التغوّل والتوسّع يُتوّج أميركا دولة مارقة

قائمة المحاولات الكارثية الأميركية لتغيير الأنظمة طويلة للغاية، وتشمل كوسوفو وسوريا وأوكرانيا واليمن. جميعها أمثلة على حماقة التوسع الإمبريالي المفرط، وتنبئ جميعها بالمصير الذي ينتظر أميركا.

  • من سيحكم فنزويلا؟ من سيحكم غزة؟ هل يهم ذلك؟
    من سيحكم فنزويلا؟ من سيحكم غزة؟ هل يهم ذلك؟

قضت الطبقة الحاكمة الأميركية، المنفصلة عن الواقع وأعماها الغباء والجشع والغطرسة، على الآليات الداخلية التي تمنع قيام الديكتاتورية، والآليات الخارجية المصممة للحماية من عالمٍ خارج عن القانون، عالم الاستعمار ودبلوماسية البوارج الحربية.

هكذا يخلص الكاتب والمفكر الأميركي، كريس هيدجز، إلى أن تقويض سيادة القانون في الداخل والخارج يُرسخ مكانة أميركا في العالم كدولة مارقة.

فالمؤسسات الديمقراطية في حالة احتضار. فهي عاجزة أو غير راغبة في كبح جماح التشكيل العصابي الحاكم. فالكونغرس الخاضع لجماعات الضغط بات ذيلاً بلا فائدة. وتنازل عن سلطته الدستورية، بما فيها حق إعلان الحرب وسنّ التشريعات، منذ زمن بعيد. فخلال 2025، لم يُرسل سوى 38 مشروع قانون هزيل إلى دونالد ترامب لتوقيعها. معظمها قرارات "نقض" تُلغي لوائح سُنّت خلال إدارة بايدن. ويحكم ترامب بمراسيم إمبراطورية عبر الأوامر التنفيذية.

وسائل الإعلام، المملوكة للشركات والأوليغاركيات، من جيف بيزوس إلى لاري إليسون، مجرد صدى لجرائم الدولة، بما فيها الإبادة الجماعية المستمرة للفلسطينيين، والهجمات على إيران واليمن وفنزويلا، ونهب طبقة المليارديرات.

وغدت الانتخابات المشبعة بالمال مهزلة. وتم تفكيك السلك الدبلوماسي، المكلف بالتفاوض على المعاهدات والاتفاقيات، ومنع الحروب، وبناء التحالفات. أما المحاكم، فرغم بعض الأحكام الصادرة عن قضاة شجعان، بما فيها منع نشر الحرس الوطني في لوس أنجلوس وبورتلاند وشيكاغو، ليست إلا أدوات بيد الشركات، وتخضع لإشراف وزارة العدل التي وظيفتها الأساسية إسكات خصوم ترامب السياسيين.

البلطجة بديلاً من السياسة

وبالنسبة إلى هيدجز، الحزب الديمقراطي، الذي يُفترض أنه المعارضة، بينما يخضع واقعيًا للشركات، يُعرقل آلية الإنقاذ الوحيدة – الحراكات الجماهيرية والإضرابات – لعلمه أن قيادته الفاسدة والممقوتة ستُزاح من موقعها. ويعامل قادته عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني – وهو بصيص الأمل في الظلام – وكأنه مجذوم. يفضلون ترك السفينة تغرق على التخلي عن مكانتهم وامتيازاتهم.

الأنظمة الديكتاتورية أحادية البعد، فهي تختزل السياسة إلى أبسط صورها: إما أن تفعل ما أقوله أو سأدمرك.

الفروق الدقيقة، والتعقيد، والتسوية، وبالطبع التعاطف والتفهم، أمورٌ تتجاوز النطاق العاطفي المحدود لمجتمع العصابات، بما في ذلك زعيمها الأعلى.

