الحرب على إيران.. ماذا تعلّم حكام الخليج؟

إن صحت سيناريوهات الغرب التي تتحدّث عن جغرافيا جديدة في المنطقة فما على حكّام الخليج، إن استطاعوا، إلا أن يعيدوا النظر في مجمل حساباتهم الخارجية.

0:00
  • ماذا تعلّم حكام  الخليج؟
    ماذا تعلّم حكام الخليج؟

بغياب سلطان عمان هيثم بن طارق آل سعيد ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد انتهت القمة الخليجية التشاورية ببيان تقليدي تعوّدنا على أمثاله في كلّ القمم الخليجية والعربية والإسلامية السابقة، والتي لا تحلّ ولا تربط مع استمرار الخلافات والتناقضات بين معظم الدول الأعضاء في مثل هذه التجمّعات.

فحتى لو تجاهلنا التاريخ البعيد منه والقريب فالجميع يتذكّر الظروف التي أوصلت حكّام الخليج إلى السلطة في دولهم التي رسم الاستعمار البريطاني حدودها في عهد بيرسي كوكس وغرتويد بيل ولورنس "العرب"، والذين جعلوا من دول الخليج محميات بريطانية تحوّلت إلى أميركية بعد اللقاء الأول بين الرئيس روزفلت وعبد العزيز آل سعود في 14 شباط/فبراير 1945 وعلى متن المدمّرة كوينسي.

وكأنّ واشنطن أرادت أن تقول لآل سعود إنهم سيكونون جزءاً من مخططاتهم العسكرية الخاصة في دول المنطقة بما فيها إيران في عهد الشاه وتركيا التي ما زالت كذلك. ومن دون أن تعني كلّ هذه المعطيات أنّ المحميات البريطانية ومن ثمّ الأميركية كانت وما زالت مجموعة متجانسة تتضامن فيما بينها في السرّاء والضرّاء طالما أنّ سيّدها واحد وعدوّها مشترك وفق التصنيف الأميركي، وهو إيران بعد الثورة الإسلامية وقبل ذلك عبد الناصر بنهجه القومي الثوري.

واستنفر حكّام هذه الدول كلّ إمكانياتهم لمعاداة إيران وقبل ذلك مصر وكانتا ضمن أوليات الكيان العبري وحلفائه في الغرب الإمبريالي ولولاه لما استطاع حكّام الخليج البقاء في قصورهم عشرة أيام، وعلى حدّ قول الرئيس ترامب الذي لا يتردّد في إهانة و استحقار هؤلاء الحكّام في كلّ مناسبة وآخرها عندما قال "إنّ محمد بن سلمان سيأتي ويقبّل مؤخرته".

ناسياً أنه وفي كلّ مرة يزور فيها هو أو الآخرون من الرؤساء الأميركيين "يحلبون" هؤلاء الحكّام بالتريليونات من دولارات البترول والغاز.

ومن دون العودة إلى تاريخ الخلافات العميقة بين القبائل التي تحكم هذه الدول والتي تحالفت تارة مع الدولة العثمانية وتارة أخرى تآمرت عليها بالتنسيق والتعاون مع بريطانيا الاستعمارية، فقد وضع العدوان الأميركي - الصهيوني على إيران ولبنان، هذه القبائل وزعماءها في وضع لا يحسدون عليه أبداً بسبب العداءات التقليدية المستمرة فيما بينهم من جهة والانتكاسات التي تعرّضوا لها جميعاً من جهة أخرى وبعد فشل العدوان على إيران.

وكأنّ الهمّ الوحيد لهؤلاء الحكّام جميعاّ وطيلة الأربعين عاماً الماضية هو محاربة الثورة الإسلامة وحلفائها في المنطقة، ليس فقط بسبب عقديتها الدينية الشيعية بل أيضاً لأنها كانت وما زالت تتصدّى لكلّ المشاريع الإمبريالية والصهيونية الاستعمارية وتمنعها من تحقيق أهدافها في المنطقة التي يقول اليهود الصهاينة إنها ومن عليها هي لهم توراتياً.

 والآن وبعد أن فشل العدوان الصهيو - أميركي في تحقيق الأهداف التي أعلن عنها منذ البداية، وأهمّها إسقاط النظام في طهران، يبدو واضحاً أنّ حكّام الخليج يواجهون العديد من التحدّيات الخطيرة بما فيها سقوط أنظمتهم أو إزالة دولهم من الخرائط وفق العديد من السيناريوهات المطروحة في كواليس العواصم الغربية التي طالما راهن حكّام الخليج على دعمها لهم ضدّ إيران وليس الكيان العبري، الذي أثبتت التطوّرات الأخيرة أنه الأخطر بالنسبة لكلّ دول وشعوب المنطقة بل والعالم برمّته.

