الحرب وأسواق الطاقة: هل ينقذ بوتين ترامب؟

يدرك بوتين أن أهدافه تلتقي بالضرورة مع التكتيك الإيراني والحاجة الأميركية- الأوروبية- الصينية- الآسيوية والإقليمية إلى وقف الحرب، وتدرك طهران مأزق ترامب، وربما سعت لدفعه للتوجّه إلى موسكو كخيار وحيد.

  • ترامب واللجوء إلى بوتين!
    ترامب واللجوء إلى بوتين!

تقترب الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران من إتمام أسبوعها الثاني، متجاوزةً المدة الزمنية التي استغرقتها حرب الأيام الـ 12 التي وقعت في يونيو/حزيران من العام الفائت 2025، وفي ظل التصعيد المتدحرج، عسكرياً وجغرافياً، لا يبدو أن الحرب ستتوقف قريباً، على الرغم من المخاطر المتصاعدة التي أفرزتها، خصوصاً على الاقتصاد العالمي بفعل اضطراب أسواق الطاقة وإمداداتها والمنعكسات الجيوسياسية القائمة والمتوقعة لذلك على امتداد مناطق الصراع العالمية.

 يعود السبب الرئيسي لحالة عدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ إلى قدرة إيران على امتصاص الضربة الأولى وانتقالها إلى مرحلة الردع المتعدد الجوانب، ولاحقاً إلى مرحلة التلويح بالمبادرة بالهجوم بدلاً من استراتيجية الدفاع، وهو ما أحدث صدمة غير متوقعة لدى من تبنى قرار إعلان الحرب، ونقصد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وشريكه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومع الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب من قبلهما والمتمثلة بالدرجة الأولى في إسقاط النظام الإيراني وتنصيب نظام جديد موال للولايات المتحدة و "إسرائيل"، وجد ترمب نفسه في ورطة لم يحسب لها حساباً، أو جرت تعميته عنها عن قصد من قبل صانعي الحروب، ونقصد المحافظين الجدد في إدارته والمتحالفين ضمناً مع "إسرائيل".

ورطــــة ترامب

مع إعلان إيران وبشكل رسمي إغلاقها مضيق هرمز الذي يمر عبره أكثر من ربع إمدادات النفط العالمية، وعجز البحرية الأميركية عن تأمين مرور ناقلات النفط بسبب ارتفاع المخاطر الناتجة عن التهديدات والاستهدافات التي تقوم بها البحرية الإيرانية لناقلات النفط التابعة للولايات المتحدة و "إسرائيل" وشركائهما، وإذا ما أضيف إلى ذلك وقوع منشآت إتاج النفط ونقله وموانئه وممراته تحت مرمى القوة العسكرية الإيرانية، وفي مرمى حلفائها في اليمن ولبنان والعراق من الخليج إلى بحر العرب إلى البحرين الأحمر والمتوسط، فإنه يمكن القول إن التحكم بأسواق الطاقة العالمية بات في يد إيران وحلفائها، وهو ما نتج عنه الاضطراب الحاصل في أسعار النفط وارتفاع سعر البرميل بنسبة تراوحت بين 16 إلى 25 %، وهو ما بدأ يشكل عامل ضغط كبير على ترامب، الذي بات يخشى انعكاسات هذا الأمر، في ظل العجز عن منعه أو التحكم به بعد الفشل في إسقاط إيران على مستوى النظام أو على المستوى العسكري.

تكمن ورطة ترامب الحقيقية في خشيته من أن تمتد الحرب إلى فترة لا يمكن بعدها التحكم بأسعار النفط وإعادتها إلى ما كانت عليه عند توقف الحرب، وأن الضرر الذي سيلحق بأسواق الطاقة سيمتد لما بعد فترة الانتخابات النصفية في الخريف المقبل، إذ تشكل تلك الانتخابات هاجسه الذي يخشى أن يطيح به، وقد أعلن ذلك صراحة عندما قال بأنه إذا فاز الديمقراطيون في الانتخابات فسيقومون بعزله، وقد انعكست هذه الهواجس على خطاباته وقراراته التي حملت الكثير من التخبط والتناقض، فتارة يعاتب شريكه نتنياهو على قصفه منشآت الطاقة الإيرانية، وتارة يدعي السيطرة على مضيق هرمز ويطلب من شركات نقل النفط بالعبور من خلاله، وتارة يطمئن الشعب الأميركي بأن ارتفاع تكاليف المعيشة الذي تسبب به ارتفاع أسعار النفط سينتهي قريباً، هذا بالإضافة إلى خشيته من انفضاض حلفائه من حوله والضغط الذي يمارسونه عليه لإيقاف الحرب لضبط أسواق الطاقة.

