الانتفاضة الثالثة في زمن الشطب... هل يستعيد الفلسطيني قضيته؟

القضية الفلسطينية أمام منعطف تاريخي يستدعي استعادة الوحدة الوطنية وتحويل الصمود إلى مشروع مقاومة شامل يحول دون شطبها.

  • الانتفاضة الثالثة في زمن الشطب... هل يستعيد الفلسطيني قضيته؟
    الانتفاضة الثالثة في زمن الشطب... هل يستعيد الفلسطيني قضيته؟

أسئلة لا تحظرها سلطة، لكنها تظل محرَّمة لأن الاقتراب منها محفوف بسوء التأويل؛ فقد يُحسب السؤال اتهاماً، ويُفهم القلق مزايدةً، وتتحول محاولة استشراف الخطر إلى محاكمة للذين يقفون وحدهم في قلبه.

لكن ماذا نفعل حين يصبح الصمت عن السؤال أخطر من طرحه؟ وحين لا تعود القضية الفلسطينية أمام جولة أخرى من جولات الصراع، بل أمام محاولة محو من الجغرافيا، وشطب من السياسة، وإقصاء من المستقبل؟

السؤال الذي آن أوانه، مهما كان موجعاً، هو: لماذا لم تتحول الضفة الغربية، ومعها أهلنا في الأراضي المحتلة عام 1948، إلى انتفاضة فلسطينية شاملة منذ اتساع العدوان في الثامن من أكتوبر 2023، بينما كانت قوات الاحتلال موزعةً ومستنزفةً بين غزة ولبنان وإيران؟

أعادت واقعة بلدة تل، جنوب غربي نابلس، هذا السؤال إلى الواجهة. فقد حاول مستوطنون اقتحام منازل في البلدة، فخرج الأهالي للدفاع عنها، قبل أن يتطور الاعتداء إلى اشتباك ارتقى خلاله أربعة فلسطينيين، وقُتل جنديان من قوات الاحتلال. وفي الساعات التالية، حوصرت نابلس، وأطلقت قوات الاحتلال حملة مداهمات واعتقالات واسعة، فيما انطلقت عصابات المستوطنين تعتدي على القرى المجاورة وتحرق الممتلكات.

لم تكن تل تخطط لأن تصبح عنواناً لتحوّل تاريخي؛ كانت قريةً تحمي بيوتها. لكن واقعةً محليةً قد تتحول، حين تلتقي بشروطها السياسية والنفسية، إلى مرآة يرى فيها شعب كامل ما ينتظره إن استمر متفرقاً، وما يستطيع فعله إذا نهض موحّداً.

السؤال الذي لا يدين أصحابه

لا يجوز أن يبدأ التحليل من افتراض أن الضفة صمتت؛ فقد قاومت جنين، وطولكرم، ونابلس، وطوباس، والخليل، والقدس، وقدمت المدن والقرى والمخيمات الشهداء، والأسرى، والمطارَدين.

ولا يملك كاتب خارج الأسلاك والجدران أن يحدد للفلسطيني موعد انتفاضته، أو يطالبه بأثمان لا يدفعها معه. فما يبدو من بعيد "فرصةً تاريخيةً"، يعيشه الفلسطيني امتحاناً يومياً بين حماية أسرته والدفاع عن أرضه.

لكن ذلك لا يلغي السؤال، بل يحرره من شبهة الاتهام: لماذا بقيت المقاومة، على اتساعها وبطولتها، متفرقةً ومحليةً؟ إنه ليس سؤالاً عن شجاعة الفلسطيني، بل عن الشروط التي حالت دون تحولها إلى مشروع وطني يوحّد الأرض والشعب والهدف.

كيف صُممت الضفة لمنع الانتفاضة؟

لم ينتظر الاحتلال انتفاضةً ثالثةً كي يقمعها؛ لقد أمضى عقوداً في بناء البيئة التي تحول دون ولادتها.

قُطّعت الضفة بالحواجز، والبوابات، والمستوطنات، والطرق الالتفافية، وتحولت مدنها وقراها إلى جزر يسهل حصار كل منها بعيداً عن الأخرى. ويبلغ طول الجدار نحو 712 كيلومتراً، ويمر معظمه داخل الضفة، فيقسم الأرض، ويعزل القدس، ويمنع انتقال الفعل الشعبي بين المدن والقرى.

وإلى جانب تفتيت المكان، استهدف الاحتلال البنية التنظيمية التي صنعت الانتفاضة الأولى. وجاء الانقسام الفلسطيني ليعمق التفكك، فيما غابت القيادة الوطنية الجامعة، وتحولت السلطة، تحت قيود أوسلو والتنسيق الأمني، من مرحلة يُفترض أن تقود إلى التحرر، إلى بنية مثقلة بإدارة حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال.

