الاستراتيجية الأميركية الجديدة لاستهداف محور المقاومة
تآكل الأدوار التقليدية لدول مثل السعودية والإمارات، لمصلحة محور تركي-قطري-سوري مدعوم أميركياً، قد يواجه تحديات مفاجئة في فصوله الأخيرة.
-
رؤية اليمين الإسرائيلي مقابل الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.
تشير التحولات السياسية والأمنية المتسارعة خلال الشهور القليلة الماضية إلى أنّ المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من إعادة الهندسة الشاملة لتوازنات القوة، وهي مرحلة لا تندرج ضمن منطق إدارة الأزمات الظرفية أو احتواء الانفجارات المؤقتة، بقدر ما تعكس توجّهاً استراتيجياً نحو إعادة توزيع ممنهجة للأدوار والوظائف الإقليمية، بما يضمن ضبط الإقليم على أساس معادلات أكثر توافقًا مع المصالح الأميركية وشبكة تحالفاتها الممتدة.
ويمكن فهم الاستراتيجية الأميركية الجديدة عبر متابعة التصريحات المتكررة الصادرة عن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا ولبنان، والسفير الأميركي في تركيا، توم باراك، والتي تكشف عن مقاربة جديدة تقوم على تفكيك بيئات النفوذ المعادية للولايات المتحدة وحلفائها باستخدام أدوات إقليمية ضمن إطار يُخفّف كلفة التدخل ويحدّ من ارتداداته السياسية والعسكرية.
لبنان، وتحديداً حزب الله، يبدو في قلب هذه المقاربة، ليس باعتباره هدفاً معزولاً، بل بوصفه عقدة مركزية في شبكة اشتباك إقليمية أوسع تمتد من طهران إلى صنعاء.
سوريا كمنصة للاشتباك
تنطلق المقاربة الأميركية من مُسلّمة أساسية مفادها أن ميزان القوى الداخلي في لبنان مستقر لمصلحة حزب الله، وأنه لا توجد قوى محلية قادرة، في المدى المنظور، على تحدي سلاحه أو كسر معادلة الردع التي راكمها على مدار عقود. بناءً على ذلك، يجري البحث عن ساحات بديلة وأدوات خارجية تسمح بالضغط والاستنزاف من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة ذات كلفة عالية.
هنا تبرز سوريا ما بعد الجولاني كخيار وظيفي محتمل، خصوصاً بعد إدماجها في التحالف الدولي (الأميركي) ضد الإرهاب، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. والإرهاب هنا، بحسب التعريف الأميركي، لا يقتصر على تنظيم الدولة الإسلامية أو القوى السلفية الجهادية التقليدية، بل يشمل قوى المقاومة في المقام الأول. وقد أكّد توم باراك هذا التوجه، حين كتب في منصة X بتاريخ 13/11/2025، "ستساعدنا دمشق بنشاط في مواجهة وتفكيك بقايا تنظيم داعش والحرس الثوري الإيراني وحماس وحزب الله".
هذا التصور الأميركي، يتعامل مع سوريا كساحة مُعاد توظيفها في إطار منظومة أمنية إقليمية جديدة. ويجري تداول سيناريوهات تقوم على استخدام ميليشيات سورية، بالتوازي مع مجموعات سلفية لبنانية، لإحداث حالة صدام مع حزب الله، تُدار سياسياً وإعلامياً تحت عناوين، مثل "مكافحة الإرهاب" و"الحفاظ على الدولة اللبنانية"، أما في مواقع التواصل فستُسخدم كل العبارات الطائفية والمذهبية لحشد الجمهور العادي ضد المقاومة في لبنان.
ويُفترض في هذا السيناريو أن تشكّل الطائرات الإسرائيلية عنصر الإسناد الحاسم، بما يتيح تحقيق ضغط عسكري مركّز من دون تحمّل تبعات احتلال أو حرب شاملة، مع الحفاظ على هامش إنكار سياسي يسمح لواشنطن بإدارة التوتر لا تفجيره.
ويكتسب هذا الاستنتاج بُعداً إضافياً في ضوء التصريحات العلنية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أكّد، مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، أن هناك "دولاً جاهزة للتدخل والقضاء على حزب الله"، ولا يمكن قراءة تلك التصريحات بوصفها مجرد خطاب استهلاكي موجّه للإعلام، بل كمؤشر على وجود تصور أميركي لإسناد مهمة المواجهة إلى أطراف إقليمية بديلة، بما ينسجم مع منطق تفويض الأدوار وتقليص الانخراط المباشر.
التفاهم التركي–الإسرائيلي وإعادة رسم خرائط النفوذ
لا يمكن فصل هذا المسار عن سياقه الإقليمي الأوسع، وتحديداً عن التفاهمات التي تُشرف عليها واشنطن بين أنقرة و"تل أبيب"، والتي تبدو وكأنها تتبلور على قاعدة مقايضات وظيفية بالأساس. جوهر هذه المقايضة يقوم على تحييد سلاح حزب الله في لبنان، أو على الأقل تقليص فاعليته الإقليمية، مقابل غضّ الطرف عن دور تركي متعاظم في سوريا، يسمح لأنقرة بإعادة رسم خرائط النفوذ وضبط المجال الحيوي الشمالي للمشرق العربي.
