التحالف التركي-المصري.. ليبيا مع من؟
التحالف التركي–المصري يسعى إلى توحيد ليبيا وتعزيز النفوذ الإقليمي، وسط تنافس دولي وإقليمي وتجاهلٍ مستمر للقضية الفلسطينية.
-
التحالف التركي-المصري.. ليبيا مع من؟
اكتسبت زيارة وزير الخارجية هاكان فيدان إلى شرق ليبيا (الأربعاء 12-8) ولقائه هناك مع قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر ونائبه ونجله صدام حفتر ورئيس أركانه ونجله خالد حفتر ومدير صندوق إعمار ليبيا السيادي نجله بلقاسم حفتر أهمية إضافية لتوقيتها الزمني الذي صادف التحركات التركية في المنطقة، خاصة بعد انضمام أنقرة إلى تحالف مكة مع الرياض وإسلام آباد.
واعتبرت الأوساط الدبلوماسية الزيارة محاولة جديدة من أنقرة لتوحيد طرفي النزاع في ليبيا بالتنسيق مع واشنطن، بعد أن لعبت دورًا رئيسيًا نهاية عام 2019 وبداية 2020، دورًا أساسيًا في طرد قوات حفتر التي كانت تحاصر العاصمة طرابلس بدعم من مصر والإمارات والسعودية. وساعد ذلك تركيا لإقامة قواعد عسكرية بحرية وجوية في غرب البلاد، وبالتنسيق مع روما وواشنطن، بعد أن أقامت شبكة علاقات شخصية ورسمية واسعة جدًا مع حكومة فايز السراج المعترف بها دوليًا، ووقعت على اتفاقية التعاون الأمني وترسيم الحدود البحرية مع تركيا في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019. وكان الرئيس أردوغان قد تحدث عن حوالي مليون ليبي من أصل تركي، وهم من بقايا الحكم العثماني لليبيا، والذي استمر حوالي 350 عامًا.
وبعد سيطرتها على طرابلس وجوارها، لعبت تركيا دورًا مهمًا في عملية اختيار عبد الحميد الدبيبة رئيسًا للحكومة من قبل ملتقى الحوار الليبي في 5 فبراير/شباط 2021، وذلك بالتنسيق والتعاون مع روما وواشنطن ولمواجهة الدور المصري والإماراتي والروسي الذي كان مؤثرًا آنذاك شرق ليبيا.
ويبدو أن أنقرة ومنذ فترة قد نجحت، ومن خلال علاقاتها مع خليفة حفتر وأولاده الذين زاروا تركيا، في إقناعهم بضرورة توحيد شرق ليبيا مع غربها، بعد أن بحث فيدان هذا الموضوع مع رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي في طرابلس محمد المنفي.
كما هو بحث الموضوع مع رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح وقبل أن يلتقي المشير خليفة حفتر. وكان بدوره خلال السنوات القليلة الماضية "إرهابيًا وعدوًا لدودًا لتركيا"، وفق تصنيف المسؤولين الأتراك والإعلام الموالي للرئيس أردوغان، حاله حال الرئيس المصري السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، وإلى أن صالحهم الرئيس أردوغان اعتبارًا من نهاية عام 2022.
ومع التذكير بالزيارة التي قام بها هاكان فيدان إلى القاهرة بعد زيارته لكل من طرابلس وبنغازي، حيث أجرى مباحثات مطولة مع نظيره المصري بدر عبد العاطي، الذي أشار إلى "التوافق المصري التركي بشأن الملف الليبي وضرورة احترام دور المؤسسات الوطنية"، وأكد على "دعم بلاده لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وخروج المرتزقة والمقاتلين الأجانب"، تهرب الوزير عبد العاطي من تسمية القوات التركية وما تبقى من المرتزقة الذين تم نقلهم من سوريا إلى ليبيا وعبر تركيا للقتال ضد قوات حفتر.
ودون أن يكون واضحًا هل وكيف نسي أو تناسى الطرف المصري والليبي والتركي كل هذه المعطيات، مع تداخل مصالحها مع مصالح الأطراف الأخرى إقليميًا ودوليًا. مع المعلومات التي تتحدث عن مساعي أنقرة لضم ليبيا، بعد توحيدها، إلى تحالف مكة الثلاثي، وبعد إقناع مصر بالانضمام إليه قريبًا، ثم سوريا وأذربيجان، وهي حليف الكيان العبري. وهو الموضوع الذي بحثه الوزير فيدان مع نظيره المصري عبد العاطي، وبحضور الوزير السعودي فيصل بن فرحان، بعد أن أجريا اتصالًا هاتفيًا مشتركًا مع الوزير الباكستاني محمد إسحاق دار.
