البلطجة الإمبريالية: فنزويلا نموذجًا وانهيار النظام الدولي واقعًا
ما جرى في كراكاس لا يخص أميركا اللاتينية وحدها، بل يخص كل من لا يزال يعتقد أن هناك عالمًا تحكمه قواعد، وأن هناك فرقًا بين السياسة والسطو، وبين النفوذ والعدوان، وبين النظام والفوضى.
-
أميركا اللاتينية: ذاكرة الجرح المفتوح.
من غزة إلى كراكاس، المشهد واحد وإن اختلفت الجغرافيا: قوة كبرى تُعلّق القانون حين يعوقها، وتستدعي العنف حين تفشل الأدوات الأخرى، وتفرض واقعًا جديدًا باسم النظام بينما تقوّض أسسه. ما جرى في فنزويلا في مطلع هذا العام ليس حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من ممارسات لم تعد حتى تتكلّف تبرير نفسها.
لم تعد الإمبريالية اليوم بحاجة إلى أقنعة أصلًا. لم تعد تختبئ خلف شعارات "نشر الديمقراطية"، ولا تتزيّى بخطاب "حقوق الإنسان"، ولا تتحرج من خرق القواعد التي شاركت هي نفسها في صياغتها. ما نشهده ليس انحرافًا طارئًا، بل تحوّلًا بنيويًا: عودة صريحة لمنطق البلطجة إلى قلب النظام الدولي.
حين تُقصف دولة ذات سيادة، ويُنتزع رئيسها بالقوة خارج أرضه، بلا تفويض أممي، ولا مسار قانوني، ولا حتى محاولة جدّية لإضفاء شرعية مقنعة، فإننا لا نكون أمام أزمة سياسية، بل أمام انكشاف كامل لطبيعة اللحظة التاريخية: لحظة يتراجع فيها القانون لمصلحة القوة، وتتآكل فيها السيادة لمصلحة الهيمنة، وتُدار فيها العلاقات بين الدول بمنطق من يملك لا بمنطق من يحق له.
فنزويلا هنا ليست سوى المثال الأوضح، لا لأنها الحالة الأولى، بل لأنها الحالة التي سقطت فيها كل المساحيق دفعة واحدة. لم تعد هناك لغة ثقيلة عن "الشرعية الدولية"، ولا ادّعاءات عن "الإجماع العالمي"، ولا حتى محاولات تزيين الخطاب. هناك فقط فعل قوة عارٍ، وواقع يُفرض، ونظام دولي يُختبر في قدرته على أن يكون نظامًا أصلًا.
بهذا المعنى، ما جرى في كراكاس لا يخص أميركا اللاتينية وحدها، بل يخص كل من لا يزال يعتقد أن هناك عالمًا تحكمه قواعد، وأن هناك فرقًا بين السياسة والسطو، وبين النفوذ والعدوان، وبين النظام والفوضى. ذلك الفرق هو ما يتآكل اليوم.
من السياسة إلى الإكراه: كيف تغيّر معنى التدخل؟
التدخل الأميركي في شؤون أميركا اللاتينية ليس جديدًا. الجديد هذه المرة هو انتقاله من طور التأثير غير المباشر إلى طور الفعل القسري العلني، من دون مواربة.
على مدى عقود، استخدمت واشنطن أدوات متعددة للتأثير في مسارات الدول: العقوبات، الضغوط المالية، دعم أطراف داخلية، العزل الدبلوماسي، الحرب الإعلامية. كانت هذه الأدوات — مهما كانت فظة — تُقدَّم بوصفها بدائل عن التدخل العسكري المباشر.
ما حدث في الحالة الفنزويلية هو انقلاب على هذا المنطق نفسه: عودة صريحة إلى القوة الصلبة باعتبارها الأداة الحاسمة، لا الورقة الأخيرة.
وهو تحوّل بالغ الدلالة، لأنه يعني أن القانون الدولي لم يعد يُعامل كإطار مُلزِم، بل كخيار ظرفي يُستخدم حين يخدم المصالح، ويُهمَل حين يعوقها.
القانون الدولي: من قاعدة إلى واجهة
ميثاق الأمم المتحدة واضح في نصه، بسيط في منطقه، صارم في مبدئه: لا يجوز استخدام القوة ضد دولة ذات سيادة إلا في حال الدفاع عن النفس أو بتفويض صريح من مجلس الأمن.
القضية هنا ليست تقنية، بل سياسية وأخلاقية في جوهرها: حين تستخدم دولة كبرى القوة خارج هذا الإطار، فهي لا تنتهك نصًا قانونيًا فقط، بل تنزع الشرعية عن فكرة القانون نفسها.
والخطر ليس أن تُخرق القاعدة مرة، بل أن تتحول القاعدة إلى استثناء، وأن يصبح الاستثناء قاعدة.
أميركا اللاتينية: ذاكرة الجرح المفتوح
في أميركا اللاتينية، لا يُقرأ هذا الحدث بوصفه حادثًا معزولًا، بل عبر ذاكرة طويلة من التدخلات والانقلابات والوصاية الخارجية: من غواتيمالا وتشيلي، إلى نيكاراغوا وبنما.
لذلك فإن وقع ما جرى في فنزويلا يتجاوز الحدث نفسه، ليُعيد تنشيط شعور قديم في المنطقة: أن السيادة ليست محمية بالقانون، بل مؤجلة برضى القوى الكبرى.