اللجوء إلى بوتين

في اليوم العاشر للحرب على إيران، أجرى ترامب اتصاله الأول هذا العام مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، واستمرت المكالمة لمدة ساعة كاملة، وبحسب مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، فإن المحادثات كانت "عملية وصريحة وبناءة" وتناولت ملفات إيران وأوكرانيا وفنزويلا.

 يمكن تلخيص ما تسرب عن تلك المكالمة بأن بوتين عرض على ترامب مقترحات لوقف الحرب في الشرق الأوسط، كما تناول الجانبان إمكانية رفع القيود عن صادرات النفط الروسية، وكذلك المفاوضات بين الجانبين حول أوكرانيا، بالإضافة إلى ملف فنزويلا من زاوية التأثير على سوق النفط العالمية.

 لا شك في أن ترامب كان يأمل أن يحسم الحرب على إيران منذ الأيام الأولى، ثم يجلس بجانب هاتفه ينتظر أن تأتيه الاتصالات من نظرائه في موسكو وبكين وأوروبا وآسيا لتعلن الطاعة له بعد أن يكون قد سيطر على معظم مصادر الطاقة العالمية، غير أن رياح الصمود الإيراني جرت بعكس ما تشتهي سفنه، واضطر إلى قرع أبواب الكرملين باحثاً عن مخرج له من مأزقه، لكنه فوجئ على ما يبدو بأن سلة بوتين السياسية تتضمن ملفات أخرى لطالما توهم ترامب بأنها باتت في قبضته أو تحت مظلة نفوذه، وبات عليه أن يقدم تنازلات في الملف الأوكراني والملف الفنزويلي، وملف القيود والعقوبات المفروضة على روسيا، وأن ورطته في الحرب على إيران قد تذهب بما ظن أنه مكاسب لا يمكن التفريط فيها، ويضاف إلى ذلك كله، أن ترامب يدرك جيداً أن نظيره الروسي لديه القدرة على تعميق مأزقه إذا ما قرر التلاعب بأسواق النفط على اعتبار أن روسيا هي أحد المنتجين الرئيسيين الثلاثة للنفط في العالم، إلى جانب كونها المنتج الأول للغاز عالمياً.

 روسيا مؤهلة للوساطة؟ 

حرصت روسيا على نهج متوازن في علاقاتها مع شريكتها إيران من جهة، ومع شركائها في دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى، وطرحت منذ سنوات مبادرة للأمن الجماعي في منطقة الخليج تقوم على التعاون الأمني والعسكري والشراكة الاقتصادية، وما زالت تسعى لتحقيق ذلك، وأجرى الرئيس الروسي بوتين اتصالات متعددة منذ بدء الحرب على إيران مع قادة دول الخليج وإيران، وكان حريصاً على المطالبة بضرورة وقف الحرب، والتحذير من مخاطرها وخلفياتها التي تسعى لها واشنطن، وطالبت روسيا بضمان أمن دول الخليج العربية من دون توجيه إدانة لإيران في ما يتعلق بقصفها للقواعد والمقار العسكرية الأميركية الموجودة على أراضي تلك الدول.

ومن غير المستبعد أن تكون روسيا قد زودت إيران فعلاً بما تحتاجه من معلومات استخبارية حول تلك القواعد والمقار، فالإستراتيجية الروسية لم تخف أهمية إيران في مواجهة النفوذ الأميركي في أوراسيا والقوقاز والشرق الأوسط، لكن موسكو حافظت على نهجها الوسطي المتوازن المعلن في السياسة بين جميع الأطراف بما فيهم واشنطن و"تل أبيب"، وهو ما أهلها لتقوم بدور الوسيط القادر على طرح المبادرات إلى جانب كونها قادرة على التأثير العسكري والاستخباري والطاقوي متى رغبت سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي فإن موسكو تشكل بوابة الأمان لجميع الأطراف في حال رغبوا أو اضطروا إلى البحث عن مخرج، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

 مناورات تــرامــب الأخيرة

 في ظلّ هذا المأزق يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب القيام ببعض المناورات في محاولة منه لقلب الوقائع لصالحه، والتهرب من الحاجة إلى نظيره الروسي أو تحسين موقفه في حال اضطر إلى التسليم بوساطة بوتين، لكن محاولاته محكومة بعامل الوقت الذي لم يعد في صالحه مطلقاً، وهو ما يدركه بوتين، وتدركه طهران جيداً.