هذه الصيغة تنسجم مع الرؤية الأميركية للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحروب الكبرى، إذ يُفضِّل ترامب نموذج "الهدوء المُدار" على الانخراط العسكري المباشر، وقد تمت الإشارة في استراتيجية الأمن القومي الأميركية صراحةً إلى أنه " قد ولّت الحقبة التي كان فيها الشرق الأوسط يُهيمن على السياسة الخارجية الأميركية".
في هذا النموذج، سيُسند إلى تركيا، العضو في حلف الناتو، دور الضابط الإقليمي، بينما تلعب "إسرائيل" دور القوة العسكرية المتفوقة القادرة على التدخل الجوي وممارسة الردع الاستراتيجي. أما الولايات المتحدة، فهي تكفل الإطار العام للهيمنة مع الحفاظ على المكاسب الناتجة عن إخراج روسيا من الشرق الأوسط، وقد تحقق الجزء الأكبر من هذه المهمة مع سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024. في الوقت ذاته، ستُستهدف الصين اقتصادياً من خلال توسيع العلاقات التجارية بين واشنطن وعواصم الخليج.
يتصور البعض أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة قد تُضعف مكانة "إسرائيل" لدى واشنطن، إلا أن الواقع يثبت العكس تماماً. فالحفاظ على "أمن إسرائيل" يظل قضية غير قابلة للمساومة بالنسبة لأي رئيس أميركي، سواء كان ترامب أم غيره، وما يتغير فقط هو الآليات التي تستخدمها الولايات المتحدة لتحقيق هذا الهدف. ووفق الرؤية الأميركية، سيستمر دعم مخططات بنيامين نتنياهو نحو إقامة ما يُعرف بـ"إسرائيل الكبرى"، بما يشمل السماح بالإجراءات التوسعية في الضفة الغربية، والحفاظ على الأراضي التي احتُلت في جنوب سوريا، إلى جانب توسيع اتفاقيات أبراهام لتشمل المزيد من العواصم العربية الجديدة التي ستُطبّع علاقاتها مع "تل أبيب".
إعادة التموضع الخليجي وتآكل أدوار القيادة التقليدية
على هذا الأساس، سيكون مفهوماً ما يُثار عن التراجع الإماراتي في عدد من الساحات الإقليمية، سواء عبر خفض تمويل المنصات الإعلامية العربية أو تقليص مستوى الانخراط في نزاعات مفتوحة مثل السودان واليمن، بوصفه جزءاً من عملية إعادة تموضع استراتيجي أوسع، لا باعتباره قراراً تكتيكياً ظرفياً. هذا التحول يعكس إدراكاً إماراتياً لتبدّل أولويات واشنطن وتغيّر آليّات إدارة الصراعات في الإقليم، إذ ستتوارى استراتيجية تعدُّد الوكلاء والقبول بتنافسهم الإقليمي، لمصلحة مقاربات أكثر انتقائية وأقل كلفة سياسية. مع تعهّد أميركي واضح بعدم المساس بآليات الحُكم في الدول الخليجية.
أما السعودية تحت قيادة محمد بن سلمان، فيبدو أنها تعيش أيامها الأخيرة كدولة "قائدة للنظام العربي"، وهي المكانة التي تشكّلت تاريخياً بسبب تراجع الدور المصري عقب هزيمة يونيو/حزيران 1967، ثم بشكل أوسع مع السبعينيات.
لكن يبدو أن نخبة الرياض لم تدرك حتى الآن الواقع الإقليمي الجديد؛ فعلى سبيل المثال، يجري تقديم دعم واسع للنظام السوري تحت قيادة الشرع، بذريعة محاصرة إيران واستهداف حزب الله، بينما هذا النهج يُسهم فعلياً في تعزيز دور الوكلاء الجدد للمنطقة، ولا سيما المحور التركي–القطري، بما قد يفضي إلى إعادة إنتاج معادلات نفوذ تُقصَى فيها السعودية تدريجياً عن مركز القرار الإقليمي.
رؤية اليمين الإسرائيلي مقابل الاستراتيجية الأميركية في المنطقة
من جهة أخرى، يظل تنفيذ تلك الرؤية الأميركية، مرهوناً بدرجة قبولها من جانب القيادات الإسرائيلية المنتمية إلى معسكر أقصى اليمين، والتي لديها قناعة أساسية مفادها أن "إسرائيل" تمتلك القدرة على الهيمنة والسيطرة منفردة على الشرق الأوسط، من دون الحاجة إلى تقاسم النفوذ مع أي جهة أخرى، سواء كانت تركيا أم غيرها من الدول الحليفة أو المطبّعة. هذه القناعة لا تنبع فقط من شعور بالقوة، بل من رؤية أيديولوجية ترى في "إسرائيل" الدولة المركزية التي يحق لها فرض إرادتها على المحيط الإقليمي، وهو تصوّر يضعها في تناقض مع السياسة الأميركية.
