الاحتلال يفرض قواعد اشتباك جديدة في غزة... كيف سترد المقاومة؟

يمكن للمراقب في قطاع غزة أن يشاهد تصعيداً إسرائيلياً يذكّرنا بالأوضاع التي كانت سائدة فترة العدوان، إذ رفع جيش الاحتلال من وتيرة عمليات الاغتيال ضد قادة المقاومة، كما زاد من عمليات القصف على المناطق المحاذية.

  •  رياح قطاع غزة بعد اتفاق التهدئة لا تسير كما تشتهي سفن ساكنيها!
    رياح قطاع غزة بعد اتفاق التهدئة لا تسير كما تشتهي سفن ساكنيها!

يبدو أن رياح قطاع غزة بعد اتفاق التهدئة لا تسير كما تشتهي سفن ساكنيها، ويبدو أن ما كان ينتظره الفلسطينيون بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي لن يرى النور قريباً، إذ بدّد التصعيد الإسرائيلي المتواصل منذ دخول الاتفاق المذكور حيّز التنفيذ وحتى الآن، معظم الآمال التي كانت معقودة عليه، والتي كانت تنتظر انفراجة كبيرة وواسعة تشمل جميع مجالات الحياة في غزة، وفي المقدمة منها رفع الحصار وفتح المعابر والبدء بعمليات الإعمار، وقبل كل ذلك وقف كامل وشامل لعمليات القتل والاغتيال الإسرائيلية، والتي ما زالت تحصد عشرات الأرواح من المدنيين الفلسطينيين العزل، الذين لم يستطع الاتفاق وضامنوه توفير أي حماية لهم من بطش الاحتلال وعدوانيته، وإصراره على مواصلة حرب الإبادة بحقّهم.  

 في الأسبوع الأخير، ظهر التصعيد الإسرائيلي ضد قطاع غزة أكثر وضوحاً، إذ باتت عمليات القتل والاغتيال التي سقط نتيجتها عشرات الشهداء من المدنيين، إلى جانب مجموعة من أبرز قادة المقاومة، تتم وفق خطة ثابتة وممنهجة، وهي تسعى كما يعلن القادة الصهاينة إلى فرض قواعد اشتباك جديدة على القطاع الصغير والمنهك، والذي لم يتعافَ بعد مما تعرّض له من نكبات، ولم يلتقط أنفاسه نتيجة إصرار العدو على مواصلة العدوان، وتنصّله شبه الكامل من استحقاقات اتفاق التهدئة، الذي زادت فرضية انهياره من جرّاء ما يقوم به الاحتلال من خروقات تكاد تضرب أسس هذا الاتفاق في الصميم. 

وعلى الرغم من أن خروقات الاحتلال لم تتوقف خلال المئة والعشرين يوماً الماضية من عمر الاتفاق، إلا أنها في الأسبوع الأخير شهدت تغييراً منهجياً قد يشكّل عنوان المرحلة المقبلة، وقد يتحوّل كما تشير الكثير من المعطيات الميدانية، والتحليلات الأمنية، إلى مشهد مُستدام، يجعل من اتفاق التهدئة مجرّد هيكل وهمي لتغطية جرائم الاحتلال، وتجنيبه أي انتقادات دولية مثل تلك التي تعرّض لها أثناء فترة الحرب.

يمكن للمراقب في قطاع غزة أن يشاهد بوضوح تصعيداً إسرائيلياً متسلسلاً يذكّرنا بالأوضاع التي كانت سائدة فترة العدوان، إذ رفع جيش الاحتلال من وتيرة عمليات الاغتيال الموجهة ضد قادة وكوادر المقاومة وفي فترات متقاربة، كما زاد من عمليات القصف على المناطق المحاذية للخط الأصفر بالمدفعية والطائرات الحربية، بعد أن كان القصف سابقاً يقتصر على المناطق الواقعة خلف هذا الخط من الناحية الشرقية، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في عمليات إطلاق النار من أبراج المراقبة المنتشرة على طول حدود القطاع، ومن الدبابات وطائرات كواد كابتر التي لا تفارق السماء على ما تبقّى من بيوت المواطنين القريبة من ذلك الخط الملعون، إضافة إلى توغلات شبه يومية لدباباته وجرافاته الضخمة في مناطق خارج حدود سيطرته، والقيام بتجريف وتدمير المزيد من المنازل التي نجت سابقاً من عملياته العدوانية.

