التمرد من أجل الكرامة: كيف تعيد إيران تعريف الصراع مع الهيمنة؟

لا تصدّر "الثورة" كمنتج سياسي جاف، بل كمنظومة قيمية وثقافية، من خلال حضور الفنون والآداب وتقديمها ثقافة بديلة لثقافة الاستهلاك الغربية، ومنظومة أخلاقية قيمية في وجه ثقافة "إبستين" المنحلة.

  • نظام عالمي رافض للهيمنة: يوتوبيا أم واقع؟
    نظام عالمي رافض للهيمنة: يوتوبيا أم واقع؟

منذ الـ28 من شباط/فبراير الفائت، انتقلت المواجهة، التي استمرت عقوداً، بين إيران وخصومها، من حرب خفية بأدوات اقتصادية أمنية دبلوماسية، إلى حرب مفتوحة، لا بل لحظة كاشفة في تاريخ النظام الدولي. حربٌ تضرب فيها القوة العسكرية بأقسى أدواتها وأكثرها توحشاً، يقابلها صمود أسطوري. لكنه ليس مجرد صمود نابع من مقدرات دفاعية أو قدرة على التحمل، بل من صمود يُقرأ باعتباره تعبيراً مكثفاً عن فكرة أعمق؛ الثورة على نظام الهيمنة العالمي.

في هذا السياق، لا تبدو إيران مجرد دولة تقاتل في حرب مفروضة عليها، بل أمةً تسعى لإعادة تعريف موقعها وموقع غيرها في العالم. بمعنى أن القضية لم تعد تتعلق بنجاة إيران ونظام الجمهورية الإسلامية من الهجمات، بل بفرضها معنى جديداً للاستقلال، يتجاوز الحدود الجغرافية نحو أفق عالمي.

في البدء... كانت الثورة

ليست هذه الرؤية جديدة أو طارئة على الإنسان والفكر الإيرانيين، فقد تأسست دعاماتها منذ بدايات الثورة الإسلامية، عندما اعتبر مرشدها الأول وقائدها الإمام روح الله الخميني أن الاستقلال ليس شعاراً، بل هو شرط وجود، رافضاً أن تكون إيران الثورة تابعة لأي محور أو دولة عظمى عندما رفع شعار "لا شرقية ولا غربية".

لم يكن هذا الطرح آنذاك مجرد خطاب تعبوي، بل إعلاناً مبكراً عن مشروع طويل الأمد يسعى إلى كسر نمط الهيمنة الدولية الذي يقسّم العالم إلى مراكز قوة، على رأسها "الشيطان الأكبر"، وأطراف تابعة لا حول لها ولا قوة.

اليوم، وفي قلب الحرب الحالية، تعود هذه الأفكار لتتجسد بشكل أكثر وضوحاً. فالصمود الذي تحدثنا عنه آنفاً، ورغم كثافة الهجمات ووحشيتها، يُقرأ داخلياً وخارجياً كإرادة رافضة للخضوع، وكقدرة على تحويل الضغط والحصار إلى دافع لبناء الهوية الوطنية.

وهو مفهوم عمّقه الشهيد السيد علي خامنئي، طوال 37 عاماً، وأسس له من خلال بناء مجتمع مقاوم يعتمد على نفسه وقدراته الذاتية ولا ينتظر عطايا الدول العظمى ولا فتات اتفاقاتها، وهو في خطبه وكلماته كان دائماً يكرر أن "الأمة التي تعتمد على نفسها لا تهزم"، وأن الإيرانيين يجب أن يعتمدوا على أنفسهم ويبنوا اقتصاداً مقاوماً يجعلهم بغنى عن الدول الأخرى، ووسع هذا المفهوم ليشمل كل الأمة الإسلامية، ففي إحدى خطبه أمام مؤتمر الوحدة الإسلامية قال: "إنّ الحكومات الإسلامية سيشتدّ ساعدها إذا ما استمدّت قوّتها من الساحل الممتد للأمة الإسلامية، وهذا بخلاف اعتمادها على سفراء أميركا وسياسييها، فهؤلاء لن يُسبغوا عليهم القوة..".

ومن هنا يُفهم أن الصمود والاعتماد على الذات، في فكر الشهيد خامنئي، لا يُقدَّم كحالة وطنية مغلقة، بل كجزء من فلسفة أوسع تسعى إلى "تثوير الشعوب". وهنا يظهر البعد العالمي للمشروع الإيراني، الذي يتجاوز الدفاع عن السيادة إلى محاولة إلهام نموذج بديل. نموذج يقوم على ثنائية "الاستقلال والكرامة"، في مواجهة نظام دولي يُنظر إليه باعتباره قائماً على الإخضاع وإعادة إنتاج التبعية.

