الشركات النفطية الأجنبية في الخليج: أرباح الأسعار لن تدوم!

هل يمكن أن تشهد مرحلة ما بعد الحرب انكماشاً لنشاط الشركات النفطية الغربية لصالح الشركات الوطنية أو لصالح شركات أخرى لم تؤيد دولها الحرب على إيران وتتسبب بهذا الكم من الخسائر والأضرار؟

0:00
  • لا تخفي الأرباح المتحققة، قلق جميع الشركات النفطية الكبرى من مستقبل قطاع الطاقة.
    لا تخفي الأرباح المتحققة قلق جميع الشركات النفطية الكبرى من مستقبل قطاع الطاقة.

مع استمرار إغلاق مضيق هرمز والحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، أخذت أصوات الشركات النفطية الغربية العاملة في الخليج ترتفع، محذرة من خطورة استمرار الوضع على ما هو عليه، إذ إن زيادة أسعار النفط في الأسواق العالمية لا تهدد اقتصادات الدول والقوة الشرائية للمستهلكين فقط، وإنما تطال أيضاً هذه الشركات مباشرة. 

فالأرباح التي تحققها اليوم هذه الشركات مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط عالمياً، ستتحوّل مع مرور الوقت- إن طالت الأزمة- إلى مؤشر سلبي بفعل عاملين اثنين: الأول تكبد الشركات خسائر تشغيلية ليست بالقليلة في سياق مساعيها لإعادة إنتاج الحقول والمنشآت إلى سابق عهدها بعد توقفها أو تضررها بفعل مجريات الحرب.

والعامل الثاني هو أن الأرباح المتحققة حالياً مبنية أساساً على كلف عالية كانت تستهدف قبل نشوب الحرب تحقيق معدلات إنتاج اقتصادية مناسبة لما هو مستثمر، وأحياناً كان يصل الأمر بهذه الشركات إلى حد استنزاف الآبار إنتاجياً لتحقيق أكبر عائد ربحي ممكن، فيما هي اليوم لا تنتج سوى القليل رغم قاعدتها الاستثمارية الكبيرة، مالياً وتقنياً وبشرياً، لم يطرأ عليها أي تغيير أو تراجع.

أرباح وخسائر

تتباين استثمارات الشركات النفطية الأجنبية في دول الخليج. فهناك شركات شريكة في الإنتاج والاستكشاف في بعض الدول، وأخرى شريكة في التكرير والصناعات البتروكيماوية في دول ثانية، وثالثة تقدم خدمات تقنية وفنية للشركات النفطية الوطنية في معظم تلك الدول، وهكذا.

وبالتالي، فإنه ليس من السهل إطلاق تقدير عن إجمالي خسائر أو أرباح تلك الشركات نتيجة الحرب الحالية وتبعاتها، وهذا ما عبّر عنه بشكل غير مباشر الرئيس التنفيذي لشركة "إكسون" الأميركية، والذي حذّر مؤخراً من "أن الأسواق لم تشهد بعد التأثيرات الكاملة" لأزمة مضيق هرمز، مؤكداً أن "إعادة تطبيع تدفقات النفط بعد إعادة فتح المضيق ستحتاج من شهر إلى شهرين على الأقل".

في حين أن الرئيس التنفيذي لشركة "شِل" كان أكثر تشاؤماً بقوله: "إن نقص النفط والغاز الطبيعي المسال المرتبط بحصار مضيق هرمز قد يمتد لأشهر، وربما حتى العام المقبل".  مضيفاً أن العالم فقد في الأشهر الأخيرة نحو 900 مليون برميل من الإنتاج، وهو نقص جرى تعويضه إلى حد كبير من خلال السحب من المخزونات، والتي باتت مستوياتها الآن تقترب من عتبات منخفضة نسبياً، وهو ما دفع فعلياً نحو تقليص الطلب في بعض المناطق إلى جانب تبديل الوقود، ما يشير إلى أن الخلل الحالي قد يستمر بدلاً من أن يعود إلى طبيعته بسرعة".

تتصدر الشركات النفطية الخمس الكبرى في العالم لائحة الشركات الأجنبية العاملة في قطاع النفط والغاز الخليجي (إكسون، شِل، توتال، بي.بي.، شيفرون)، إلا أن الهيمنة تبقى للشركات الوطنية التي تستحوذ على الجزء الأكبر من عمليات الاستكشاف والإنتاج والنقل والتكرير وغير ذلك.