وهذا ما يهدد استقرار القارة أكثر من أي حكومة بعينها.
منطق الهيمنة ذاته
قد يبدو للوهلة الأولى أن ما جرى في فنزويلا شأن بعيد، يقع في قارة أخرى، وسياق ثقافي مختلف، ولا يمسّ مباشرة واقعنا العربي المشتعل أصلًا بالأزمات والحروب. لكن هذه النظرة هي بالضبط ما تراهن عليه القوى التي تدير العالم بمنطق القوة لا بمنطق القانون: أن تبقى كل منطقة مشغولة بجراحها، غير واعية بأن الجرح واحد، والأدوات واحدة، والمنهج واحد.
فنزويلا ليست بعيدة سياسيًا، بل بعيدة جغرافيًا فقط. أما من حيث منطق الاستهداف، فهي تقع في القلب من نفس المنظومة التي استهدفت العراق وسوريا وليبيا واليمن وفلسطين: منظومة لا ترى في الدول سوى وحدات قابلة لإعادة الترتيب، ولا ترى في السيادة سوى مفهوم قابل للتعليق حين يتعارض مع المصالح العليا للقوى الكبرى.
من هذه الزاوية، ما جرى في فنزويلا يعنينا عربيًا على ثلاثة مستويات:
أولًا: لأنه يؤكد أن منطق القوة لم يُهزم، بل أُعيد تأهيله. حين تفشل الأدوات الناعمة، تعود القوة العارية بلا تردد. وهذا درس تعرفه منطقتنا جيدًا، وتدفع ثمنه حتى اليوم.
ثانيًا: لأنه يمسّ مباشرة أمن الطاقة العالمي، وبالتالي أمن الاقتصادات العربية. فنزويلا دولة نفطية كبرى، وأي اضطراب في استقرارها ينعكس على أسواق الطاقة، وعلى الدول المنتجة والمستوردة معًا، في زمن تحوّلت فيه الطاقة إلى سلاح سياسي.
ثالثًا: لأن تآكل مفهوم السيادة في أي مكان يسرّع تآكله في كل مكان. حين يصبح انتزاع سلطة دولة بالقوة أمرًا ممكنًا بلا مساءلة، تصبح كل دولة مشروع فنزويلا مؤجلة.
بهذا المعنى، فإن الدفاع عن سيادة فنزويلا ليس تضامنًا أخلاقيًا فقط، بل دفاع عن فكرة الدولة ذاتها.
النظام الدولي في مأزق
الأمم المتحدة، ومجلس الأمن تحديدًا، يواجهان اختبارًا وجوديًا: إما إثبات القدرة على مساءلة من يخرق القواعد، أو تكريس واقع مفاده أن القواعد لا تُطبَّق إلا على الضعفاء.
وفي الحالة الثانية، لا يعود لدينا نظام دولي، بل تراتبية قوة ترتدي قناع النظام.
حين يُعلَّق القانون وتُطلق القوة
ما جرى في فنزويلا ليس حادثًا طارئًا، ولا انزلاقًا عرضيًا في سلوك قوة كبرى، بل هو إعلان غير مباشر بأن مرحلة جديدة قد بدأت: مرحلة تُعلَّق فيها القواعد حين تعيق المصالح، ويُستدعى العنف حين تفشل الأدوات الأخرى.
نحن لا نشهد فقط انتهاكًا لسيادة دولة، بل نشهد انهيارًا متسارعًا لفكرة الردع القانوني نفسها. فكرة أن هناك خطوطًا لا تُتجاوز، وحدودًا لا تُخرق، وقواعد تحكم الجميع — كبيرهم قبل صغيرهم. هذه الفكرة هي التي تتصدع اليوم، ومعها يتصدع الوهم بأن النظام الدولي قادر بذاته على حماية الدول الأضعف، أو حتى حماية نفسه.
حين تصبح القوة بديلًا عن السياسة، والعنف بديلًا عن التفاوض، والضربة بديلًا عن القرار، فإن العالم لا يدخل مرحلة "عدم استقرار" فقط، بل يدخل مرحلة إعادة إنتاج الفوضى تحت اسم النظام.
وهذا بالضبط أخطر ما في المشهد.
لأن الفوضى الصريحة يمكن مقاومتها، أما الفوضى التي ترتدي زيّ الشرعية، وتتكلم بلغة القانون وهي تنتهكه، وتدّعي الدفاع عن الاستقرار وهي تقوّض أسسه، فهي فوضى بلا ملامح واضحة، وبلا خطوط تماس يمكن الإمساك بها.
من هنا، فإن ما جرى في فنزويلا ليس إنذارًا لكراكاس وحدها، بل هو تحذير لكل دولة، وكل شعب، وكل إقليم يظن أن الجغرافيا تحميه، أو أن التحالفات تؤمّنه، أو أن القانون يكفيه.
العالم يدخل طورًا جديدًا تُعاد فيه صياغة العلاقات الدولية على أساس ميزان القوة لا ميزان الشرعية، وعلى أساس القدرة لا الحق، وعلى أساس من يفرض لا من يُقنع.
وفي مثل هذا العالم، لا يكون السؤال: من التالي؟
بل: من بقي خارج هذا المنطق أصلًا ــ وإلى متى؟