يرى البعض أن هذا التوجه الإيراني نحو التمرد على الهيمنة يرتبط بالجينات لدى الإيرانيين، ويدللون على ذلك بأمثلة كثيرة عبر التاريخ، فحكومة محمد مصدق عام 1951 عمدت إلى تأميم النفط، فكانت أول صرخة استقلال في وجه الاستعمار الجديد.

ورغم أن الإمبريالية عادت إلى فرض الشاه لسرقة المقدرات الإيرانية وجعل هذا البلد تابعاً للولايات المتحدة وشرطياً يحقق مصالحها في غرب آسيا، إلا أن الشعب رفض هذه التبعية وثار على أدوات أميركا وطردهم خارج البلاد وحقق ثورته بسواعد أبنائه ووعي قادته.

أسس التمرد على الهيمنة

ليس التمرد الإيراني على الهيمنة والتبعية مجرد شعار يطرح في المنتديات السياسية والدبلوماسية، بل هو شعار تم تجسيده عبر سنوات طويلة من خلال جملة من المحددات:

اقتصاد المقاومة... قبل العدوان وبعده

قبل أيام، نشرت قناة "قائد الثورة والجمهورية الإسلامية مجتبى خامنئي على تطبيق تيلغرام كلمة بعنوان "قتصاد المقاومة في ضوء الوحدة الوطنية والأمن القومي". تعكس هذه الكلمة مفهوم "اقتصاد المقاومة" الذي أسسه الشهيد خامنئي، عام 2014. تتمحور الفكرة الأساسية وراء هذا المفهوم حول إعادة هيكلة الاقتصاد الإيراني، ليس فقط للحد من تأثره بالعقوبات الغربية المفروضة عليه منذ عقود، بل لتمكينه من الاستقرار، لا بل والتطور.

وبفضل عقيدة اقتصاد المقاومة، وبمساعدة من حلفائها، تمكنت إيران، إلى حد كبير، من عزل اقتصادها عن النظام الاقتصادي العالمي الذي يعاني الآن من تداعيات العداون عليها وإغلاق مضيق هرمز.

بنى النظام الإيراني اقتصاداً مستقلاً، حاول تحقيق الاكتفاء ومقارعة موجات العقوبات الأميركية والأوروبية، ورغم أن المواطن الإيراني لا يعيش البحبوحة، إلا أنه يؤمن مستلزماته الأساسية، ويحقق استقراراً قلما نجده في أي دولة عانت من جراء العقوبات والحصار لسنوات.

بعد الـ 28 من شباط/فبراير 2026، فعّلت إيران خيار التحكم في حركة الملاحة في الخليج عبر مضيق هرمز، ليصبح المضيق عنواناً عالمياً لعقيدة إيران الاقتصادية المقاومة. وهذا لا يشمل فترة الحرب فقط، بل بات العديد من المسؤولين الإيرانيين يصرحون أن إيران ستقوم بإعادة صياغة قواعد المرور والاستفادة من المضيق، وهذا يعني حكماً عدم استفادة الدول المعادية لإيران من المضيق، وعلى رأسها أميركا.

وبهذه الطريقة، تمكن نظام الجمهورية الإسلامية من تحويل العدوان الأميركي الإسرائيلي من مجرد حرب إقليمية إلى حرب دولية ذات تداعيات تاريخية محتملة على النظام المالي العالمي.

كسر هيمنة الدولار

في الوقت الذي يسيطر فيه الدولار على نحو 58% من احتياطيات النقد العالمي، وتتحكم واشنطن، من خلال نظام سويفت، بالتحويلات النقدية، تقود طهران مع شركائها في مجموعة "بريكس" توجهاً طموحاً لتقليل الاعتماد على الدولار، من خلال طرح عملة جديدة للتكتل الذي يضم أكثر من 40% من سكان العالم وأكثر من ثلث النمو الاقتصادي العالمي، متجاوزاً مجموعة السبع الصناعية، وأيضاً من خلال تشجيع الدول المشاركة في التكتل على الدفع بعملاتها المحلية في التبادلات البينية.

هذا التوجه عززته إيران حتى خلال الحرب، فقد أعلنت على لسان مسؤول رفيع أنها تدرس السماح بمرور عدد محدود من ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، لكن "بشرط أن يتم تداول شحناتها باليوان الصيني".

