الأمن القومي الإسرائيلي وأضرار ما بعد الطوفان (1-2)

الواقع الأمني في "إسرائيل" كان هشاً وضعيفاً، وكانت هناك خشية حقيقية من أن يسقط كل ما تم العمل عليه خلال سنوات طويلة في ضربة واحدة تأتي من إحدى الجبهات "المعادية"، وهذا ما حدث بالفعل في صباح السابع من أكتوبر.

  •  كيف ألحقت معركة
    كيف ألحقت معركة "طوفان الأقصى" أضراراً هائلة بنظرية الأمن القومي لـ"الدولة" العبرية؟

في بداية عام 2023، أي قبل اندلاع معركة "طوفان الأقصى" بنحو تسعة أشهر، قدّمت مجموعة من الخبراء الإسرائيليين في الشؤون السياسية والاستراتيجية مجموعة من التوصيات، وذلك خلال مشاركتهم في ورشة عمل نظّمها "معهد السياسة والاستراتيجيات في الكيان الصهيوني"، تحت عنوان "استراتيجية بعيدة المدى" ، وذلك من أجل إيجاد استراتيجية أمن قومي شاملة تتعلق بالرؤية المستقبلية والأهداف المختلفة، وكذلك سلم الأولويات للسياسة الإسرائيلية المقبلة. وقد تضمّنت التوصيات في ذلك الوقت الدعوة إلى توثيق التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية، بصفتها الداعم الأكبر لـ"إسرائيل"، بالإضافة إلى السعي لتطوير العلاقات وتعزيزها مع بعض الدول في المنطقة، وصولاً إلى إقامة منظومة دفاع جوي إقليمية، تواجه الخطر الإيراني بشكل خاص، وباقي الأخطار القريبة والبعيدة بشكل عام.

وقد صنّف المجتمعون آنذاك المرحلة بأنها متعددة التحدّيات الأمنية والاستراتيجية، وهي تتميّز عن سابقاتها من خلال الصعوبة الكبيرة في معالجة القضايا المختلفة التي ستبرز عند اتخاذ القرارات وفقاً للمبادئ والأولويات الموضوعة سابقاً، وأنه وعلى الرغم من أن الكيان الصهيوني يمتلك اقتصاداً قوياً، ويتمتع بقدرات صناعية فائقة، وحداثة تكنولوجية متميزة، إلا أنه يعاني من وضع أمني هش، في ضوء العدد الكبير من المسائل القابلة للانفجار، وعلى رأسها جميعاً، مسألة الملف النووي الإيراني، واحتمالات اقتراب إيران من "نقطة الحسم" في هذا الإطار، كذلك الوضع الهش والقابل للانفجار في أي لحظة مع حزب الله، رغم سحب فتيل أزمة حقل غاز " كاريش" في ذلك الحين، إضافة إلى تصاعد المقاومة المسلحة في مدن الضفة الغربية المحتلة، وتحوّلها إلى معضلة حقيقية فشل الاحتلال في تجاوزها أو حلها رغم عملية " كاسر الأمواج "التي جاءت حينها رداً على اشتعال عمليات المقاومة المسلحة في مدن الضفة، لا سيّما الشمالية منها، مع عدم إغفال دور المقاومة في قطاع غزة، والتي باتت أكثر تنظيماً وأكثر خبرة.

بعد أقل من عشرة أشهر على تقديم تلك التوصيات التي تحظى عادة باهتمام المؤسستين السياسية والعسكرية في "الدولة"العبرية، ويُعتمد عليها بشكل كبير في وضع الرؤية المستقبلية للدولة، وقع ما لم يكن في الحسبان، وجاءت الضربة غير المسبوقة من الجبهة التي صُنّفت في ذيل قائمة التهديدات التي تواجه الكيان، وهو الأمر الذي شكّل مفاجأة غير سارّة لكل الإسرائيليين، خصوصاً أولئك الذين يشرفون على وضع الاستراتيجيات بعيدة المدى، وأولئك المعنيين بشؤون الأمن القومي للبلاد.

