الحرب على إيران.. حملات تزييف الحقائق على أشدها!

الفترة الماضية سجلت دخول شركات ومؤسسات ووسائل إعلام عديدة على هذا الخط، وذلك بغية ترويج سرديات خاصة، أو التهرب من الاعتراف بحقيقة ما أحدثته الحرب من تأثيرات وتبعات اقتصادية خطيرة.

0:00
  • تشهد الحرب على إيران واحدة من أضخم الحملات الإعلامية الرامية إلى تزييف الحقائق.
    تشهد الحرب على إيران واحدة من أضخم الحملات الإعلامية الرامية إلى تزييف الحقائق.

تشهد الحرب على إيران واحدة من أضخم الحملات الإعلامية الرامية إلى تزييف الحقائق والمعلومات المتعلقة بدوافع هذه الحرب، ومجرياتها، ونتائجها، وآفاقها المستقبلية. لكن، أليس من عادة الأطراف المتحاربة عبر التاريخ إخفاء جزء من الحقيقة عن جمهورها، حفاظاً على الروح المعنوية للمقاتلين، ولعدم الاعتراف بالهزيمة أمام الخصم؟

نعم، هذا صحيح، إنما ما يحدث اليوم يتجاوز بكثير الأطراف المتحاربة، إذ إن حملات التزييف الإعلامية أصبحت تستهدف العالم أجمع، بدءاً من تبرير هذه الحرب التي كانت بمنزلة وباء على الاقتصاد العالمي، مروراً بالتبشير بقرب انتهائها وإسقاط الحكومة الإيرانية، وصولاً إلى الحديث عن عودة صادرات النفط الخليجية إلى سابق عهدها.

والمثير للانتباه أن حملة العلاقات العامة هذه لم تقتصر فقط على المسؤولين الأميركيين، الذين باتوا موضع تشكيك في مصداقيتهم لدى أوساط عديدة من الرأي العام، من وزير الحرب إلى وزير الخارجية، فالرئيس ترامب نفسه. فقد سجلت الفترة الماضية دخول شركات ومؤسسات ووسائل إعلام عديدة على هذا الخط، وذلك بغية ترويج سرديات خاصة، أو التهرب من الاعتراف بحقيقة ما أحدثته الحرب من تأثيرات وتبعات اقتصادية خطيرة.

خطة ممنهجة للتضليل

بدأت تلك الحملات الدعائية خلال فترة الحرب، واتخذت لنفسها مسارين متوازيين: الأول يقوم على ترويج فكرة أن إيران هُزمت في هذه الحرب، وأن إمكانياتها وقدراتها العسكرية والاقتصادية دُمّرت بالكامل، وبالتالي فإن الإعلان عن انتهاء الحرب ليس سوى مسألة أيام قليلة.

ويتمثل المسار الثاني في إخفاء خسائر الولايات المتحدة و"إسرائيل" والدول التي تحتفظ بقواعد أميركية على أراضيها، وذلك من خلال منع نشر أي أخبار أو صور عن نتائج الاستهداف الإيراني للمنشآت المرتبطة بواشنطن و"تل أبيب"، والتركيز على قدرة الدفاعات الجوية والصواريخ الاعتراضية الأميركية في إسقاط الصواريخ والمسيّرات الإيرانية ومنعها من الوصول إلى أهدافها.

لكن هذه الروايات لم تكن تصمد كثيراً في خضم استمرار طهران في قصف المنشآت والقواعد الأميركية، ونجاحها في استهداف طائرات ومسيّرات أميركية وإسرائيلية، فضلاً عن صور الأقمار الصناعية التي تظهر حجم الدمار الذي لحق ببعض القواعد والمنشآت الأميركية والإسرائيلية، وما وثقته هواتف السكان في العديد من الدول أثناء سقوط الصواريخ الإيرانية على أهدافها.

ومع إغلاق مضيق هرمز، وما تسبب به من ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز، وزيادة الضغوط التضخمية عالمياً، انتقلت حملات التضليل وترويج الأخبار المضللة إلى مرحلة أخرى، هدفها التأثير في أسعار النفط من ناحية، ونفي استمرار القيود والمخاطر التي تواجه حركة الملاحة في المضيق من ناحية أخرى.

فكانت هناك أخبار تتحدث عن تمكن عشرات السفن يومياً من عبور المضيق، وعودة جزء كبير من صادرات النفط الخليجي إلى الأسواق العالمية، في وقت كانت فيه حركة الملاحة لا تزال أدنى بكثير من مستوياتها المعتادة، فيما بقيت كلف الشحن والتأمين مرتفعة، واستمرت أسعار النفط عند مستويات أعلى من تلك التي سبقت الحرب.

واللافت أن بعض هذه الأخبار جاء على لسان مسؤولين أميركيين، أو مؤسسات استشارية ومالية معروفة، وغيرها، وهو ما منحها قدرة أكبر على الانتشار والتأثير.

في المقابل، كانت بيانات تتبع حركة المضيق عبر الأقمار الصناعية تظهر تراجعاً واضحاً في عدد السفن التي تمكنت من عبوره منذ انهيار مذكرة التفاهم وعودة المواجهة، فيما تكدّست سفن محمّلة بالنفط والسلع في مرافئ دول المنطقة، بانتظار ظروف أكثر أمناً لعبور المضيق.