العقيدة العسكرية والحرب غير المتكافئة

بنيت العقيدة العسكرية الإيرانية بالاستفادة من دروس حرب "الدفاع المقدس" مع العراق (1980-1988)، ودروس الاحتلال الأميركي لكل من أفغانستان والعراق، الجارتين، فقد أتاحت هذه الحروب للمخططين العسكريين الإيرانيين فرصةً طويلة الأمد وشاملة بشكل استثنائي لدراسة أساليب الحرب الأميركية على مدى عقدين من الزمن، فحللوا هذه الأساليب، واستفادوا منها، واستوعبوا منطقها في عقيدتهم الخاصة بالحرب غير المتكافئة.

والآن، ظهر للعالم كيف أسهمت هذه العقيدة في صمود إيران وتوجيه ضربات موجعة لأعدائها رغم تعرضها لقوتين عسكريتين غاشمتين. فتُوظّف موارد الدولة العسكرية والمدنية والاقتصادية والإعلامية في حملة تمرد متعددة المجالات وطويلة الأمد، مصممة على إلحاق أقصى قدر من الضرر بأعدائها. وبذلك، تستند هذه العقيدة إلى ما يُعد ربما أعظم ميزة للجمهورية الإسلامية: صبرها غير المتكافئ، أي قدرتها على تحمل قدر أكبر من العذاب الجسدي والنفسي مقارنةً بخصومها الغربيين وحلفائهم.

أيضاً استندت هذه العقيدة على تطوير الترسانة الصاروخية بشكل واسع ولافت، من حيث العدد والنوعية والمديات والقدرة على تخطي طبقات الدفاع الجوي المعادية، ولهذا رفضت إيران دائماً مناقشة برنامجها الصاروخي في أي جولة تفاوض مع الغرب، باعتباره حقاً سيادياً دفاعياً لا يتعارض مع القانون الدولي.

وفي هذا الإطار نذكر ما قاله الشهيد السيد خامنئي قبل أيام من استشهاده: "إحدى القضايا الداخلية المهمة جداً بالنسبة إلينا هي قضية الأسلحة. يجب أن نمتلك أسلحة رادعة. إنّ أيّ بلدٍ لا يمتلك أسلحة ردعٍ، سيُسحقُ تحت أقدام الأعداء... يقول (ترامب) باستمرار: لقد أرسلنا حاملة طائرات نحو إيران... حسنًا، بالطبع إنّ حاملة الطائرات خطيرة، ولكن الأشدّ خطورةً منها هو ذاك السلاح القادر على إغراقها إلى قعر البحر".

وبضرب إيران لأكبر مقدرات أعدائها (حاملات الطائرات) وتجاوز صواريخها أهم طبقات الدفاع الجوي عالمياً وأكثرها كلفة، فإنها تهز صورة هذا الاستكبار العالمي، وتعطي الأمل للشعوب المستضعفة بأن هزيمة هذا الاستكبار عسكرياً ممكنة ومتاحة، وليست مستحيلة.

التحالفات الصلبة والبعد الإنساني

بنت إيران تحالفات إقليمية ودولية، قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، أهمها كان مع الصين وروسيا، إضافة إلى الاستفادة من الأخطاء الأميركية، وبناء علاقات طيبة مع جارتيها العراق وأفغانستان، وعززت التبادل التجاري مع جيرانها وقامت ببناء وتطوير ممرات تجارية التفت فيها على خارطة النفوذ التقليدية.

إضافة إلى هذه التحالفات عززت إيران "محور المقاومة"، وقدمت العلاقة معه بوصفها علاقة استراتيجية عقائدية وسياسية تهدف إلى مواجهة الهيمنة الخارجية، خصوصاً الأميركية الإسرائيلية، ودعم قضايا المستضعفين في المنطقة.

وترى طهران أن أطراف المحور ليسوا مجرد حلفاء، بل يشكلون جبهة موحدة في وجه الهيمنة، رغم اختلاف الهويات المذهبية والقومية، وهو محور أثبت صلابته وتماسكه، في وجه تفكك محاور الأعداء، وخصوصاً التحالفات التقليدية التي كانت تجمع الولايات المتحدة مع الكثير من الدول حول العالم، وعلى رأسها حلف الناتو والتحالف مع الدول الأوروبية التي رفضت مساعدة واشنطن في حربها على إيران وفي تشكيل تحالف دولي للسيطرة على مضيق هرمز.

