الأمن في المنطقة... من "إدارة الصراعات" إلى "الانفجار الشامل"
الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط يعتمد حالياً على "توازن ردع هش"؛ وأي كسر لهذا التوازن سيعني الانتقال من نظام "إدارة الصراعات" إلى نظام "الانفجار الشامل" الذي قد يستغرق عقوداً لتهدئته.
-
مواقف الدول الخليجية من الحرب على إيران.
تعاني دول مجلس التعاون الخليجي حالة من الانكشاف الاستراتيجي، فهي دول غنية، صغيرة الحجم، وغير قادرة على حماية نفسها.
الاحتلال العراقي للكويت عام 1990، زاد من قناعة تلك الدول بضرورة الحصول على حماية أجنبية، فسعت لإقامة قواعد عسكرية أميركية على أراضيها.
الولايات المتحدة "حليف موثوق" بالنسبة إلى دول الخليج، إذ جرى تجريبه خلال حرب تحرير الكويت عام 1991، وكذلك روسيا التي تدخلت في سوريا في عام 2015، بينما الصين ليست سوى شريك تجاري، لا يمكن التعويل عليه في حماية دول المنطقة.
استدارة بعض الدول، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية نحو الصين خلال ولاية بايدن، لم يكن تعبيراً عن توجه استراتيجي بقدر ما كان ردة فعل على سلوك بايدن الرافض للتعاطي مع المملكة لاعتبارات تتعلق بقضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي.
قيام الحرب في أوكرانيا، وحاجة الولايات المتحدة والدول الغربية لتعويض النفط والغاز الروسي، اضطرت بايدن إلى زيارة المملكة والعمل على تحسين العلاقات معها، لقطع الطريق على الصين، التي سعت إلى ملء الفراغ في المنطقة.
كانت الصين قد دخلت بقوة إلى المنطقة، وخاصة بعد عقد القمة العربية الصينية في الرياض في ديسمبر 2022، وتوقيع عدد من الاتفاقيات الاستراتيجية مع دول المنطقة.
الصين شريك تجاري جيد، لكنها لا يمكن أن تكون حليفاً استراتيجياً قادراً على حماية تلك الدول في حال تعرضها لاعتداءات خارجية.
العدو بالنسبة إلى دول الخليج يتمثل بإيران، خاصة أن غالبية تلك الدول تربطها علاقات جيدة مع "إسرائيل"، لذا سعت الصين للتوسط بين إيران والسعودية، لطمأنة دول الخليج وإخراجها من ضغط "الحاجة إلى الولايات المتحدة".
نجاح المبادرة الصينية شكل صدمة للولايات المتحدة، وجعلها تفكر في ضرورة العودة إلى المنطقة، التي تبلورت وبقوة في عهد ترامب.
رحبت دول الخليج بقدوم ترامب إلى السلطة لاعتبارات كثيرة، أهمها التخلص من بايدن الذي لم يكن مهتماً بعلاقة بلاده مع دول المنطقة، ولأن دول الخليج تاريخياً تفضل الرؤساء الجمهوريين على سواهم من الديمقراطيين.
استهدفت إيران القواعد الأميركية والبنى الاقتصادية لدول الخليج، فلم يعد الخليج ملاذاً آمناً للاستقرار، كما اضطربت إمدادات النفط وسلاسل التوريد.
مجريات الحرب على إيران تشير إلى تراجع فرضية "الصدمة والترويع"، وعقيدة "تحييد القيادة" بسرعة خاطفة، بعد أن استطاعت طهران استيعاب الصدمة الأولى والمبادرة إلى الفعل.
مواقف الدول الخليجية من الحرب على إيران..
يمكن إجمال المواقف الخليجية من إيران في خشيتهم منها ومن سلوكها التوسعي، ورفضهم استخدام القوة ضدها، نظراً لما سيسبب ذلك من انعكاسات سلبية على دول المنطقة.
سعت الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية وقطر وسلطنة عمان لمنع تلك الحرب، ورفضت الانخراط فيها، لكن تلك المواقف لم تثن الرئيس ترامب عن ارتكاب حماقته، استجابة لطلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي زار أميركا سبع مرات منذ وصول ترامب إلى السلطة.
رفع سقف الأهداف من الحرب، وجعل هدف إسقاط السلطة في طهران على رأسها، دفع الإيرانيين إلى اعتبارها حرباً وجودية، وبالتالي فإن استخدام جميع الوسائل فيها مباحة.
استهداف إيران للقواعد الأميركية كان أمراً متوقعاً، لكن توسع الحرب لتشمل استهداف البنى التحتية وتوسيع حيز الخسائر لدول المنطقة، لم يكن لدول المنطقة تحمله، خاصة وأنها دول بنت توجهاتها الاقتصادية بالاعتماد على حالة الاستقرار الأمني التي تعيشها.
معضلة دول الخليج تكمن في أنها استضافت قواعد أميركية على أراضيها، فلا هي حمتها، ولا جنبتها الضربات الإيرانية.
الرئيس ترامب يريد جر دول الخليج إلى الحرب، لينسحب منها وتتحول الحرب إلى حرب سنية شيعية. أو أن يستمر بالحرب شريطة أن تستمر هذه الدول بتحمل نفقاتها، وتحول أميركا إلى مجرد "تاجر سلاح".
تاريخياً، برعت الولايات المتحدة الأميركية في الاستثمار في قوتها العسكرية، فلم تخفض موازنتها العسكرية ولا عدد جيشها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، لأنها رأت فيها مصدر الهيبة، والسبب في كل ما تحقق لها.
دول الخليج تشكل خواصر رخوة، والخليج قائم على الرخاء والازدهار، وهذا لن يتحقق من دون استقرار. لكن الاستقرار الداخلي لتلك الدول تأثر بهذه الحرب لاعتبارات دينية وطائفية وسياسية.