كل ما سبق، وغيره الكثير مما لا يتسّع المجال لذكره، يشير من دون أدنى شك إلى رغبة الاحتلال الأكيدة في فرض قواعد اشتباك جديدة في قطاع غزة، ضارباً بعرض الحائط كل ما تم التوصل إليه من اتفاقات، ومتنصّلاً، كما العادة، من كل ما تعهّد به من التزامات، وهو لا يُلقي بالاً لما جرى الإعلان عنه من دخول المرحلة الثانية من الاتفاق حيّز التنفيذ، ولا لتشكيل اللجنة المؤقتة لإدارة أوضاع غزة، وما يُسمّى "مجلس السلام " برئاسة الرئيس الأميركي ترامب، بل ويمكن النظر إلى تصاعد عملياته العدوانية بعيد الإعلان عن اللجنتين السابقتين بأنه محاولة لإسقاطهما او تفريغهما من مضمونهما، غير عابئٍ بما يمكن ان ينتج عن ذلك من سقوط محتمل لاتفاق التهدئة ،الذي لم ينجح حتى الآن في وقف التغوّل الإسرائيلي المتواصل والمستمر.

في العمليات الأخيرة التي بات الاحتلال يعلن عنها من دون الحاجة إلى حجج او ذرائع، والتي استهدف من خلالها بعض قادة المقاومة رفقة عوائلهم وجيرانهم، والتي جاءت كما تشير الكثير من المعلومات بعد عمليات مراقبة كثيفة ومتواصلة عبر طائرات التجسّس الإسرائيلية، التي لا تفارق سماء قطاع غزة لحظة واحدة، بدت الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة واضحة أكثر من أي وقت مضى، وهي تسعى إلى تحقيق كل ما فشلت فيه أثناء الحرب، ولا سيما فيما يتعلّق في التخلّص من القادة البارزين في فصائل المقاومة، والذين تمكّنوا طوال شهور الحرب من إفشال مخططات الاحتلال في استهدافهم، خصوصاً في ظل تخفيض البعض من هؤلاء القادة للإجراءات الأمنية التي كانوا يعتمدونها سابقاً، وهو الأمر الذي حذّرنا منه في مقالات سابقة، إلى جانب محاولة منع المقاومة من استعادة جزء من قدراتها العسكرية، وإمكاناتها القتالية التي استنفدت معظمها أثناء الحرب. 

إضافة إلى ما سبق، يسعى الاحتلال لفرض سيطرة عملياتية، وإشراف أمني مُستدام على معظم جغرافيا غزة، سواء على المناطق التي يسيطر عليها حالياً من خلال الوجود العسكري المباشر، وهي المناطق التي تشكّل حوالى 56% من مساحة القطاع، أم على تلك الواقعة خارجها، والتي يعيش فيها أكثر من مليونين وربع مليون فلسطيني في ظروف صعبة وقاسية ومأسوية. 

حتى هذه اللحظة يمكن القول بأن الاحتلال قد نجح إلى حدٍّ كبير في الوصول إلى ما يسعى إليه، ولا يمكن إنكار تمكّنه من فرض قواعد اشتباك جديدة منحته "تفوّقاً" مؤقّتاً على المقاومة في غزة، إذ يقوم بكل ما يرغب فيه من جرائم من دون أي ردٍّ يُذكر، باستثناء بيانات الإدانة والشجب، ومطالبة الجهات الضامنة بضرورة إلزام العدو بوقف عدوانه وخروقاته، وهو يستغل كما يبدو رغبة المقاومة في الحفاظ على اتفاق التهدئة، وحرصها على عدم تمكين الاحتلال من إسقاطه في ظل اختلال موازين القوى الحالية، وفي ظل وجود حكومة اليمين المتطرف في "إسرائيل"، ولحاجة الناس في غزة إلى فترة من الاستراحة يتمكنون من خلالها من التقاط أنفاسهم، واستعادة جزء من حياتهم، بعد ما تعرّضوا له من آلام وأوجاع، وما قدّموه من تضحيات وأثمان.  

على الجانب الآخر، تبدو المقاومة في قطاع غزة في موقف لا تٌحسد عليه، وهو موقف يشبه كثيراً ما تعرّضت له قبيل اتفاق التهدئة، والتي تعرّض فيها القطاع لحملة قتل وتدمير عشوائية أثناء ما أُطلق عليه صهيونياً عملية "عربات جدعون2"، والتي ارتفعت فيها عمليات القتل والتدمير إلى درجة غير مسبوقة، خصوصاً ضد مدينة غزة، التي هدّد الاحتلال حينها بتدميرها بشكل كامل، وطرد وتهجير سكّانها إلى محافظات وسط وجنوب القطاع.

