اجتماعات أديس أبابا التشاورية ومعضلة "العملية السياسية المملوكة للخارج" في السودان
تكشف اجتماعات أديس أبابا الأخيرة عن أزمة أعمق من مجرد خلافات بين القوى السياسية السودانية؛ فهي تعكس إشكالية متزايدة تتعلق بطبيعة العملية السياسية نفسها، ومدى استقلالها عن التأثيرات الخارجية.
-
معضلة "العملية السياسية المملوكة للخارج" في السودان.
أعادت الاجتماعات التشاورية للقوى السياسية السودانية، التي عُقدت في أديس أبابا بين 3 و5 حزيران/ يونيو الجاري، طرح الأسئلة القديمة حول طبيعة المسار السياسي الجاري الترتيب له بشأن السودان، وضرورة ارتباطه بالإرادة الوطنية من جهة، أو مخاطر الأجندات الخارجية من جهة أخرى.
ورغم تصوير هذه الاجتماعات باعتبارها خطوة تمهيدية نحو حوار وطني سوداني شامل، فإن مسارها ومخرجاتها الأولية تثير شكوكاً عميقة في قدرتها على بناء توافق سياسي حقيقي. كما عكست تراجعاً ملحوظاً في مستوى التمثيل السياسي للمشاركين، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول جدوى هذا المسار وفرص نجاحه مع سعي جهات خارجية تسعى إلى هندسة تسوية سياسية مفروضة من الخارج أكثر من سعيها إلى بناء توافق وطني مستدام من الداخل.
الخلافات وهشاشة التوافق
على الرغم من التصريحات المتفائلة التي تحدثت عن إحراز تقدم في الاجتماعات الاستكشافية بأديس أبابا الخاصة بتشكيل لجنة تحضيرية للحوار الوطني والتوافق على مبادئ الانتقال السياسي، فإن الوقائع أظهرت نتائج مختلفة تماماً.
فقد برزت خلافات جوهرية فور بدء الاجتماعات، سواء بشأن طبيعة العملية السياسية نفسها أو أولوياتها وأجندتها والمشاركين فيها. كما أعلنت بعض المجموعات المشاركة فيها رفضها لما ورد في بيانات ووثائق صدرت عن أطراف أخرى حضرت الاجتماعات ذاتها.
وبالتالي، فإن الحديث عن "توافق واسع" أو "رؤية مشتركة" متفق عليها بين الأطراف يبدو أقرب إلى المبالغة السياسية منه إلى توصيف دقيق للواقع؛ ولم تقتصر الخلافات على الشكليات فحسب، بل شملت قضايا أساسية تتعلق بمسارات السلام، وأولويات المرحلة الانتقالية، وشكل المشاركة السياسية مستقبلاً.
ففي حين تتمسك بعض القوى بربط المسارات السياسية والأمنية والإنسانية ضمن عملية واحدة (مجموعة صمود) اتساقاً مع بيان الرباعية في 12 أيلول/ سبتمبر الماضي، ترفض أطراف أخرى هذا الربط وتطالب بالتعامل مع كل مسار بصورة مستقلة.
ومن ثم، يمكن القول إن الاجتماعات فشلت بالفعل ولم تنجح في تحقيق توافق حقيقي، بل كشفت عمق الانقسامات القائمة حتى بين الأطراف المنخرطة في المسار نفسه، ناهيك بمعارضة قوية لنتائجها من قبل بعض من هم خارجه.
محاولة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية
في ضوء هذه الخلافات، يبدو أن الهدف الفعلي للاجتماعات لم يكن التوافق على ترتيبات الحوار الوطني بقدر ما كان محاولة لتقريب المواقف بين بعض المكونات السياسية المتباعدة، وإعادة هندسة التوازنات داخل المعسكرات السياسية المختلفة لتقترب مواقفها أكثر من أجندات الخارج، فضلاً عن قطع الطريق أمام أي مبادرة وطنية بالداخل.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الجهود المبذولة لاستقطاب بعض القوى المحسوبة على معسكر دعم القوات المسلحة أو إضعاف مواقفها مثل "الكتلة الديموقراطية"، بما يسهم في إعادة رسم المشهد السياسي بطريقة تسمح بتمرير ترتيبات سياسية جديدة تحظى بقبول الأطراف الخارجية الراعية للمسار.
في هذا السياق، يلاحظ أن مجموعة "صمود" تبنت خلال الاجتماعات التشاورية موقفاً أكثر مرونة مقارنة بمواقفها السابقة، إذ كانت ترفض توسيع دائرة المشاركين بحجة تجنب "إغراق" العملية السياسية بأطراف إضافية، كما سعت إلى احتكار الصفة المدنية ضمن مكونات محددة، وأبدت تحفظات تجاه عدد من القضايا المطروحة. غير أن هذا الموقف بدا مختلفاً خلال اجتماعات أديس أبابا، وهو ما تم تفسيره برغبة الأطراف الخارجية الداعمة للمسار السياسي الحالي، وفي مقدمتها أبو ظبي، في توسيع قاعدة المشاركين من خلال استقطاب قوى تدعم توجهاتها بشأن المسار السياسي الذي يسير جنباً إلى جنب مع مسار الحرب.