كما بنت المراقبة الرقمية، والاعتقالات الاستباقية، وربط الأرزاق بالتصاريح، جداراً من الخوف داخل المجتمع. ثم جاء مشهد الإبادة والدمار في غزة ليستخدمه الاحتلال رسالة ردع جماعي إلى الضفة.

أما أهلنا في الأراضي المحتلة عام 1948، فقد واجهوا حملة ترهيب سياسي وقانوني طالت التعبير، والتظاهر، والعمل، والجامعات. وأقرّ الكنيست أكثر من ثلاثين قانوناً عنصرياً وتمييزياً منذ السابع من أكتوبر 2023، في محاولة لتحويل الفلسطيني داخل الكيان إلى فرد خائف، مفصول عن شعبه وهويته.

لقد بنى الاحتلال ثلاثة جدران لمنع الانتفاضة: في الجغرافيا، والسياسة، والنفس. ومن هنا ينبغي تفسير تأخرها، لا من التشكيك في إرادة شعب لم يتوقف عن المقاومة.

زمن الشطب

كانت المشاريع السابقة تسعى إلى إدارة القضية، أو تجميدها، أو احتواء الفلسطيني داخل عملية تفاوضية بلا نهاية. أما المشروع الحالي، فيتجاوز ذلك إلى محاولة شطب القضية ذاتها.

وزمن الشطب لا يعني ضم الأرض فحسب، بل تفكيك الشعب بوصفه شعباً واحداً: غزة مأساة إنسانية لا وطن يقاوم، والضفة كانتونات بين الحواجز، والقدس معزولة عن محيطها، وفلسطينيو الداخل أقلية صامتة، واللاجئون ملف مساعدات بلا حق في العودة.

ويكتمل الشطب حين تُفرغ منظمة التحرير من دورها بوصفها البيت الجامع، فتغدو فلسطين ملفات منفصلة: أزمة إغاثة في غزة، ومشكلة أمنية في الضفة، وشأناً داخلياً في أراضي عام 1948، وقضية توطين للاجئين.

وقد تحول الاستيطان إلى جيش موازٍ. ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، شهدت الضفة حتى السادس من يوليو 2026 أكثر من 1200 اعتداء استيطاني منذ بداية العام. وتسببت اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم في تهجير أكثر من 3200 فلسطيني، فيما ظل أكثر من 33 ألفاً مهجرين من مخيمات جنين، وطولكرم، ونور شمس، ومحيطها، في أكبر موجة تهجير منذ عام 1967.

وكشفت لجنة تحقيق أممية أن سلطات الاحتلال مكّنت عنف المستوطنين بالدعم المالي، والعسكري، والقانوني، وأن الجنود رافقوهم وحموهم. وحين يختفي الفارق بين الجندي والمستوطن، نكون أمام سياسة دولة تستخدم العصابات أداةً للاقتلاع.

الفلسطيني الجديد وعمقه الإنساني

حين طرحت سؤال الانتفاضة، كتب الدكتور عبد الرحمن بسيسو أنها صارت حتميةً لأنها ضرورة وجودية، وأنها ينبغي أن تتعزز بمشاركة الشعوب العربية وشعوب الإنسانية في مواجهة التوحش الصهيوني الأميركي. أما المحلل السياسي مهدي مصطفى، فأعاد السؤال إلى مفهوم "الفلسطيني الجديد" الذي ينهض في الضفة، والأراضي المحتلة عام 1948، والشتات، ويسترد بلاده بيديه، متحرراً من الاتكالية وانتظار الخلاص المستورد.

وبين الرأيين تتشكل معادلة اللحظة: فلسطيني يستعيد زمام قضيته وقراره، تحيط به شعوب عربية وأحرار العالم بوصفهم عمقاً وإسناداً، لا بديلاً منه ولا وصياً عليه.

فـ"الفلسطيني الجديد" لا يقطع مع تاريخه، بل يستعيده من الذين فتتوه، ويرفض تحويل قضيته إلى أوراق تفاوض أو ملفات إغاثة. وهو يدرك أن غزة، والضفة، والقدس، والأراضي المحتلة عام 1948، والشتات، جسد واحد قسمه الاحتلال كي ينفرد بكل جزء منه.

وهو يعرف أن المظلومية حقيقة تاريخية، لكنها لا يجوز أن تتحول إلى هوية سياسية دائمة؛ فالمظلومية تستدر التعاطف، أما صاحب القضية فينتزع حقه بالنضال. لذلك يرد الصراع إلى جوهره الاستعماري الاستيطاني، لا إلى حرب دينية، ولا يعلق خلاصه على مخلّص يأتي من الخارج، أو يحاكي عقيدة عدوه القائمة على التفوق والإقصاء، بل يستمد مشروعه من أرضه، وتعدده، وذاكرته الوطنية.