بعدٌ آخر يتجلى فيه الحضور العالمي لتحالفات إيران، عبر تعميق علاقات ذات طابع إنساني، ولا أدل على ذلك من الموقف الإيراني بالوقوف إلى جانب الشعب الفنزويلي وكسر الحصار الأميركي المفروض عليه منذ سنوات، في وقت وقفت فيه كل دول العالم متفرجة، فكسبت إيران بذلك قلوب الأحرار حول العالم بكونها دولة لا تتحاشى قول "لا" في وجه أقوى قوة في العالم لأسباب إنسانية بحتة ومن دون أي منافع اقتصادية أو سياسية.

العلم كفعل مقاومة

عندما تتبوأ إيران المرتبة الرابعة عالمياً في تكنولوجيا النانو، أو تحقق قفزات في أبحاث الخلايا الجذعية وعلوم الفضاء رغم الحصار، فهي ترسل رسالة مفادها أن الاستقلال في مجال العلوم والبحث العلمي هو أساس التمرد على الهيمنة، وتحطيم احتكار الغرب للمعرفة.

في مجال العلوم أيضاً يبرز تمسك إيران بالأبحاث النووية السلمية، بصفته حقاً مكتسباً لا يملك ساكن البيت الأبيض سلبه منها، وهنا نفهم سبب إصرار واشنطن على وقف تخصيب اليورانيوم لدواعٍ بحثية، فهي لا تريد لإيران أن تحقق أي تقدم علمي أو تكسر الحصار الغربي من خلال بدائل في مجالات الطاقة والطب والأدوية وغيرها...

القوة الناعمة والثقافة البديلة

لا يقتصر التمرد الإيراني على الصواريخ أو الاقتصاد أو العلوم، بل يتسلل عبر "قوة ناعمة" تستمد زخمها من إرث حضاري يمتد لآلاف السنين. فإيران لا تصدّر "الثورة" كمنتج سياسي جاف، بل كمنظومة قيمية وثقافية، من خلال حضور الفنون والآداب وتقديمها ثقافة بديلة لثقافة الاستهلاك الغربية، ومنظومة أخلاقية قيمية في وجه ثقافة "إبستين" المنحلة.

وأبرز وجوه هذه الثقافة هي السينما الإيرانية التي حققت قفزات كبيرة أسهمت في وصولها إلى العالمية وتحقيق أهم الجوائز، حيث لم تكن مجرد فن، بل كانت نافذة إنسانية قدمت للعالم حقيقة الإنسان الإيراني المعتز بهويته، البسيط في عيشه، والعميق في تطلعاته. هذا الحضور الذي كسر الصورة النمطية التي حاول الإعلام الغربي تسويقها لعقود.

أيضاً برعت إيران في استخدام الفن الملتزم عبر الأناشيد العابرة للحدود مثلاً (نشيد سلام فرمانده الذي تُرجم لعشرات اللغات) لخلق وجدان جمعي عابر للحدود حول فكرة دينية.

نظام عالمي رافض للهيمنة: يوتوبيا أم واقع؟

هل ما نظّرت له إيران وحاولت تكريسه عبر عقود، وطبقته في العدوان عليها هو حلمُ حالمٍ؟ أم أنه بالإمكان تحقيقه؟ بالنظر إلى تراجع الهيمنة الأحادية وصعود قوى الجنوب العالمي، يبدو أن هذا النظام القائم على كسر الهيمنة بدأ يتشكل فعلياً.

وهنا لن نتطرق إلى الحديث عن الجانب الديني العقدي، الذي يربط المسلمين وخصوصاً في إيران بالمخلص المنتظر (المهدي) الذي سيأتي في ما يعرف بآخر الزمان من أجل كسر الظلم على مستوى العالم، وتحقيق العدل المنشود، وبحسب الروايات الدينية (الشيعية) سيكون لإيران ونظامها دور كبير في هذه الصحوة العالمية وهذا التمرد على قوى الاستكبار.

بالخلاصة، فإن ما يحدث ليس صراعاً على حدود أو مصالح، بل هو حرب وجودية؛ بين مستكبر يريد أن يظل سيداً ويفرض هيمنته ويوسعها، تمثلها عنجهية ترامب ونتنياهو، وطرف آخر يطمح لأن يحقق الكرامة والعدل للجميع، تقوده إيران، أو تتحمل العبء الأكبر من هذا الصراع لكسر الهيمنة.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.