ترى طهران أن الأمن في المنطقة إما أن يكون للجميع أو لا يكون، وتسعى إلى تعظيم مخاطر الحرب على دول الخليج ليسعوا لدى الولايات المتحدة لوقفها. بينما تريد واشنطن من حلفائها مساهمة دفاعية أوسع لحماية القواعد والممرات البحرية.
دول الخليج تبحث عن الاستقرار، لحماية الاقتصاد وعدم زعزعة ثقة المستثمرين وضمان استمرارية الخدمات في الداخل، وبالتالي لا تريد الانجرار إلى هذه الحرب.
وجد الخليج نفسه مستهدفاً من قبل طهران لإجباره على الانفكاك عن مسار الحرب، بينما تُطالبه واشنطن بتوسيع الانخراط الأمني.
هذه الأهداف تبدو متنافصة، تدخل الجميع في متاهة استراتيجية يتطلب الخروج منها حصافة وحكمة سياسية، وقدرة على تحقيق الاستقلالية في اتخاذ القرار السياسي.
المشهد يبدو معقداً، فدول الخليج مطالبة بـ :حماية سيادتها، عدم استفزاز إيران، وعدم إغضاب الولايات المتحدة. إضافة إلى مواجهة المخاطر الأمنية الداخلية المتصاعدة، وخاصة في ضوء تصاعد الخطاب الطائفي داخل تلك الدول.
يبدو أن دول الخليج كانت تسعى إلى تطبيق الحياد الإستراتيجي، بتقليل الانخراط المباشر في الحرب، مع الاستمرار في التحالف الإستراتيجي مع أميركا، لكن ذلك لن يستمر، والحديث عن مشاركة البحرين المباشرة في الحرب ربما هو البداية.
لقد كشفت الحرب هشاشة النظام الأمني الإقليمي، وبالتالي فإن أمن المنطقة جزء لا يتجزأ من أمن الإقليم، فهل ستفكر دول الخليج بصياغة نظام أمن إقليمي على غرار "إعلان دمشق" الذي تشكل بعد حرب تحرير الكويت وضم الدول الخليجية الست ومصر وسوريا.
المنطقة تجد نفسها اليوم في أتون حروب لا تملك قرارها، خاصة وأن الحفاظ على السلطة كان هو الشغل الشاغل للأنظمة الحاكمة التي استساغت الذلة والهوان.
الحديث عن "الأمن القومي العربي"لا معنى له، خاصة وأن المتحدثين عنه اليوم لم نسمع لهم صوتاً إزاء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا ولبنان وغزة، فهل إيران وحدها من يهدد الأمن القومي العربي!
تدويل أزمة الملاحة، والمبادرة إلى تأسيس تحالف عالمي لدفع القوى الكبرى، خاصة المستوردة للطاقة الخليجية، للمشاركة في حماية الملاحة في المنطقة وإخراجها من سياق الاحتكاكات الإقليمية.
تراجع مسار التطبيع والاتفاقيات الإبراهيمية تحت ضغط الشارع المعادي لـ"إسرائيل" سيكون من أولى نتائج الحرب، وتراجع الدعم العربي للقضية الفلسطينية والانشغال بقضايا أخرى.
قد لا تستطيع الحرب تغيير إيران، لكنها ستغير شكل الشرق الأوسط بكل تأكيد، لذا فقد أصبحت العديد من دول المنطقة معنية بمراجعة وجود القواعد العسكرية الأميركية على أراضيها.
الخشية من اتساع حدة الصراعات المذهبية في المنطقة، رغم أن حديث نتنياهو كان واضحاً في استهدافه لما سماه بالمحورين السني والشيعي، لذا فمن المستغرب أن يستمر البعض في الحديث عن تلك الخلافات المذهبية رغم أننا جميعاً مستهدفون.
تلعب الولايات المتحدة دوراً خبيثاً تجاه إيران، فتعمل على تسليح المعارضة الكردية في غرب إيران لمواجهة الحكومة الإيرانية، وهو ما سيكون له انعكاسات على دول الجوار وخاصة تركيا وسوريا، حيث تظهر بوادر ارتفاع سقف المطالب من قبل "قسد"، واستعدادها للتراجع عن الاتفاقيات الموقعة مع الحكومة السورية.
يبدو أن هدف الحرب يتمثل في تكريس هيمنة "إسرائيل" على الشرق الأوسط وهيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم، وهذا لن يتحقق إلا برسم خرائط جديدة في المنطقة، حدودها ديموغرافية ودينية هذه المرة لا سياسية.
الخشية من أن تتحول المنطقة إلى "مكسر عصا"، في صراعات القوى الكبرى، وعودة تنظيم "داعش" مستغلاً حالة الفوضى والانشغال بالحرب على إيران.
هل ستتوقف الأعمال القتالية مع الإبقاء على حالة الحرب الدائمة، المشهد الحالي لا يحتمل أي تأويلات غير أننا لا زلنا في بداية المعركة، ويبدو أن أميركا استدرجت إلى حرب استنزاف في الشرق الأوسط، دفعت ترامب للقول إن الحرب في إيران ستكون آخر الحروب بالنسبة له.
الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط يعتمد حالياً على "توازن ردع هش"؛ وأي كسر لهذا التوازن سيعني الانتقال من نظام "إدارة الصراعات" إلى نظام "الانفجار الشامل" الذي قد يستغرق عقوداً لتهدئته.
الاختلاف مع سياسات إيران في المنطقة أمر وارد، لكن العداء لها يعني القبول بقيادة "إسرائيل" للمنطقة، وعلى الجميع أن يدرك أنه لا وقت للتناحر، وأن المستقبل لن يرحم الضعفاء.