الصمود الإيراني واندحار العقيدة العسكرية الأميركية

رضوخ واشنطن لشروط التفاوض والاعتراف بإيران كقطب إقليمي لا يمكن تجاوزه، يرسل إشارات بالغة الأهمية إلى الساحة الدولية.

0:00
  • فاتورة الحرب وصدمة الصمود.
    فاتورة الحرب وصدمة الصمود.

لا تُقاس التحوّلات الكبرى في تاريخ الأمم بحجم الآلة العسكرية التي تمتلكها القوى العظمى، بل بقدرة الشعوب والأنظمة على الصمود في وجه العواصف العاتية وتغيير موازين القوى.

ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب المباشرة وغير المسبوقة التي اندلعت بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ نهاية شباط/فبراير الماضي حدثاً مفصلياً أعاد ترتيب الجغرافيا السياسية العالمية، ليعلن بشكل قاطع نهاية زمن الغطرسة الأميركية وبداية عصر جديد تصوغه إرادة الصمود.

لقد ظنّت الإدارة الأميركية أنّ اللجوء إلى خيار المواجهة العسكرية المباشرة سيكسر إرادة طهران ويجبرها على الاستسلام، إلّا أنّ ما حدث في أسابيع الحرب الطاحنة قلب الحسابات الاستراتيجية كافة؛ حيث تحوّل الصمود الإيراني وثبات مؤسساته ومحوره في وجه أعنف الضربات إلى رافعة سياسية أرغمت واشنطن في نهاية المطاف على تلمّس طرق التراجع والبحث عن مسارات تفاوضية قسرية.

فاتورة الحرب وصدمة الصمود

دخلت الولايات المتحدة هذه المواجهة معتمدة على تفوّقها التكنولوجي وكثافتها النارية، وخلّفت الحرب بالفعل خسائر مادية وبشرية فادحة، لكنّ إيران واجهتها بصلابة أذهلت الدوائر الاستخباراتية الغربية. لم يكن الصمود الإيراني مجرّد دفاع سلبيّ، بل استند إلى استراتيجية ردع نشطة وشبكة أمان إقليمية أظهرت مرونة فائقة في استيعاب الضربات وتوجيه ردود مؤلمة وعميقة.

لقد أثبتت هذه الحرب أنّ "الانتصار" يعني، ببساطة، منع العدو من تحقيق أهدافه السياسية. وحينما عجزت الترسانة الأميركية عن تقويض أركان الدولة الإيرانية أو تفكيك بنيتها الدفاعية، تحوّل الثبات الإيراني إلى انتصار استراتيجي مكتمل الأركان، كاشفاً حدود القوة الأميركية وعجزها عن حسم الصراعات الكبرى بالإخضاع.

رضوخ دونالد ترامب

أمام حائط الصمود الإيراني الصلب، والاستنزاف المتصاعد لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وجدت إدارة الرئيس دونالد ترامب نفسها أمام مأزق تاريخي؛ فالاستمرار في حرب مفتوحة بلا أفق للنصر يهدّد الوجود الأميركي برمّته ويهزّ الاقتصاد العالمي. وهنا تجلّت البراغماتية القسرية للرئيس الأميركي.

إنّ اضطرار دونالد ترامب للبحث عن تفاهمات، والركض وراء عقد صفقات وتسويات عبر الوسيط الباكستاني، يمثّل إقراراً أميركياً علنياً بالعجز عن الحسم العسكري، ورضوخاً كاملاً للإرادة الإيرانية.

فالذهاب إلى إسلام آباد لطلب الوساطة مع طهران يعكس تحوّلاً بنيوياً في الموقف الأميركي، فمن لغة التهديد والوعيد والخطوط الحمر، إلى لغة الاستجداء الدبلوماسي والبحث عن مخرج يحفظ ما تبقّى من ماء وجه القوة العظمى.

تداعيات الانكسار الأميركي: ميزان قوى جديد

إنّ رضوخ واشنطن لشروط التفاوض والاعتراف بإيران كقطب إقليمي لا يمكن تجاوزه، يرسل إشارات بالغة الأهمية إلى الساحة الدولية:

أولاً، تهشّم عقيدة "الردع المطلق" وتآكل المظلة الأمنية الغربية:

إنّ لجوء واشنطن إلى خطوط الاتصال الخلفية عبر الوسطاء، بل والضغط على الحكومة اليمينية في "إسرائيل" لثنيها عن التصعيد، أحدث زلزالاً استراتيجياً في وعي حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة، وخاصة من الأنظمة العربية. فلعقود طويلة، استند الأمن الإقليمي لبعض العواصم إلى فرضيّة "الردع الأميركي الحاسم" والمظلة الحمائية التي لا تُقهر.