الأنظمة الديكتاتورية جنةٌ مأوى البلطجية. فالعصابات، سواء في وول ستريت أو وادي السيليكون أو البيت الأبيض، تفترس بلادها وتسلب موارد الدول الأخرى.

الأنظمة الديكتاتورية تقلب النظام الاجتماعي رأسًا على عقب. فالصدق، والعمل الجاد، والرحمة، والتضامن، والتضحية بالنفس، كلها صفات سلبية لديها. من يتمسك بهذه الصفات يُهمّش ويُضطهد، بينما يزدهر عديم الرحمة، والفاسد، والكاذب، والتافه والقساة قلوبهم.

تمنح الأنظمة الديكتاتورية البلطجية القدرة على إبقاء ضحاياها – بالداخل والخارج – عاجزين عن الحراك. وهناك بلطجية إدارة الهجرة والجمارك وقوات دلتا والبحرية الخاصة، وفِرَق عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الخاصة، وهي كما يعلم أي عراقي أو أفغاني – أخطر فرق الموت في العالم. وبلطجية مكتب التحقيقات الفيدرالي وإدارة مكافحة المخدرات – الذين شوهدوا يرافقون الرئيس نيكولاس مادورو مكبل اليدين في نيويورك – وبلطجية وزارة الأمن الداخلي وأقسام الشرطة.

مسارات عدمية

هل يمكن لأحد أن يدّعي جادًا أن الولايات المتحدة ديمقراطية؟ هل توجد أي مؤسسات ديمقراطية فاعلة؟ هل هناك أي رقابة على سلطة الدولة؟ هل من آليةٍ تُرسّخ سيادة القانون في الداخل، حيث يُختطف المقيمون الشرعيون من شوارعنا على أيدي بلطجية ملثمين، وحيث يُستخدم شبح "اليسار الراديكالي" الوهمي ذريعةً لتجريم المعارضة، وحيث تمنح أعلى محكمة في البلاد ترامب سلطةً وحصانةً كالملوك؟

هل يُمكن لأحدٍ أن يدّعي، مع هدم وكالات وقوانين البيئة – التي يفترض أن تُساعدنا في مواجهة الإبادة البيئية الوشيكة، أخطر تهديدٍ للوجود البشري – وجود أيّ اهتمامٍ بالصالح العام؟ هل يُمكن لأحدٍ أن يُجادل بأن الولايات المتحدة هي حامية حقوق الإنسان، والديمقراطية، والنظام القائم على القانون، و"فضائل" الحضارة الغربية؟

ستُسرّع العصابات الحاكمة التدهور. سينهبون قدر استطاعتهم، بأسرع ما يُمكنهم، في الطريق نحو الهاوية. لقد جمعت عائلة ترامب أكثر من 1.8 مليار دولار نقدًا وهدايا منذ إعادة انتخابه عام 2024. يفعلون ذلك ساخرين من سيادة القانون مشددين قبضتهم الخانقة ومضيقين الخناق على الناس.

فتُقمع حرية التعبير في الجامعات وعبر وسائل الإعلام. ويَفقد من يستنكرون الإبادة الجماعية وظائفهم أو يُرحّلون. وتُشوه سمعة الصحفيين ويُخضعون للرقابة. فإدارة الهجرة والجمارك، بدعم تقني من شركة بالانتير، وبميزانية قدرها 170 مليار دولار على مدى أربع سنوات، تعمل على ترسيخ أسس دولة بوليسية. وزادت عناصرها بنسبة 120 في المئة. وهي تبني مجمعًا ضخمًا من مراكز الاحتجاز في جميع أنحاء البلاد، ليس فقط للمهاجرين غير الشرعيين، بل للأميركيين جميعًا. لن يكون الناس خارج أسوار هذه الإمبراطورية أفضل حالًا مع ميزانية تريليون دولار لآلة الحرب هذه.

