجة الاستخدام، وفقاً للتقارير الأميركية.

بعض دول المنطقة قد تنظر بحذر إلى المبادرة الصينية خوفاً من أن تكون جزءاً من استراتيجية أكبر لتعزيز النفوذ الصيني على حساب استقلالها أو بقاء النظم الحاكمة فيها والمرتبطة بالولايات المتحدة الأميركية وبشكل مباشر.

قد لا تشكل مبادرة النقاط الأربع حلاً سحرياً لكنها تطرح سؤالاً مختلفاً في منطقة اعتادت على الاجابات المتكررة، هل يمكن بناء توازن لا يقوم على الهيمنة؟ فالمبادرة خطوة جريئة ومهمة في محاولة تهدئة الشرق الأوسط. لكن نجاحها يعتمد على كيفية تعامل الصين مع التعقيدات السياسية والثقافية في المنطقة، وكذلك على موقف الدول الكبرى الأخرى. فبينما تمتلك الصين بعض نقاط القوة التي تدعم مبادرتها، فإن التحديات والشكوك الإقليمية قد تصعّب عليها تحقيق أهدافها. في النهاية، يبقى مستقبل الشرق الأوسط معتمداً على التعاون الدولي والقدرة على بناء السلام من خلال الحوار والتفاهم المتبادل.

وبينما تتقاطع المصالح وتتصادم الإرادات، يبقى الرهان على أي نموذج يستطيع اقناع دول الشرق الأوسط بأن الاستقرار ممكن ودون أن يفرض بالقوة. وكيف ستتحرك الصين فعلياً وهي تستعد لإستقبال ترامب الشهر المقبل، وكيف سيتعامل ترامب مع الدعوات الدولية لبكين لتلعب دوراً أكبر وتوسع نفوذها على الساحة العالمية.  

نجاح المبادرة يتوقف على مدى قدرتها على تجاوز العقبات السياسية والبيروقراطية، وعلى مدى تفاعل الأطراف المعنية بشكل إيجابي مع ما تطرحه من مقترحات تعدّ بمثابة فرصة لتخفيف حدة التوترات، وإعادة بناء الثقة بين الفاعلين الإقليميين والدوليين. كما أن هذا النهج يواجه تحديات كبيرة تتعلق بمصداقيته، إذ أن نجاحه يتطلب تطابقاً كاملاً بين الأهداف الصينية والمصالح الوطنية والإقليمية القائمة، بالإضافة إلى ضمان عدم استغلال المبادرة من قبل قوى خارجية لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب المنطقة. لذا، فإن فهم وتحليل المقومات الأساسية لهذه الرؤية حساس، ويجب أن يبنى على أسس من التعاون الحقيقي والثقة المتبادلة، بعيداً عن الإنزلاق إلى مساومات قد تهدد استقرار المنطقة.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.