ولا تعفي استعادة الفلسطيني لفاعليته العرب والعالم من مسؤولياتهم؛ فالتوحش الصهيوني الأميركي يقدم نموذجاً يهدد الإنسانية كلها. لذلك ليست حركة الشعوب، والنقابات، والجامعات، وحملات المقاطعة، تعاطفاً مع قضية بعيدة، بل دفاعاً عن إنسانية العالم. غير أن هذا الإسناد يقف خلف الفعل الفلسطيني؛ يدعمه ولا يصادره، ويوسع أثره ولا يحل محله.

ليست نسخةً ثالثةً من انتفاضتين

الانتفاضة الثالثة، إذا جاءت، لن تكون تكراراً حرفياً لانتفاضة الحجارة عام 1987، ولا نسخةً جديدةً من انتفاضة الأقصى عام 2000.

عليها أن تستعيد من الأولى قوة المشاركة الشعبية، وأن تتعلم من الثانية أن البطولة لا تغني عن وحدة القيادة والأفق السياسي. كما لا ينبغي أن تُختصر في الضفة؛ فقوتها في أن تصبح انتفاضة الشعب كله، تتكامل فيها مقاومة أهل الأرض، وحركة فلسطينيي الداخل، ودور الشتات، والإسناد العربي والعالمي.

فالانتفاضة ليست انفجار غضب أو مجموعة عمليات متفرقة، بل هي مشروع وطني يحتاج إلى قيادة، وبرنامج، وتنظيم. ولا توجد حتمية تعمل وحدها؛ فالضرورة لا تصبح قدراً إلا حين تتحول إلى وعي، والوعي إلى فعل جمعي قادر على الاستمرار.

من تل يبدأ السؤال

لقد تمددت قوات الاحتلال على جبهات متعددة، واستنزف العدوان جنودها واحتياطها واقتصادها، وتآكلت صورة ردعها. لكنها تراهن على بقاء كل جزء من الشعب الفلسطيني محاصراً داخل جغرافيته، ومقاومته متفرقةً وقابلةً للاحتواء.

إن أكثر ما يخشاه الاحتلال ليس واقعة تل في ذاتها، ولا اشتباكاً هنا أو عمليةً هناك، بل اللحظة التي يكتشف فيها أن الشعب الذي عمل على تفكيكه قد استعاد وحدته، وأن غزة، والضفة، والقدس، والداخل، والشتات، باتت تتحرك بإيقاع وطني واحد.

لا يجوز أن يتحول الخوف من المزايدة إلى ذريعة للصمت عن سؤال المصير.

فإذا لم يكن الآن أوان استعادة القضية، فمتى يكون؟ أبعد أن تتحول الضفة إلى جزر بين المستوطنات، وتصبح غزة اسماً لمدينة كانت قابلةً للحياة، وتُسلخ القدس عن محيطها؟

إن الشعب الذي حمل مفتاح بيته ثمانية عقود لم يحتفظ به ليورث أبناءه قطعةً من الحديد، بل وعداً بالعودة، وشهادة ملكية لا تسقط بالتقادم. والذي أفشل النكبة في أن تتحول إلى نسيان، قادر على إفشال تحويل الإبادة إلى نهاية للتاريخ.

قد لا تكون واقعة تل بداية الانتفاضة الثالثة، لكنها أعلنت أن السؤال المحرَّم لم يعد قابلاً للتأجيل. فحين يصبح الوطن مهدداً بالمحو، لا يعود السؤال: ما الثمن الذي سندفعه إذا نهضنا؟ بل: ماذا سيبقى لنا إن لم ننهض؟

أن تأتي الانتفاضة متأخرةً خير من ألا تأتي أبداً. ففي زمن الشطب، لا يكون الصمت فراغاً بين موقفين، بل المساحة التي يتقدم فيها مشروع الاقتلاع من دون عائق.

لقد آن أوان أن يستعيد الفلسطيني قضيته؛ لا لأن كاتباً دعاه، بل لأن فلسطين بلغت اللحظة التي لا يحمي فيها الوجود سوى إرادة أصحابها. فإما أن يتحول السؤال المحرَّم إلى وعي، وفعل، ووحدة، وإما أن يواصل أعداؤها كتابة نهايتها فوق صمت العالم.

لكن فلسطين، التي بقيت حيّةً رغم كل ما أُعد لها من قبور، لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.