في "إسرائيل" يعرّفون الأمن القومي بأنه "دفاع عن الوجود" وليس عن مصالح "الدولة" كما تعرّفه بقية دول العالم، وهو ما ذهب إليه ديفيد بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي، وما زال يؤكده مجرم الحرب بنيامين نتنياهو حتى يومنا هذا، إذ يشمل "الأمن القومي" للكيان مختلف النشاطات والفعاليات الحيوية،مثل القوة العسكرية، وبناء وتطوير الذراع الضاربة وهي مؤسسة "الجيش" ، ومشاركة كل سكان "الدولة" فيه كـ"جيش" احتياط، والهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتوسيع الاستيطان، وتخفيف الهجرة المعاكسة إلى الخارج، وتقوية القاعدة الاقتصادية، وتأمين تحرك سياسي دبلوماسي خارجي يُوظَّف لصالح تأمين متطلبات الأمن، إضافة إلى التربية والتعليم، وتمتين الجبهة الداخلية لتحقيق الأمن والمناعة القومية. 

كذلك يمتد مفهوم "الأمن القومي الإسرائيلي"، ليشمل النشاط الأمني والعسكري خارج الرقعة الجغرافية لـ"دولة" الاحتلال، والتأثير على التفاعلات الإقليمية، بما يضمن التنبؤ بالتطورات التي يمكن أن تطرأ على القوى المحيطة، ومحاولة منعها من تحديد قدرات الكيان الصهيوني الجيو-سياسية أو التأثير عليها، على نحو يجعل تلك الدول تقبل به، وتتعامل معه كأمر واقع، لا يمكن تجاوزه أو تغييره.

ومن أجل تحقيق كل ما سبق، وضع "زئيف جابوتنسكي" قائد عصابات " الإيتسل "، وقائد "التيار التصحيحي" في الحركة الصهيونية، نظريته الشهيرة "الجدار الحديدي"، في عام 1923 من القرن الماضي، والتي كانت تعتمد على ثلاثة مفاهيم أساسية هي" الردع والإنذار والحسم "، وكان يُرجى من خلالها إقناع جميع أعداء "إسرائيل" بأنها قوة لا تُقهر، وأن "جيشها" لا يُهزم، وأن كل المعارك التي تخوضها مع "أعدائها" ستخرج منتصرة فيها من دون أدنى شك.

بعد ثلاثين عاماً من ذلك التاريخ، تحوّلت نظرية "جابوتنسكي" إلى جزء مهم من العقيدة القتالية للمؤسسة الأمنية والعسكرية الصهيونية، وشكّلت وما زالت أيديولوجيا الأحزاب الحاكمة في "إسرائيل" بغض النظر عن خلفياتها السياسية، وباتت منذ ذلك الحين بمنزلة العمود الفقري لنظرية الأمن القومي لـ"الدولة" العبرية، والتي وضع أساساتها أول رئيس وزراء ووزير حرب في "دولة" الكيان، ديفيد بن غوريون، في عام 1953.

 تم تجسيد مبادئ ومفاهيم نظرية الأمن القومي الإسرائيلي بشكل عملي وفعّال على أرض الواقع بعد إقرارها وتبنّيها بشكل مباشر، حيث انقسم مفهوم "الردع" إلى جزأين: الأول، يتعلق بردع الدول العربية والإسلامية، ومنعها من شن حرب استباقية على "الدولة" العبرية، من خلال المحافظة على تفوق عسكري واضح ونوعي لصالح العدو، من ضمنه التفوّق في المجال النووي، والجزء الثاني يتعلق بردع الفلسطينيين والعرب، والذين ينشطون على شكل جماعات وتنظيمات، تعمل بأنماط وطرق تختلف شكلاً وموضوعاً عن عمل الدول، وهؤلاء يتم التعامل معهم وفق نظرية "بن غوريون" الأصلية، والتي تعتمد بشكل أساسي على إلحاق خسائر مادية وبشرية كبيرة في صفوفهم، بهدف كسر روحهم المعنوية، والحد قدر الإمكان من إمكانياتهم التسليحية، بالإضافة إلى الضغط على حاضنتهم الشعبية. 