ومع ذلك، فإن القول إن المضيق توقف عن العمل بصورة كاملة لا يتطابق مع البيانات المتاحة؛ إذ استمرت بعض ناقلات النفط في العبور، واستخدمت شركات الشحن ترتيبات مختلفة، بينها إطفاء أجهزة التتبع ونقل النفط من سفينة إلى أخرى قرب عُمان. لكن حجم الحركة بقي أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، وهو ما يجعل الحديث عن عودة الملاحة إلى طبيعتها أمراً مبالغاً فيه.

كما أن أسعار النفط نفسها تعكس استمرار حالة عدم اليقين. فبعد تراجع برنت إلى ما دون 100 دولار في 22 سبتمبر، عاد إلى الارتفاع متجاوزاً 106 دولارات في 24 سبتمبر، قبل أن يتراجع مجدداً مع ظهور مؤشرات على اتصالات أميركية- إيرانية وإمكان التوصل إلى تفاهم بشأن المضيق.

فمثلاً، قبل أيام قليلة، كان هناك خبران منشوران في وسيلتي إعلام خليجيتين. الخبر الأول يتحدث عن عودة صادرات المملكة العربية السعودية في شهر سبتمبر إلى مستوى متقارب مع صادراتها المعتادة قبل الحرب، ومن دون أن يوضح كيف عادت منظومة تصدير النفط إلى طبيعتها فعلاً بعد تطور المواجهة بين الرياض وصنعاء.

والخبر الثاني يتطرق إلى تعطل إمدادات النفط في المملكة نتيجة توقف خط شرق-غرب بعد استهدافه بطائرات مسيّرة. المفارقة لا تكمن في اختلاف مضمون الخبرين فقط، وإنما في كونهما صادرين عن وسيلتين إعلاميتين يفترض أنهما تعملان في قلب الحدث!

والواقع أن بيانات حركة النفط خلال سبتمبر تشير إلى تعافٍ جزئي في الصادرات السعودية، وليس إلى عودة كاملة إلى الوضع السابق للحرب. فقد رفعت السعودية تحميلاتها من موانئها على الخليج بعد توقف الشحنات عبر ميناء ينبع، بينما ارتفعت التدفقات السعودية عبر مضيق هرمز إلى نحو 2.9 مليون برميل يومياً في بعض الفترات، مقارنة بنحو 700 ألف برميل يومياً في أغسطس، وفق بيانات تتبع الأقمار الصناعية التي أوردتها "رويترز". وفي 22 سبتمبر استؤنفت عمليات خط شرق-غرب، لكن بوتيرة منخفضة، مع تقديرات بأن استعادة طاقته الكاملة قد تستغرق أسابيع.

المصادر المفتوحة

كل هذا يحدث وسط غياب واضح للبيانات والأرقام الإحصائية المتعلقة بمختلف أنشطة القطاعات الاقتصادية والخدمية. فالمفترض بهذه البيانات والأرقام أن تظهر جانباً من انعكاسات مرحلة الحرب على اقتصادات دول المنطقة، سلباً وإيجاباً، أو على الأقل أن تدعم السرديات والروايات التي تروج هنا وهناك. وما ينشر من بيانات يبقى محدوداً، وغالباً ما يكون عبارة عن تقديرات أولية مختصرة.

إحدى مزايا التحول التكنولوجي والتقني الهائل في مجال نقل المعلومات أنها أتاحت مصادر عدة أمام سكان الكوكب، وبالتالي أصبح بإمكان أي مستخدم أن يتجول في تلك المصادر، ويحصل على ما يريد من معلومات، ويحللها ويقارنها بغيرها، ومن ثم يبني سردية خاصة به، قد تتفق أو لا تتفق مع السرديات التي تروجها وتتبناها وسائل الإعلام بشقيها التقليدي والحديث.

والأهم أن الفرد في جميع دول العالم بات أمام مؤشرات واضحة على متغيرات الحرب الجارية وتحولاتها، ومن بينها أسعار المشتقات النفطية في بلده. فاستمرار ارتفاع هذه الأسعار، رغم أي دعم رسمي لها، يعكس استمرار آثار الأزمة على الاقتصاد والأسواق، وإن كان لا يكفي وحده للحكم على مسار الحرب أو موعد انتهائها.

وفي الحالة الراهنة، فإن استمرار ارتفاع كلف الشحن والتأمين، وانخفاض حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى مستويات بعيدة عن المعدلات السابقة للحرب، واستخدام طرق نقل استثنائية لتجاوز المخاطر، كلها مؤشرات أكثر دلالة على أن حركة التجارة والطاقة لم تعد بعد إلى طبيعتها.

وأقسى ما في هذا الملف أن المؤسسات المتورطة في ترويج هذه السرديات المضللة، على اختلاف اختصاصاتها وأنشطتها وملكيتها، لا تكلف نفسها عناء مراجعة عملها ومكاشفة جمهورها، إذ سرعان ما يجدها الجمهور تنتقل مجدداً إلى التعامل مع سردية جديدة وملف آخر، وكأن شيئاً لم يحدث!