في الوقت الذي تكتسب فيه كل هذه التطورات أهمية إضافية لأنها صادفت المعلومات التي تتحدث عن فتور في العلاقات بين دمشق المدعومة من أنقرة مع موسكو، التي تستعد للخروج عسكريًا من سوريا، مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوبها. مع المعلومات التي تحدثت خلال الأشهر الماضية عن زيارات سرية قام بها أولاد خليفة حفتر إلى تل أبيب، وعلى الرغم من التطور الملحوظ في العلاقات العسكرية بين بنغازي وإسلام آباد، خلافًا للفتور في علاقاتها مع موسكو، وبناءً على طلب واشنطن. ويعرف الجميع أنها، أي واشنطن، تعترف لتركيا بدور مباشر وفعال في ليبيا الحارة لمصر، لتكون بوابة الانفتاح والسيطرة الأمريكية على شمال أفريقيا، مع التواجد التركي العسكري والاستخباراتي في السودان وتشاد ومالي والنيجر وأفريقيا، مع تطور العلاقات العسكرية بين أنقرة والرياض التي تستورد الطائرات المسيّرة من تركيا، وبدأت تستخدمها بكثافة في حربها ضد الحوثيين في اليمن.
كل ذلك من تجاهل كل الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها دول التحالف الثلاثي، أي تركيا والسعودية وباكستان، وهي أعضاء في "مجلس ترامب للسلام في غزة"، للعدوان الصهيوني على غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، وهو ما تجاهله الثنائي عون - سلام، كما تجاهل محمود عباس كل ما يعاني منه الشعب الفلسطيني، مكتفيًا بالتنديد والاستنكار لهذا العدوان خلال لقائه الرئيس أردوغان في أنقرة الأسبوع الماضي.
ودون أن يمنع ذلك الوزير فيدان من الحديث عن ضرورة التحرك المشترك لدول تحالف مكة، وبضم مصر إليه، لوضع حد نهائي لعدوان الكيان الصهيوني الذي يستفيد من الواقع المزري الذي تعيشه الدول العربية والإسلامية التي إن لم تقاتل بعضها البعض فهي تتنافس فيما بينها أو تعادي بعضها البعض، ولكن دون أن تختلف مع السيد الأكبر ترامب. وقال أكثر من مرة إنه يرجّح تركيا و"إسرائيل" على باقي دول المنطقة التي، وكما يقول المثل، "لا تحل ولا تربط"، مع استمرار الوجود العسكري الكبير في سوريا والعراق وقطر والصومال وليبيا ودول أخرى فيها تواجد استخباراتي واقتصادي تركي واسع.
وتعبر تل أبيب عن انزعاجها من ذلك، ودون أي تحرك تركي لتقليل هذا التواجد طالما أنه مدعوم من الأنظمة العربية التي تسعى لموازنة "الخطر الإسرائيلي" بالدور التركي وليس الإيراني، الذي أثبت عمليًا، وبالتضحيات الجسام وباعتراف العالم برمته، أنه الوحيد الذي يستطيع أن يواجه الكيان العبري المدعوم من الدول الإمبريالية والاستعمارية ويقضي عليه نهائيًا.
وحتى إن نجح هذا الكيان حتى الآن في شراء ذمم الكثير من حكام المنطقة الذين يريدون لشعوبهم أن تلهي "بالقال والقيل" وتنسى قضاياها الوطنية والقومية والدينية الحقيقية والأساسية. وهو ما فعلته هذه الشعوب منذ قيام الكيان العبري الذي ما زال العديد من حكام المنطقة في خدمته، ومهما أطلقوا على انفراد أو بالتحالفات الثلاثية والرباعية والخماسية من شعارات عنترية جوفاء للتخلص من هذا الكيان وإزالته من الخارطة، وهم أساسًا يتناحرون فيما بينهم في كل بقعة فيها، كما هو الحال في ليبيا أو سوريا أو الصومال والسودان والعراق ولبنان وهلّم جرًا!