في تلك الفترة وضمن مقاربة تقليل الأضرار، اضطرت المقاومة إلى القبول بخطة ترامب "المجحفة" لوقف إطلاق النار، وذلك حفاظاً على ما تبقّى من مناطق عمرانية، وإسقاطاً لمخطط تهجير الفلسطينيين إلى خارج القطاع، والذي كان حينها على بعد خطوات من بلوغه مراحل متقدّمة جداً من التنفيذ.

في الوقت الحالي، تقف المقاومة في المنطقة الرمادية نفسها التي وقفت فيها قبيل اتفاق التهدئة الحالي، وتبدو خياراتها محدودة للغاية، فهي إما تبقى على هذا الحال نفسه الذي تبقى فيه يداها مغلولتان فيما يُقتل كوادرها، ويُدمّر ما تبقّى من مقدراتها، بل ويُحاصر شعبها، ويُمنع من إعادة إعمار ما خرّبه الاحتلال، وهي بذلك تغامر بفقدان ثقة شعبها بها من جهة، ومن جهة أخرى، إغراء الاحتلال بمواصلة جرائمه وخروقاته، بل ورفع منسوبهما إلى أقصى درجة ممكنة، أو الرد على هذه الجرائم بالطريقة التي كانت سائدة قبل اندلاع معركة "طوفان الأقصى"، وهو الامر الذي يهدّد بسقوط الاتفاق الذي سعت إليه طويلاً، وما زالت بحاجة لاستمراره إلى أطول فترة ممكنة نظراً للأسباب التي أشرنا إليها أعلاه. 

وفي حقيقة الأمر، يبدو أن الخيار الأول على قساوته يبقى مفضّلاً حتى الآن لدى فصائل المقاومة، وهي تسعى لتفريغ عمليات الاحتلال من مضمونها، من خلال تقليل حجم الخسائر في صفوفها، والالتفاف ما أمكن على مخطّطات الاحتلال في التضييق عليها، واستهداف مقدراتها وإمكاناتها البشرية والعسكرية، إضافة إلى التعويل على بعض ما يبذله الوسطاء من جهود في لجم العدوان والحصار، وتخفيض تداعياته على سكّان القطاع إلى حدودها الدنيا، إلى جانب انتظار تحوّل إيجابي قد يطرأ على سائر أحوال الناس في غزة بعد تسلّم اللجنة الوطنية لمهامها في إدارة شؤون القطاع، ووصول ما يُسمّى "قوة الاستقرار" لممارسة مهامها التي يأمل البعض أن تخفّض كثيراً من عمليات الاحتلال العدوانية والإجرامية.

الخيار الثاني للتعامل مع خروقات الاحتلال ما زال مطروحاً وبقوة، ولا سيّما خلال الفترة الأخيرة، وهو خيار قد يبدو مفضّلاً لدى قادة المقاومة الموجودين داخل القطاع، وهم الذين يدفعون الثمن الأساسي والمباشر لمواصلة العدوان، وهو خيار، بحسب الكثير من المتابعين، يمكن أن يرى طريقه إلى النور في لحظة قد لا تكون بعيدة، خصوصاً في ظل عجز الجهات الضامنة والوسيطة عن لجم عدوان الاحتلال ووقف خروقاته، وفي ظل الزيادة الملحوظة في حجم الخسائر البشرية التي تسقط نتيجة هذا العدوان.

على كل حال، لا يمكن لأحد خلال هذه المرحلة أن يحدّد إلى أي اتجاه قد تتجه مسارات الأمور، ولا إلى أي مدى يمكن أن تصل تداعياتها المباشرة وغير المباشرة، ولا يمكن لأحد كذلك أن يجزم بهوية الخيارات التي يمكن أن تلجأ لها المقاومة الفلسطينية في غزة، ولم لا في خارجها، إذ إنه وعلى الرغم من كل ما تعانيه هذه المقاومة من مصاعب، وما تمر به من أزمات، إلا أنها يمكن أن تفاجئ الجميع كما فعلت صباح السابع من تشرين الأول/ أكتوبر المجيد، وتقلب الطاولة على رؤوس الجميع، وفي المقدمة منهم الكيان الصهيوني المجرم، والذي أثبتت التجارب السابقة أنه عدو لا يفهم إلا لغة القوة.