سلطة مطلقة خارج القانون

وهذا يقود إلى فنزويلا، حيث اختُطف رئيس الدولة وزوجته، سيليا فلوريس، ونُقلا سرًا إلى نيويورك في انتهاك صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لم تُعلَن الحرب على فنزويلا، كما لم تُعلن الحرب لدى قصف إيران واليمن. لم يُوافق الكونغرس على اختطاف وقصف المنشآت العسكرية في كاراكاس لعدم إبلاغه بالأمر.

سوّغت إدارة ترامب الجريمة – التي أودت بحياة 80 شخصًا – كمداهمة مخدرات وكانتهاك لقوانين الأسلحة النارية الأميركية، وهو الأغرب: "حيازة رشاشات وأجهزة تدميرية؛ والتآمر لحيازة رشاشات وأجهزة تدميرية".

هذه الاتهامات لا تقل سخافة عن محاولة تبرير الإبادة الجماعية في غزة باعتبارها "حقًا إسرائيليًا في الدفاع عن النفس".

لو كان الأمر يتعلق بالمخدرات، لما أصدر ترامب عفوًا عن رئيس هندوراس السابق، خوان أورلاندو هيرنانديز، الشهر الماضي بعد أن حُكم عليه بالسجن 45 عاماً بتهمة التآمر لتوزيع أكثر من 400 طن من الكوكايين بأميركا، وهي إدانة استندت إلى أدلة أقوى بكثير من التي تدعم التهم الموجهة ضد مادورو.

لكن المخدرات ليست سوى ذريعة. وبفضل هذا النجاح، بدأ ترامب ومرؤوسوه يتحدثون بالفعل عن إيران وكوبا وغرينلاند، وربما كولومبيا والمكسيك وكندا.

تتوسع السلطة المطلقة في الداخل والخارج، وتتغذى على كل عمل خارج عن القانون، وتتدحرج ككرة الثلج إلى نظام شمولي ومغامرات عسكرية كارثية. وعندما يدرك الناس ما حدث، يكون الأوان قد فات.

من سيحكم فنزويلا؟ من سيحكم غزة؟ هل يهم ذلك؟

إذا لم تركع الدول والشعوب لسلطة "مولوخ" إله البطش بواشنطن، فسيتم قصفها. الأمر لا يتعلق بإقامة حكم شرعي، ولا يتعلق بإجراء انتخابات نزيهة. يتعلق الأمر باستخدام التهديد بالموت والدمار لفرض الخضوع التام.

أوضح ترامب هذا الأمر جليًا عندما حذر الرئيسة الفنزويلية المؤقتة، ديلسي رودريغيز، قائلاً: "إذا لم تفعل الصواب، فسوف تدفع ثمنًا باهظًا، ربما أكبر مما وقع لمادورو".

لم يكن اختطاف مادورو بسبب تهريب المخدرات أو حيازة الأسلحة الرشاشة، بل يتعلق الأمر بالنفط. وكما قال ترامب، لكي تتمكن الولايات المتحدة من "إدارة" فنزويلا.

وقال ترامب خلال مؤتمر صحفي صبيحة الاختطاف: "سنرسل شركات النفط الأميركية العملاقة، الأكبر في العالم، لتستثمر مليارات الدولارات في إصلاح البنية التحتية المتهالكة، خاصة البنية التحتية النفطية، وتبدأ بجني الأرباح للبلاد".

يدرك العراقيون، الذين قُتل مليون منهم خلال الغزو والاحتلال الأميركي، ما سيحدث لاحقًا. فقد دُمرت البنية التحتية، الحديثة والفعالة في عهد صدام حسين – وقد عاين هيدجز العراق زمن صدّام، لذا يمكنه توكيد هذه الحقيقة. لم يكن لدى عملاء أميركا العراقيين الذين نصّبتهم حكامًا أي اهتمام بالحكم، ويُقال إنهم سرقوا نحو 150 مليار دولار من عائدات النفط.