من ناحيته، اعتمد مفهوم "الإنذار" على المحافظة على تفوق معلوماتي واستخباري لـ "إسرائيل" على كل "أعدائها"، بهدف معرفة قدراتهم القتالية، وكذلك نيّاتهم وتوجهاتهم المستقبلية في ما يخص المواجهة معها، وهذا الأمر شمل المستويين التكتيكي والاستراتيجي، وهو ما ساعد "دولة" العدو على وضع وتفعيل "الخطط الدفاعية" في الوقت المناسب، واستدعاء قوات الاحتياط عند الحاجة، وفي أوقات معينة الذهاب باتجاه توجيه ضربة استباقية إلى الطرف الآخر.

أما مفهوم "الحسم"، فقد سعت من خلاله "دولة" الاحتلال إلى خوض معارك قصيرة زمانياً ومحدودة مكانياً، تحقق فيها الأهداف المرجوّة خلال فترة وجيزة، وهذا يرجع إلى صغر المساحة الجغرافية للكيان الصهيوني، وقلّة موارده البشرية، وعدم وجود عمق استراتيجي يمكن أن يلجأ إليه في أوقات الأزمات والطوارئ.

بعد اشتعال "انتفاضة الأقصى" في عام  2000، والتي شهدت استخدام المقاومة الفلسطينية أدوات ووسائل جديدة مثل الصواريخ، والعمليات الاستشهادية النوعية، والعبوات الناسفة، ووصول لهيب المعارك إلى قلب المدن الصهيونية، وما تلا ذلك من معركة عام 2006 مع حزب الله، تم تطوير وتحديث نظرية الأمن القومي لـ"الدولة" كي تتمكّن من مواكبة التحديات الجديدة التي طرأت، إذ تمت إضافة مفهوم رابع وهو "الدفاع" ، ويعني حسب الرؤية الإسرائيلية حماية الجبهة الداخلية للبلاد من الأخطار التي يمكن أن تواجهها داخل حدود "الدولة"، بما يمكن أن يؤثر على استمرار الحياة فيها، وتمّت ترجمة هذا المفهوم على الأرض من خلال نصب بطاريات دفاع جوي في مختلف المدن الصهيونية، ونشر منظومات حديثة ومتعددة المستويات من شبكات الإنذار المبكّر، واعتماد طرق جديدة لجمع المعلومات خلف خطوط "العدو"، وكل ذلك من أجل المحافظة على شكل الحياة الطبيعية في "إسرائيل" في أوقات الأزمات والحروب، وكذلك الدفاع عن البنى التحتية الوطنية والحيوية ومؤسسات الحكم، إضافة إلى تضمّن العمل بمبدأ "الدفاع "، عمليات نقل المستوطنين الصهاينة من مناطق الحرب، إلى مناطق أكثر أمناً لتقليل حجم الخسائر والإصابات البشرية.

 إلا أنه وعلى الرغم من هذه الإضافة التي عدّها الإسرائيليون مهمة ونوعية في ذلك الوقت، اضطرت المؤسسة الأمنية والعسكرية في "إسرائيل"، وإلى جانبها المئات من مراكز الدراسات الاستراتيجية إلى البحث عن مفاهيم جديدة لتعزيز سابقاتها التي لم تستطع مواكبة الأحداث والتطورات المتسارعة، لا سيّما بعد الفشل في التصدّي لصواريخ المقاومة الفلسطينية التي ضربت العمق الصهيوني في عامي2012 و2014 وغيرهما من المواجهات الأقل زخماً، إذ ظهر حينها أن الجبهة الداخلية للعدو باتت مكشوفة، وأن الواقع الأمني داخل "الدولة " العبرية ليس قوياً ومتماسكاً كما كان يُروّج له، وفيه من العيوب والثغرات، ما يمكن أن يشكّل فرصة ذهبية لقوى المقاومة في المنطقة من الانقضاض على هذا الكيان، وتوجيه ضربة قاتلة لعمقه الاستراتيجي وليس إلى الاطراف فقط.

للرد على هذا التهديد الجديد، تم مرة أخرى إدخال مفاهيم وصفت في الأوساط الإسرائيلية بأنها جوهرية ومؤثرة، وهي تدخل في سياق الصياغة الشاملة للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، فبالإضافة إلى مفاهيم الردع والإنذار والحسم والدفاع، تم طرح مفهوم خامس وهو "الاستيعاب" أو " الامتصاص"، وذلك من أجل الرد على تهديدين مركزيين وأساسيين: التهديد الأول هو قدرة المقاومة على مهاجمة قلب "الدولة العبرية"، المتمثّل في منطقة "المركز" التي تشمل مدينة "تل أبيب" وضواحيها ،وباقي المدن الكبرى كحيفا والقدس وبئر السبع، والتهديد الثاني قدرة المقاومة على إصابة الأهداف وتدميرها.