اليوم، ومع انكسار هذه الموجة العسكرية أمام الصمود الإيراني، تشهد المنطقة تهاوياً متسارعاً لهذه السردية؛ فالعجز الأميركي عن فرض الإرادة العسكرية المباشرة في هذه المواجهة يبعث برسالة واضحة مفادها أنّ الاستقواء بالخارج لم يعد شيكاً على بياض، وأنّ موازين القوى لم تعد تُصاغ في البيت الأبيض، بل تفرضها القوى الثابتة على الأرض.

ثانياً، ترسيخ معادلة "الندية الاستراتيجية" في المفاوضات:

لم يعد الجلوس الأميركي إلى طاولة الصفقات والتفاهمات الحالية ينطلق من موقع فرض الشروط أو الإملاءات من الأعلى إلى الأسفل، بل تحوّل إلى تفاوض تحكمه النديّة الكاملة. لقد فرض الثبات الإيراني واقعاً جديداً تخلّت فيه واشنطن مضطرة عن حزمة "الشروط المسبقة" التي طالما رفعتها كفيتو سياسي.

هذا التحوّل من منطق "التركيع الاقتصادي والعسكري" إلى منطق "البحث عن مخرج دبلوماسي يحفظ ماء الوجه" يمثّل اعترافاً أميركياً صريحاً بفشل أدوات الضغط القصوى، وبأنّ أيّ ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية في جغرافيا الشرق الأوسط يجب أن تمرّ عبر بوابة المصالح الحيوية لطهران وبشروطها.

ثالثاً، فكّ الارتباط القسري بين أمن المنطقة والإملاءات الأميركية:

تتجلّى أبرز تداعيات هذا الانكسار في تسارع ديناميكيات "الحلول الذاتية" داخل الإقليم. فالقوى الإقليمية، التي راقبت عن كثب كيف اضطرت إدارة ترامب لإرسال الرسائل عبر إسلام آباد لطلب التهدئة، بدأت تدرك أنّ معادلات الاستقرار تُكتب بأقلام محلية وإقليمية لا دولية.

هذا الواقع يدفع نحو صياغة تفاهمات بين دول المنطقة بعيداً عن الرعاية أو الهيمنة الأميركية، مما يساهم في عزل النفوذ الأميركي وتفكيك شبكات التحالفات التي حاولت واشنطن طويلاً بناءها لمحاصرة إيران وعزلها.

رابعاً، من الدفاع الهجومي إلى القيادة الإقليمية:

يمثّل الصمود الإيراني وثبات طهران في هذه المواجهة المباشرة بياناً عملياً لجميع أطراف محور المقاومة؛ حيث تحوّل هذا الصمود من استراتيجية دفاعية لامتصاص الضربات إلى قوة دفع هجومية غيّرت قواعد الاشتباك في كامل المنطقة. 

حلفاء طهران في فلسطين، لبنان، اليمن، والعراق باتوا يتحرّكون اليوم بظهير استراتيجي أثبتت التجربة أنه قادر على مواجهة قمة الهرم العسكري العالمي وإرغامه على التراجع، مما يرفع الكفاءة السياسية والعسكرية للمحور ككلّ، ويجعله الرقم الصعب واللاعب الأكثر تأثيراً في صياغة مستقبل الممرات المائية، وأمن الطاقة، والخرائط السياسية المقبلة.

خامساً، تسريع ولادة العالم متعدّد الأقطاب:

على الصعيد الدولي، تتجاوز تداعيات الرضوخ الأميركي حدود الشرق الأوسط لتصيب هيكل النظام الدولي في مقتل.

فالصين وروسيا، والقوى الصاعدة المنضوية تحت لواء تكتلات مثل "بريكس"، ترى في هذا التراجع الأميركي فرصة تاريخية لتسريع دفن نظام القطب الواحد.

إنّ نجاح إيران في الصمود وتوجيه الصراع نحو مسارات الصفقات الدبلوماسية يقدّم دليلاً حيّاً للقوى الدولية على أنّ الهيمنة الأميركية يمكن كسرها، ما يشجّع على بناء نظام مالي وسياسي عالمي جديد يتجاوز العقوبات الغربية والدولار الأميركي، ويعيد توزيع مراكز القوة والنفوذ في العالم بشكل أكثر عدالة وتوازناً.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.