بالنهاية، طُردت الولايات المتحدة من العراق، رغم استمرار سيطرتها على عائدات النفط العراقي وتُحوّل روتينيًا إلى بنك الاحتياط الفيدرالي (المركزي) في نيويورك. وتتحالف حكومة بغداد مع إيران، ويضم جيشها قوات الحشد الشعبي العراقية المدعومة من إيران. وأكبر شركاء العراق التجاريين: الصين والإمارات والهند وتركيا.

الهزائم في أفغانستان والعراق، والتي كلّفت الشعب الأميركي ما بين 4 و6 تريليونات دولار، كانت الأغلى في تاريخ الولايات المتحدة. ولم يُحاسب أيٌّ من مُدبّري هذه الكوارث.

انقلابات وتغيير الأنظمة الحاكمة

تنهار الدول المُستهدفة بتغيير أنظمتها، كما حدث في هايتي، حيث أطاحت الولايات المتحدة وكندا وفرنسا بالرئيس جان برتران أريستيد عامي 1991 و2004. وأدى هذا الانقلاب إلى انهيار المجتمع والحكومة، وحروب بين العصابات، وتفاقم الفقر. وتكرر الأمر في هندوراس فأطاح انقلاب بدعم أميركي عام 2009 الرئيس مانويل زيلايا.

وتولى هيرنانديز، الذي عفا عنه ترامب مؤخرًا، الرئاسة عام 2014، وحوّل هندوراس إلى دولة مخدرات، كما فعل حامد كرزاي، دمية الولايات المتحدة بأفغانستان، الذي أشرف على إنتاج 90 في المئة من هيرويين العالم. ثم هناك ليبيا، وهي دولة أخرى تمتلك احتياطيات نفطية هائلة. فعندما أطاح حلف "الناتو" بمعمر القذافي خلال إدارة أوباما عام 2011، انقسمت ليبيا إلى جيوب يسيطر عليها أمراء حرب وميليشيات متنافسة.

قائمة المحاولات الكارثية الأميركية لتغيير الأنظمة طويلة للغاية، وتشمل كوسوفو وسوريا وأوكرانيا واليمن. جميعها أمثلة على حماقة التوسع الإمبريالي المفرط، وتنبئ جميعها بالمصير الذي ينتظر أميركا.

استهدفت الولايات المتحدة فنزويلا منذ انتخاب أوغو تشافيز عام 1998. وكانت وراء محاولة انقلاب فاشلة عام 2002. وفرضت عليها عقوبات قاسية على مدى عقدين. وحاولت تنصيب السياسي المعارض خوان غوايدو "رئيسًا مؤقتًا" رغم أنه لم يُنتخب رئيسًا قط. وعندما فشلت هذه المحاولة، أُطيح غوايدو بقسوة كما فعل ترامب مع شخصية المعارضة والحائزة على جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو. وفي عام 2020، دبّرت الولايات المتحدة محاولة فاشلة أشبه بمسرحية هزلية، قام بها مرتزقة، لإشعال انتفاضة شعبية. لكن كل ذلك باء بالفشل.

يُشكل اختطاف مادورو بدايةً لكارثة أخرى. فترامب وأتباعه ليسوا أكفأ، بل ربما أقل كفاءة من مسؤولي إدارات سابقة حاولوا إخضاع العالم لإرادتهم.

يرى هيدجز أن الإمبراطورية المتداعية تتعثر كوحش جريح، عاجزة عن التعلم من كوارثها، مشلولة بالغطرسة وعدم الكفاءة، تحرق سيادة القانون وتتوهم أن العنف الصناعي العشوائي سيعيد إليها هيمنتها المفقودة. ورغم قدرتها على بسط نفوذ عسكري مدمر، بيد أن نجاحها الأولي يقودها حتمًا إلى مستنقعات مُكلفة وهزائم ذاتية.

لكن المفارقة أن المأساة ليست في موت الإمبراطورية الأميركية، بل في أنها تُزهق أرواح الكثير من الأبرياء معها.