مفهوم سادس تمت إضافته أيضاً هو "الإعاقة" أو "المنع"، وهو إجراء وقائي بالدرجة الأولى، يتعلق بمنع فصائل المقاومة من تطوير قدراتها العسكرية النوعية، التي يمكن من خلالها تهديد العمق الإسرائيلي، وذلك باستخدام وسيلتين أساسيتين، هما العرقلة والردع.

أما سابع المفاهيم فكان "التقويض" أو "الإحباط المركّز"، والذي يعني تدمير قدرات باتت موجودة بالفعل لدى "أعداء إسرائيل"، وخصوصاً الأسلحة غير التقليدية، وهذا الأمر كان موجّهاً بشكل خاص للجمهورية الإسلامية في إيران.

ثامن المفاهيم كان "الشلل" أو "إبطال المفعول"، وهو يعني اتخاذ قرار البدء بهجوم عسكري ضد أعداء الكيان الصهيوني، من أجل حرمانهم من قدراتهم الأساسية، وعدم تمكينهم من إلحاق الأذى بـ"إسرائيل"، وهذا القرار إما أن يكون جزئياً أو كلياً.

أما تاسعها فكان "الغطاء الدولي"، ويعني استخدام سلسلة من الجهود الدبلوماسية، والخطوات القضائية، والحملات الإعلامية التضليلية، من أجل الحصول على الغطاء اللازم من قبل قوى دولية وإقليمية، لاستخدام "إسرائيل" القوة ضد أعدائها من دون تعرضها لانتقادات مؤثرة، أو قرارات مُلزمة.

عاشر المفاهيم وآخرها هو "التعاون الأمني المشترك"، من خلال استثمار كل المزايا التي تتيحها العلاقات الثنائية مع الدول الصّديقة أو الحليفة لـ"إسرائيل "، عبر تطوير تعاون عسكري وأمني مكثف مع تلك الدول على الساحتين الإقليمية والدولية.

إلا أنه ورغم كل الإضافات سالفة الذكر، فقد استمر الواقع الأمني في "إسرائيل" هشاً وضعيفاً، وكانت هناك خشية حقيقية من أن يسقط كل ما تم العمل عليه خلال سنوات طويلة في ضربة واحدة تأتي من إحدى الجبهات "المعادية"، وهذا ما حدث بالفعل في صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام 2023، إذ لم تنهر "فرقة غزة" فقط، بل انهارت منظومة الأمن القومي لـ"دولة" الاحتلال بكاملها في غضون ساعات قليلة، وباتت هذه "المستوطنة" المجنونة في مهب الريح لولا تدخل حلفائها من كل حدبٍ وصوب، وفي مقدمتهم رأس حربة محور الشر في العالم الولايات المتحدة الأميركية، التي استنفرت قدراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية الهائلة لنجدة حليفتها الأهم في المنطقة، ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد ما تعرضت له من هزيمة نكراء صباح ذلك اليوم المجيد.

في الجزء الثاني من هذا المقال سنتناول بالتفصيل كيف ألحقت معركة "طوفان الأقصى" أضراراً هائلة بنظرية الأمن القومي لـ"الدولة" العبرية، وكيف نسفت بضربة واحدة كل ما تم بناؤه خلال أكثر من سبعين عاماً، وما التداعيات التي تركتها على مستقبل هذه "الدولة" المارقة، التي وعلى الرغم من كل محاولاتها لاستعادة الكثير مما فقدته خلال هذه المعركة الحاسمة، وتوسيعها مجال الثأر والانتقام إلى ساحات أخرى قريبة وبعيدة،فإنها ما زالت تعاني عقدة النقص القديمة نفسها، تلك العقدة التي يشير الكثير من الخبراء والمختصين الصهاينة إلى أنها ستبقى تلاحق هذه "الدولة "حتى انهيارها وتفكّكها.