استراتيجية ترامب للأمن القومي... تفكيك المرتكزات البنيوية للاتحاد الأوروبي

هل يملك الاتحاد الأوروبي القدرة على التمسك بقيمه ومبادئه في ظل التخلي الأميركي؟ وهل يملك أيضاً القدرة على إدارة النزاع مع روسيا أو الصين من دون التحالف مع الولايات المتحدة؟

0:00
  • هل يملك الاتحاد الأوروبي القدرة على التمسك بقيمه ومبادئه في ظل التخلي الأميركي؟
    هل يملك الاتحاد الأوروبي القدرة على التمسك بقيمه ومبادئه في ظل التخلي الأميركي؟

بعد نحو عام على تولّيه سدة الرئاسة الأميركية، قدّم دونالد ترامب عصارة أفكاره لمستقبل الولايات المتحدة وعلاقاتها وكيفية تقديره لموقعها العالمي، بطريقة أكدت انقلابه على المسار النظري الذي حكم التوجهات الاستراتيجية للولايات المتحدة منذ ما بعد الحرب الباردة.

فإذا كان من الممكن التقدير أن مشروعه  Make America Great Again لن يتخطى إطار شعار سياسي يجذب الداخل الأميركي نحو التمسك به وإعادة انتخابه لدورة ثانية، بعد أن كان قد استعار هذا الشعار عام 2016 من حملة رونالد ريغان عام 1982، فإن أحداً، وخصوصاً الأوروبيين، لم يتوقع أن يحوّل هذا الشعار إلى عقيدة أو مبدأ يستند إليه في إعادة تقييم علاقاته الخارجية، ورؤيته لعلاقاته بالحلفاء أو تقديره لهم ولدورهم.

فبعد أن كان العالم معتاداً على مشروع أميركي حريص على شراكات استراتيجية تحمي موقعها الأحادي، وإن على نفقته الخاصة، أظهر ترامب من خلال استراتيجيته أن الولايات المتحدة ستبحث فقط عن علاقات تعاقدية تحكمها فقط حسابات الربح والخسارة، حيث يتوازى فيها الاقتصاد والأمن القومي، وتعتبر أن الدولة القومية هي الوحدة الأساسية التي يمكن التعاطي معها بفاعلية وبسهولة.

على الضفة الشرقية للمحيط الأطلسي، كانت القوى الأوروبية ترى في مشروع اتحادها مرتكزاً يتلاءم مع تحديات الأمن العالمي في فترة ما بعد الحرب الباردة، وذلك من خلال اعتباره إطاراً مؤسسياً قادراً على تعزيز قدراتها الجماعية في مواجهة الأزمات من ناحية، وبناء شراكات دولية مستقرة وقادرة على خلق توازن قوى مستقل في إطار النظام الدولي الذي كانت الولايات المتحدة تعمل على إرسائه، من ناحية ثانية.

في هذا الإطار، كانت القوى الأوروبية تستند إلى تقدير الولايات المتحدة لأهمية دور الاتحاد المساعد في تعزيز الأحادية الأميركية، حيث كانت ترى أن المشروع الأميركي يحتاج حتماً إلى شريك قادر على مواجهة التحديات التي قد تظهر في الشرق، وذلك من خلال تأمين وجود عسكري أميركي على أراضي أوروبا، وضمان شرعية دولية وقانونية عنوانها تحالف متوافق على مجموعة من القيم، قادر على هضم الرؤى الأميركية وتشريعها على أنها تمثل رؤى العالم الحر الحريص على نشر قيم الحرية والسلام والديمقراطية.

في هذا الإطار، ظهر واضحاً أن الفهم الأوروبي للمشروع الأميركي محدود بقناعة تفترض التزام الولايات المتحدة تجاهه بمشروع قيمي لن تناقش الإدارات الأميركية فيه، ولن تتجرأ في أي لحظة مفصلية على مراجعة موقعه في سلم أولوياتها. وعليه، لم يضع صنّاع القرار الأوروبي على طاولة بحثهم فرضية تحول الرؤية الأميركية نحوهم إلى رؤية براغماتية قد تنسف حلمهم بتنمية علاقة عضوية متكاملة ومتينة بين ضفتي الأطلسي. من هنا، ظهر واضحاً مدى الالتزام الأوروبي بالتوجهات الأميركية بدءاً من تأسيس حلف الناتو والقبول بتحويل أوروبا إلى ساحة لمواجهة السوفيات، مروراً بالالتحاق بالحروب الأميركية في العراق ويوغسلافيا وأفغانستان وصولاً إلى تخليها عن علاقاتها مع روسيا والتزامها بالمشروع الأميركي الذي كان يستهدف تحويل أوكرانيا إلى ساحة لاستنزاف روسيا. 