وفي هذه الحالة، وإن صحت سيناريوهات الغرب التي تتحدّث عن جغرافيا جديدة في المنطقة فما على حكّام الخليج، وإن استطاعوا، إلا أن يعيدوا النظر في مجمل حساباتهم الخارجية التي أراد لها الغرب الإمبريالي أن تعادي إيران وحلفاءها في المنطقة ومهما كان ثمن ذلك بالنسبة لهم ولكلّ القضايا العربية والإسلامية وفي مقدّمتها  فلسطين.

وإلا لما تآمر  حكّام الخليج ومنذ اليوم الأول لاستلامهم  السلطة في بلدانهم ضدّ كلّ الدول والشعوب والحكومات التي رفضت الاستسلام للتحالف الصهيو - أميركي، كما هو الحال الآن في لبنان واليمن والعراق وإيران وبعد أن تمّ التخلّص من بشار الأسد في سوريا ومعمر القذافي في ليبيا.

وفي جميع الحالات ومع انتظار النتائج المحتملة للعدوان الهمجي الصهيو - أميركي على إيران ولبنان فقد بات واضحاً أنّ كل التطوّرات المحتملة لم تكن ولن تكون لصالح حكّام الخليج، ولا خلاص لهم إلا بالتخلّص من العبودية المطلقة لواشنطن التي أثبتت الأحداث الأخيرة أنها لم تحمهم ولن تحميهم من أيّ خطر محتمل من إيران وهو غير موجود أساساً.

وما على الحكّام في هذه الحالة إلا العودة إلى الحوار المباشر والجادّ والصادق مع طهران، ومن دونها لن يعني نفطهم وغازهم أيّ شيء طالما أنّ مضيق  هرمز مغلق وأنابيبهم ستكون في مرمى المسيّرات والصواريخ وأياّ كان مصدرها في حال انفجار الوضع العسكري إقليمياً، وهو ما سيعني النهاية الحتمية لحكّام الخليج بل وربما دولهم أيضاً.

وأما الحديث عن الخطر النووي الإيراني الذي سوّق له الكيان العبري فلم يعد له أيّ معنى بعد أن أثبت العدوان الصهيو - أميركي أنّ ما تسعى إليه واشنطن و"تل أبيب" إنما هو تدمير إيران الثورة بالكامل والانتقام منها لعدائها العقائدي الصادق للكيان العبري وسياساته الصهيونية.

لذا وفي هذه الحالة وبعد أن تنهي أنظمة الخليج خلافاتها القبلية التقليدية كما هو الحال بين آل سعود وآل نهيان، كما شاهدنا ذلك بقرار أبو ظبي بالانسحاب من أوبك، وقبل ذلك بين آل سعود وآل نهيان مع آل ثاني وكلّهم في الفلك الأميركي سويةً، فلا بدّ لهذه الأنظمة أن تثبت للجميع  مصداقيّتها في التعامل الصادق والإنساني مع كلّ قضايا المنطقة.

وما عليهم إلا أن يثبتوا ذلك بالكفّ عن تدخّلاتهم في لبنان وجرّه إلى الفتنة الداخلية خدمة لحسابات ومخططات  التحالف الصهيو - أميركي الذي يسعى لتدمير هذا البلد بكلّ مكوّناته وطوائفه التي لا تستسلم له.

وفي جميع الحالات ومع أنني غير متفائل من احتمالات التغيير في سلوكيات حكّام الخليج إلا أنّ المعطيات الواردة من هذه الدول تعني بكلّ وضوح أنّ خيارات هؤلاء الحكّام باتت معدودة، وبعد أن أثبت الرئيس ترامب أنه لم يتردّد ولن يتردّد بالتضحية بهم جميعاً من أجل الشريك الاستراتيجي الأوحد اليهود الصهاينة، وبدورهم لم يتردّدوا ولن يتردّدوا في التخلّص من أيّ حاكم خليجي أو إقليمي لا يستسلم لهم أو يركع أمامهم فحسب بل يساعدهم في التآمر على جيرانهم وأشقائهم العرب والمسلمين، كما هو الحال مع إيران ولبنان واليمن والعراق وقبل ذلك سوريا التي تآمر عليها حلفاء "تل أبيب"!