فهناك مثلاً شركة أرامكو السعودية التي تصنف كأكبر شركة نفط عالمية، أدنوك الإماراتية، قطر للطاقة، مؤسسة البترول الكويتية وغيرها، ومعظم هذه الشركات تحولت إلى كيانات دولية مؤثرة في صناعة القرار النفطي والغازي، ولذلك فإنه لا يمكن تجاهل ما تعرضت له من خسائر خلال الأسابيع الأخيرة في ظل إغلاق مضيق هرمز واستهداف بعض منشآتها بشكل مباشر أو غير مباشر، الأمر الذي يجعل من قراراتها المستقبلية مؤشراً على توجهات قطاع الطاقة والأسواق العالمية، والقرار الإماراتي القاضي بالانسحاب من منظمة "أوبك" بُني أساساً على تقدير دقيق لإمكانيات الشركات الوطنية وقدراتها على ترجمة هذا القرار بزيادة الإنتاج من نحو 3.5 مليون برميل يومياً إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً ضمن فترة زمنية قياسية.

ومن غير المستبعد أن تكون هناك قرارات أخرى مشابهة من بعض دول الخليج أو شركاتها النفطية الوطنية في محاولة منها لتعزيز مكاسبها بعد ما أصابها جراء التجاهل الأميركي لمصالحها، والإصرار على شن حرب لا تخدم إلا "إسرائيل".

المصير المشترك

لا تخفي الأرباح المتحققة قلق جميع الشركات النفطية الكبرى من مستقبل قطاع الطاقة فيما لو استمرت سياسة ترامب على هذا المنوال من التصعيد والتسبب بمزيد من المشكلات للأسواق العالمية. فأسعار النفط هي معطى واحد من جملة معطيات لا تتجزأ عن بعضها البعض.

ومع أن بعض الشركات الأميركية الكبرى أعلنت بوضوحها أنها تزود البيت الأبيض بقراءتها للأوضاع الاقتصادية، والتبعات الناجمة عن استمرار الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، إلا أن الإدارة الأميركية تبدو مصرة على السير بسياساتها المدمرة لقطاع الطاقة والاقتصاد العالمي، وهذا يعني واحداً من اثنين: إما أن ترامب لا يلقي بالاً لما تقوله الشركات النفطية المستثمرة في دول الخليج، معتبراً أنها بما تقدمه من معلومات وتحليلات لا تعبّر سوى عن مصالحها الاقتصادية كشركات مستثمرة في منطقة نزاع أو حرب فقط، ولا تنظر بعين السياسي إلى الأهداف المراد تحقيقها. والتفسير الثاني أن ترامب يقر ضمنياً بما تقوله هذه الشركات وخطورة ما بلغته الأحداث من تصعيد، إلا أنه يبحث عن مخرج يحفظ له ماء وجهه في هذه الحرب، التي تؤشر جميع مجرياتها ومعطياتها إلى أن هزيمة كبرى قد لحقت بترامب ونتنياهو.

والسؤال: هل يمكن أن تشهد مرحلة ما بعد الحرب انكماشاً لنشاط الشركات النفطية الغربية لصالح الشركات الوطنية أو لصالح شركات أخرى لم تؤيد دولها الحرب على إيران وتتسبب بهذا الكم من الخسائر والأضرار؟ أم أن الوضع سيبقى على ما هو عليه؟

بعيداً من التصريحات الرسمية، فإن الأوساط الاقتصادية والبحثية تتحدث عن ضرورة إجراء حكومات الخليج مقاربة سياسية واقتصادية جديدة في العلاقة مع الولايات المتحدة.

قد لا يكون ذلك قريباً أو في عهد ترامب لتجنب "'جنونه'"، إلا أن السنوات القادمة لن تكون كسابقاتها، وستفضّل دول الخليج التواصل مع إيران ووضع منظومة تعاون إقليمي على الركون إلى العلاقة مع واشنطن، وما الاتصالات الدبلوماسية التي لا تزال مستمرة بين طهران والعواصم الخليجية إلا دليلاً على هذا التصور أو القناعة المشتركة والقائمة على ضرورة التعاون لإرساء نظام إقليمي جديد يعتمد أولاً على دول المنطقة.

ولا شك أن ذلك سيترك تأثيراته على ماهية وطبيعة الاستثمارات الغربية في جميع القطاعات والمجالات الاقتصادية بما فيها النفطية.