فواشنطن تدرك أن هذا السيناريو غير عملي على الأرض، سواء من الناحية الاستراتيجية أم السياسية، لأن الهيمنة الإسرائيلية المُطلقة ستقابل حتماً بمقاومة من الشعوب العربية والمسلمة، حتى الأنظمة الحليفة لواشنطن لا يمكنها القبول بأن تُدار المنطقة بالكامل من "تل أبيب".
لذا، تعمل الولايات المتحدة على فرض صياغة لإدارة النفوذ في المنطقة تقوم على مبدأ المشاركة والتوازن، بحيث تكون "إسرائيل" قوية وآمنة، لكن ضمن إطار تحالفي يُمكنها من خلاله مواجهة أي مقاومة أو تحديات إقليمية. وهنا تبرز تركيا كعنصر حاسم، نظراً لسيطرتها على مفاتيح الإسلام السياسي السُنّي في المنطقة، فضلاً عن نفوذها الكبير في الإعلام العربي، سواء بشكل مباشر أم عبر قطر، ما يجعلها شريكاً لا يمكن تجاوزه في تلك المعادلة.
تحديات إيران ومحور المقاومة
غير أن هذه الرؤية الأميركية–التركية–الإسرائيلية لا تخلو من تناقضات بنيوية قد تجعل نتائجها معاكسة للأهداف المعلنة. فإدخال مجموعات سلفيّة جهادية سوريّة إلى الساحة اللبنانية، حتى لو جرى تحت عناوين أمنية منضبطة، وتم دعمه من قوى وأحزاب لبنانية "مدنيّة"، فإنه يحمل في طياته مخاطر عالية.
فبالنظر إلى التجارب التاريخية، فإن وجود هذا النوع من التهديدات يُشكّل عاملاً حاسماً في إعادة توحيد البيئة الاجتماعية والسياسية لحزب الله، ويمنح سلاحَه شرعية مضاعفة، لا فقط بوصفه أداة مقاومة ضد "إسرائيل"، بل أيضاً كقوة حامية للاستقرار الداخلي في مواجهة الإرهاب السلفي العابر للحدود.
إضافة إلى ذلك، ستتعامل إيران مع أي مسار يستهدف لبنان من بوابة الساحة السورية على أنه تهديد مباشر لبيئة الاشتباك الإقليمي التي راكمتها منذ عام 1979. هذا الإدراك قد يدفع طهران، في لحظة ما، إلى الاشتباك القسري دفاعاً عن وجودها، ما يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة تتجاوز حدود لبنان وسوريا. لكن هذا التصعيد من جانب إيران، سيظل مرتبطاً بتفاعلات الداخل الإيراني ذاته بين تيار مبدئي يرى في التصعيد ضرورة لحماية مشروع المقاومة ككل، وتيار آخر قد يفضّل التأنّي طالما أن المواجهة لا تدور على الأرض الإيرانية مباشرة.
كما يُرجَّح أن يكون للعراق دورٌ فاعل في هذه المعادلة، في ظلّ الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها قوات الحشد الشعبي من واشنطن وبعض الأطراف الحكومية لدفعها نحو تسليم سلاحها، في سيناريو يُحاكي إلى حدّ كبير ما يجري العمل عليه في لبنان. وترفض الفصائل العراقية أي نقاش في هذا المسار، وتربط أي تفاهم مع الحكومة بانسحابٍ كامل لجميع القوات الأجنبية من البلاد، بما في ذلك القوات الأميركية والجيش التركي، وهو ما أكّدته كتائب حزب الله في بيانها الصادر بتاريخ 20/12/2025.
استقرار أم فوضى إقليمية؟
تكشف التحوّلات الجارية في المنطقة عن مرحلة انتقالية صعبة، إذ تسعى الولايات المتحدة، تحت قيادة ترامب، إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية عبر أدوات غير مباشرة وتحالفات وظيفية، مستفيدة من سقوط نظام الأسد وإدماج سوريا الجديدة في منظومتها الأمنية.
غير أن هذه الاستراتيجية، رغم دقة تصميمها، تحمل في طيّاتها تناقضات جوهرية قد تعكس مسارها ككل، فإثارة الفتن الطائفية وإدخال قوى تكفيرية إلى الساحة اللبنانية قد يعزز من شرعية حزب الله ويوحّد بيئته، بدلاً من إضعافه، كما أنه قد يدفع إيران نحو خيارات تصعيدية دفاعية يمكن أن تؤدي إلى مواجهة أوسع.
أما على الصعيد العربي، فإن تآكل الأدوار التقليدية لدول مثل السعودية والإمارات، لمصلحة محور تركي-قطري-سوري مدعوم أميركياً، قد يواجه تحديات مفاجئة في فصوله الأخيرة.
وفي المحصلة النهائية، ستتوقف مآلات هذه الهندسة الإقليمية على قدرة واشنطن على ضبط تناقضاتها الداخلية وإدارة توازنات حلفائها، وعلى مستوى استجابة محور المقاومة لهذه الضغوط؛ بما يحدد ما إذا كنا أمام هدوء مُدار قابل للاستدامة، أم انزلاق نحو فوضى إقليمية متجددة تتجاوز حدود السيطرة.