استطلاعات الرأي الإسرائيلية في ظل التحالفات الانتخابية الجديدة وتوجهاتها

تحرص المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية، في العادة، على إجراء استطلاعات رأي للشارع الإسرائيلي، وتحديداً في الشهور التي تسبق انتخابات الكنيست، وأحياناً في أجواء التطورات المصيرية، وهي استطلاعات تظل غالباً قريبة من الواقع.

0:00
  • التشظي الراهن في الكيان الإسرائيلي غير مسبوق.
    التشظي الراهن في الكيان الإسرائيلي غير مسبوق.

تصاعدت استطلاعات الرأي في الكيان الإسرائيلي منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، في ظل الصدمة التي عصفت بالكيان، والشرخ الذي أخذ يتسع بين البحث عن كبش فداء لهذا الفشل التاريخي، وبين توجهات الشارع الإسرائيلي في آتون الحرب التي اندلعت في أكثر من اتجاه وخاصة حرب الإبادة في غزة، وقد توّجت تلك الاستطلاعات خمسة انتخابات عامة في الكيان الإسرائيلي منذ عام 2019 حتى عام 2022، ما وضع الكيان في هستيريا انتخابات واستطلاعات، كرست في نهايتها بنيامين نتنياهو حاكماً مطلقاً للكيان منذ عقدين من الزمن حتى الآن.

تحرص المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية، في العادة، على إجراء استطلاعات رأي للشارع الإسرائيلي، وتحديداً في الشهور التي تسبق انتخابات الكنيست، وأحياناً في أجواء التطورات المصيرية، وهي استطلاعات تظل غالباً قريبة من الواقع، لكن لا بد من الانتباه إلى الأمور الآتية:

أولاً: طبيعة توجهات الجهة المنفذة للاستطلاع، حتى وإن صار المجتمع الإسرائيلي يمينياً في غالبه، إلا أن هناك فروقاً نسبية بين استطلاع تجريه القناة 14 الموالية لنتنياهو، وبين القناة 12 أو 13 المعارضتين لسياساته، وكذلك بين استطلاعات صحيفة "إسرائيل اليوم" وبين ما تجريه "هآرتس" أو حتى "يديعوت".

ثانياً: الجمهور المستطلع من ناحية التوجهات السياسية والدينية، وكذلك من ناحية الانتماء الجغرافي، فهناك فرق بين مزاج منطقة "غوش دان" أو "تل أبيب" الكبرى، وبين مزاج مستوطنات الشمال، وكذلك بين سكان "بني براك" وبين سكان مستوطنات الضفة، وأيضاً مستويات التعليم وطبيعة العمل.

ثالثاً: في أجواء الحرب هناك فرق بين جمهور يملك ملاجئ محصنة، وبين جمهور يعتمد على قدراته الذاتية في توفير غرف محصنة نسبياً.

وفي كل الظروف، فإن التشظي الراهن في الكيان الإسرائيلي غير مسبوق، على الرغم من قدرة الصمود التي أظهرها الشارع الإسرائيلي لأكثر من عامين ونصف من الحروب المتواصلة، في ظل عناد نتنياهو والمساحة المريحة التي يتحرك فيها داخل الكنيست، نظراً للغالبية التي يتمتع بها منذ آخر انتخابات تشريعية عام 2022.

تحاول استطلاعات الرأي الإسرائيلية التأثير في توجهات الشارع الإسرائيلي، وإن ضمن مساحة معقولة، فالاستطلاع الكبير الذي أجرته صحيفة "معاريف" على الرغم من يمينيتها يوصل رسالة مبطنة للجمهور اليميني أن هناك تغييراً قادماً في الساحة اليمينية، بطله نفتلي بينت بعد نجاحه في التحالف مع رئيس المعارضة يائير لابيد، على الرغم من ليبراليته وإن ضمن اليمين الوسط.

وكانت صحيفة "معاريف" نظمت استطلاعاً للرأي جاء لصالح بينت 46% مقابل 41% لصالح نتنياهو، و28 مقعداً لصالح حزبه الجديد (بياحد) في مقابل 26 مقعداً لصالح حزب الليكود الذي يقوده نتنياهو، وحتى مع حزب بن غفير فلن يتجاوزا 35 مقعداً، بينما التيار الحريدي يظل متأرجحاً في خياراته إذ لا فرق عنده بين نتنياهو وبينت ولا تتجاوز مقاعده ضمن حزبيّ شاس وديغل هتوراه 15 مقعداً، في مقابل حزب آيزنكوت 14 مقعداً والمرشح أن يتحالف معه ليبرمان 8 مقاعد، لتبقى بقية المقاعد عند الأحزاب العربية 10 مقاعد وحزب العمل مع ميرتس 10 مقاعد.

يشير استطلاع "معاريف" إلى القوة التحالفية القادمة المتوقعة بهدف إسقاط نتنياهو، وهي ببساطة عبر ضم مقاعد تحالف آيزنكوت-ليبرمان وحزب العمل مع ميرتس، ليحصد غالبية في الكنيست من 62 مقعداً ليكون مستغنياً عن الأحزاب العربية التي لا يقبلها نتنياهو بطبيعة الحال، والحريدية التي صارت عبئاً على أي حكومة نظراً لرفضها قوانين تجنيد الشباب الحريدي في "الجيش"، وهي باتت تمثل نحو 15% من المجتمع الإسرائيلي، إضافة إلى أطماعها المالية في الموازنة لصالح المؤسسات الدينية من دون سقف معقول، وهي لن تغير جذرياً ضمن هذا المعطى لصالح نتنياهو لو تحالفت معه.