أولى مناورات ترامب تمثلت في خياره وقف الحرب من جانب واحد وإعلان النصر المزعوم، لكن هذا الخيار سرعان ما اصطدم برد واضح وحاسم من طهران التي أعلنت أنها لن توقف الحرب حتى ولو أوقفتها واشنطن، وأنها ستستمر حتى إخراج الأميركي من المنطقة، وأما مناورة ترامب الثانية فكانت في إعلان مبعوثه ستيف ويتكوف عن استعداد واشنطن للتفاوض وهو ما رفضته طهران على الفور، مؤكدة أن لا تفاوض مع واشنطن بعد أن غدرت بها مرتين خلال المفاوضات، وفي مناورته الثالثة وهي الأخطر أعلن ترامب شخصياً أنه يجب القضاء على حزب الله، وتزامن ذلك مع اجتماع للكابينت الإسرائيلي من أجل مناقشة توسيع الحرب على لبنان، والهدف من هذه المناورة هو محاولة الضغط على إيران عبر استباحة لبنان وتقويض حليفها حزب الله، وأيضاً جاء الرد سريعاً من قبل حزب الله الذي أمطر وسط وشمال "إسرائيل" بما يزيد على 150 صاروخاً، ومن إيران أيضاً التي أعلنت عن أول موجة قصف مشتركة بالاشتراك مع فصائل المقاومة، وهذا بحد ذاته يشكل موقفاً حازماً بأنها لن تسمح بليّ ذراعها من خلال الضغط على أحد حلفائها.

وبالمختصر، فإن طهران أعلنت شروطها التي أجهضت كل مناورات ترامب، والتي يمكن تلخيصها بمواصلة الدفاع حتى تأمين مصالح إيران وشركائها الإقليميين، ويشمل ذلك ضمانات بعدم الاعتداء مرة أخرى، وتقديم تعويضات فورية عن العدوان الذي تعرضت له، وضمانات فورية بحقها في امتلاك دورة كاملة للوقود النووي يشمل حقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.

 فشل المناورات والعودة للوساطة الروسية 

بشكل مفاجئ، أعلن مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف أنه عقد جولة مباحثات في فلوريدا مع وفد روسي برئاسة كيريل دميترييف الممثل الخاص للرئيس الروسي بحضور جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي، وجوش غرينباوم، كبير مستشاري البيت الأبيض.

وناقش الطرفان عدداً من المواضيع واتفقا على استمرار التواصل لاحقاً، ويشير انعقاد هذه المباحثات بشكل مفاجئ في هذا التوقيت، بالرغم من انشغال الإدارة الأميركية بالحرب على إيران، إلى أن واشنطن اتخذت خطوتها التالية في ما يخص القبول المبدئي بالوساطة الروسية في ظل انسداد الأفق عسكرياً وسياسياً في وجهها، وضيق الوقت الذي بات يشكل هاجساً إثر  فقدان السيطرة على أسعار الطاقة والمخاطر الناجمة عن ذلك، والعجز عن إنهاء الحرب من طرف واحد، ولعل واشنطن باتت تدرك أن لا مناص لها من اللجوء إلى موسكو لمعالجة التدهور المرتقب للاقتصاد العالمي في ظل أزمة الطاقة قبل بلوغ الانتخابات النصفية.

ختاماً؛ يدرك بوتيــــن أن أهدافه تلتقي بالضرورة مع التكتيك الإيــــــراني والحاجة الأميركية- الأوروبية- الصينية- الآسيوية والإقليمية إلى وقف الحرب، وتدرك طهران مأزق ترامــب وربما سعت لدفعه للتوجه إلى موسكـــــو كخيار وحيد.

يوحي ذلك كلـــــــه بأن تنسيقاً استراتيجيــا مسبقــاً عالـــــي المستـــــوى فرضه التقاء المصالـــــح والشراكة الإستراتيجية قد جرى وضع خطوطه العريضة بين طهـــــران وموسكـــــــو.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.