أما عن استراتيجية ترامب للأمن القومي، فقد أظهرت أن المشروع الذي سوَقت له الولايات المتحدة منذ الحرب الباردة لا يعدو كونه متغيراً يرتبط بشكل مباشر بأهداف غير ثابتة أو مرحلية، وبالتالي من الممكن التخلي عنه واستبداله متى كان الأمر ضرورياً.

فالهدف الأميركي الذي قد يتغير بما يتناسب مع ضرورات المرحلة أو بما يتناسب مع رؤية يحددها توجه فكري معين، يجعل من الممكن إعادة رسم مرتكزات العلاقة مع الحلفاء وحتى الأعداء أو المنافسين. وعليه، لم يجد دونالد ترامب أي حرج في استبدال قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان المؤسسِة للعلاقة التاريخية مع القوى الأوروبية باعتبارات مادية وأسس براغماتية قد تؤدي إلى نسف أسسها التاريخية.

فبدل المحافظة على تحالفات تقليدية مبنيّة على التزامات استراتيجية دائمة، تبنّى دونالد ترامب مقاربة تستند إلى معادلة اقتصادية يفترض أنها من خلال ميلها لمصلحته، ستسهم في الحفاظ على الأمن القومي للولايات المتحدة. وعليه، فإن أي سيناريو يفترض عدم تحقيق ترامب لما يراه مردوداً مناسباًً، سيضع الاتحاد الأوروبي أمام خطر تخفيض مستوى الالتزام الأميركي تجاهه، ويجعله مكشوفاً أمام التحديات الإقليمية، مثل روسيا، وكذلك أمام تحديات الحفاظ على تكامله والتزام أعضائه بالبقاء ضمن هيكليته.

من ناحية أخرى، ركزت استراتيجية ترامب على مفهوم السلام من خلال القوة الذي يفترض ضرورة تحديث القدرات العسكرية اللازمة لتحقيق الردع من خلال التركيز على النوعية على حساب الانتشار والتحشيد، وأيضاً على حساب دور المنظمات الدولية والإقليمية. فقد أشارت الاستراتيجية إلى ضرورة تطوير القدرات النووية والدفاع الصاروخي، إضافة إلى أنها ركزت أيضاً على التفوق التكنولوجي، خصوصاً التفوق في الذكاء الاصطناعي، من دون أن ننسى قناعتها بعدم فاعلية المؤسسات الدولية وتركيزها على تحالفات مصغرة وتحالفات ثنائية تستند إلى مفهوم الحاجة والمصلحة.

وإذا ربطنا هذا الأمر بما أشارت إليه هذه الاستراتيجية في موضوع أن الدولة القومية ستبقى في المنظور الأميركي الوحدة السياسية الأساسية في العالم، ودعوتها إلى إصلاح المؤسسات والمنظمات العابرة للحدود التي تضعف السيادة، فإن ذلك قد يُترجم تخلياً عن التكامل الدفاعي الذي يجسده حلف الناتو، وكذلك عن الالتزام الدفاعي الذي التزمت به الولايات المتحدة تجاه القارة الأوروبية.

وأخيراً، يبقى أن نشير إلى أن الرؤية الأوروبية كانت تفترض حفاظ الولايات المتحدة على هيمنتها وأحاديتها بما يضمن توفير مظلة دفاعية قوية لا تتحمل القوى الأوروبية كامل أعبائها العسكرية، هذا إضافة إلى ضمان تشكل بيئة آمنة للتجارة والاستثمار من خلال توفير أمن وسلامة سلاسل التوريد الضرورية لاستيراد المواد الأولية وتصدير المنتجات.

وعليه، أظهرت استراتيجية الأمن القومي الأميركية من خلال البناء على واقعية مرنة تتمثل بالتخلي عن الدور الإمبراطوري والعودة إلى مرتكزات السيادة القومية والقوة الاقتصادية الذاتية والبراغماتية في رسم خارطة علاقاتها الدولية، مدى عمق الأزمة البنيوية التي سيواجهها الاتحاد الأوروبي، حيث سيكون ملزماً بإعادة تقييم بناه المؤسسية ودوره الوظيفي ومدى فاعليته في رسم استراتيجياته بشكل مستقل.

فهل يملك الاتحاد الأوروبي القدرة على التمسك بقيمه ومبادئه في ظل التخلي الأميركي؟ وهل يملك أيضاً القدرة على إدارة النزاع مع روسيا أو الصين من دون التحالف مع الولايات المتحدة؟ وأيضاً هل يملك الاتحاد الأوروبي الجاذبية اللازمة لبناء منظومة علاقات مستقلة عن المظلة الأميركية؟ بطبيعة الحال، وبما أن الإجابة الأولية عن هذه الأسئلة ستكون نفياً قاطعاً، فإن سؤالاً آخر أكثر حساسية وإلحاحاً سيفرض نفسه: هل يملك الاتحاد الأوروبي بعد التخلي الأميركي مقوّمات تسمح له بالبقاء؟