إلا أن التشظي في الشارع الإسرائيلي يظهر أكثر عند فحص آخر 4 استطلاعات رأي، تم إجراؤها بهدف فحص توجهات الناخب في ظل اقتراب الانتخابات من موعدها في شهر أكتوبر القادم، أو كما تطالب حركة شاس بتقديمها إلى سبتمبر، أو ربما كما يخطط نتنياهو بالتلاعب في وقتها حتى تواتي إنجازاً كبيراً يخطط لتحقيقه، سواء في الحرب على إيران أو لبنان أو في نزع سلاح غزة.

تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة ومن ضمنها ذلك الذي أجرته "معاريف" والقناة 12 ومركزا Lazar Research  و Panel4All المتخصصان بالاستطلاعات، مدى هذا التشظي وهو يفرز نسباً متباعدة، ولكنها جميعاً ضد رغبة نتنياهو، في وقت تصمت فيه المؤسسات الموالية لنتنياهو عن إجراء  استطلاعات كهذه خلال الفترة الأخيرة، وخاصة منذ الفشل في الحرب على إيران وما تبعه من انكفاء أمام قدرات حزب الله ووحدة الساحة بين إيران ولبنان.

أظهرت هذه الاستطلاعات الأخيرة مستوى كبيراً من التخبط، خاصة عند المقارنة بين تلك التي جرت قبل تحالف بينت مع لابيد، والتي جرت بعده، مع ارتفاع أسهم حزب آيزنكوت على حساب حزب غانتس والذي تتخبط إزاءه الاستطلاعات بين 8 مقاعد أحياناً وعدم تجاوزه نسبة الحسم أحياناً أخرى، ولكن المؤكد في كل الاستطلاعات أن وزير المالية الحالي سموتريتش لا يبلغ حزبه نسبة الحسم لصالح زيادة مقاعد بن غفير إلى 9 مقاعد في غالبية الاستطلاعات، على الرغم من نجاحات سموتريتش الاستيطانية في الضفة، وتوازناته المالية الناجحة في ضبط حركة الاقتصاد في ظل الحرب، مقابل صبيانية بن غفير وتفاخره المبالغ فيه بتشريع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين والذي لم يدخل حيز التنفيذ بعد.

تبقى عقدة الاستطلاعات الراهنة حالياً بين تحالف بينت ولابيد مقابل الليكود وحزب بن غفير، باعتبارهما الثقل المركزي، وخاصة أن الرهان على إسقاط نتنياهو لا يحظى به إلا يميني من معسكره الأيديولوجي، مثل بينت الذي كان رئيساً للحكومة عام 2021 ضمن تحالفه أيضاً مع لابيد، وهنا يبدو أن خيار الجهات المستطلعة في غالبها يميل لهذا التحالف المستجد بعد أن سئمت غالبية الشارع الإسرائيلي حروب نتنياهو التي لا تحقق أهدافها.

وفي ما يتعلق بالاستطلاعات المتصلة بالحرب فهي موجهة عادة، وإن تم ترشيدها ببعض المعقولية، فلا يمكن النظر إلى المسألة ببراءة حد السذاجة، فالاستطلاعات تجاه الحرب على غزة مثلاً، بدأت بما يشبه الإجماع على شنها، ثم بعد سنة تراجعت نسبياً، حتى انعكست في أواخر 2025 ضد استمرار الحرب، وكذلك الحرب على إيران فالحال أوضح عندما كانت الاستطلاعات تؤيد الحرب في الأسبوع الأول بنسبة نحو 80% ولكنها انخفضت في أسبوعها الأخير إلى أقل من 40%.

أما الحرب على لبنان، فإن الاستطلاعات تظهر ميلاً لمواصلة هذه الحرب ضده حالياً، ولكن مع الانتباه أن جوهر هذا الميل مرتبط في هذه الفترة بالمزايدات الانتخابية للمعارضة ضد نتنياهو، فجمهور نتنياهو مع الحرب تأثراً بخطابات نتنياهو التقليدية بالتصعيد، أما المعارضة بشتى أطيافها فهي تؤكد على هذه الحرب لإحراج نتنياهو بعد أن رضخ لأوامر ترامب بعد الضغط الإيراني في مفاوضات باكستان بالدخول في هدنة هشة، وهي الهدنة التي استثمرها حزب الله عبر فرض قواعد اشتباك جديدة حتى الساعة، وإن كانت معرضة للانهيار تبعاً للتصعيد الراهن في الخليج.

تفيد استطلاعات الرأي الإسرائيلية في فحص توجهات الشارع الإسرائيلي، ولكن عودتنا هذه الاستطلاعات على المفاجآت في أحيان كثيرة، خاصة في واقع ملبد بدخان الحرب، ما يعطي هامشاً مهماً للأجندات الأمنية والسياسية والحزبية في تحريك عقارب هذه الاستطلاعات، وهي أجندات تحاول أخذ الناخب الإسرائيلي نحو التغيير أحياناً، أو نحو تعزيز صورة التماسك الداخلي أحياناً أخرى.