ويعكس ذلك اتجاهاً متزايداً نحو صناعة عملية سياسية تتحكم في مخرجاتها دوائر خارجية أكثر من تحكم الفاعلين السودانيين أنفسهم في مسارها.
السودان و"شبكات التسوق السياسي" الإقليمية
ومع اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023، إذ أصبح الصراع السوداني ساحة لتقاطعات إقليمية ودولية متشابكة، انعكست بشكل مباشر على طبيعة المبادرات السياسية المطروحة.
كما تكشف الأزمة السودانية، منذ عام 2019، عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الوساطات الإقليمية والدولية في أفريقيا. فبدلاً من دعم مسار وطني يقود إلى انتقال ديمقراطي ناجح، تحولت الساحة السودانية إلى مساحة مفتوحة للتنافس بين المبادرات الخارجية.
وخلال السنوات الماضية، تراجع دور المؤسسات الأفريقية، وعلى رأسها الاتحاد الأفريقي، في قيادة جهود التسوية بصورة مستقلة، لصالح أدوار متزايدة لقوى خارجية باتت تمتلك تأثيراً أكبر في رسم مسارات الحلول السياسية. إذ فشل الاتحاد الأفريقي في ترجمة مبدأ "القيادة الأفريقية" للمبادرات إلى نتائج ملموسة بشأن الحلول الأفريقية أو القيادة المستقلة لهذه المبادرات.
وفي خضم هذا الفشل، برز ما يمكن وصفه بـ " شبكات التسوق السياسي" التي تتكون من مسؤولين وقيادات بمنظمات إقليمية ودولية منخرطين في جهود حل الصراع في السودان بينما تسعى لتحقيق مكاسب ومصالح شخصية من خلال دعم الأجندات الخارجية والتماهي معها. إذ توفر البيئة الهشة والانقسامات الداخلية في السودان خاصة في مرحلة ما بعد 2019 فرصاً واسعة للتأثير على المواقف السياسية عبر التمويل والدعم الخارجي وشبكات النفوذ المختلفة في ازدهار هذا النموذج، وهو ما يضعف فرص التوصل إلى توافقات وطنية مستقلة.
معضلة "الملكية الوطنية" للحوار
تتمثل إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه المسار الحالي في التناقض بين الحديث عن "حوار سوداني- سوداني" وبين كون معظم مراحل هذا الحوار تُصمم وتُدار خارج السودان.
فإذا كانت الأطراف الخارجية تسهم في تحديد المشاركين والأجندة وآليات العمل والمخرجات المتوقعة، فإن الحديث عن "ملكية وطنية" للعملية السياسية يصبح موضع شك كبير.
كما أن الإصرار على "تغييب" الحكومة السودانية المعترف بها دولياً عن كثير من هذه الترتيبات، إلى جانب استبعاد قوى وازنة ومؤثرة على الأرض في الداخل، يطرح تحديات إضافية تتعلق بشرعية أي مخرجات قد تنتج عن هذا المسار.
وسوف تزداد هذه الإشكالية تعقيداً مع استمرار محاولات تجاوز دور المؤسسة العسكرية أو فرض ترتيبات سياسية عليها من الخارج، وهو ما يجعل فرص تنفيذ أي اتفاقات مستقبلية أكثر صعوبة.
نهج الخماسية وحدود الفاعلية
تكشف التطورات الأخيرة أن الآلية "الخماسية" (الاتحاد الأفريقي، وإيغاد، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة) تمضي في مسارها غير المثمر رغم التباينات الواسعة بين الأطراف السودانية، مع تركيز أكبر على استمرار العملية السياسية في حد ذاتها أكثر من التركيز على طبيعة التمثيل ومستوى التوافق الفعلي.
وفي المقابل، أدت هذه المقاربة إلى زيادة الانقسامات داخل بعض الكتل السياسية، بما في ذلك قوى كانت تُصنف ضمن المعسكر الداعم للقوات المسلحة. وستزداد حدة الانقسامات داخل المعسكرات السياسية المختلفة خلال المراحل المقبلة.
عطفاً على ذلك، فإن هذه الانقسامات ليست ناتجة فقط عن اختلافات سياسية، بل أيضاً ناتجة عن البيئة التي أوجدتها طريقة عمل "شبكات التسوق السياسي" التي تقود المبادرات الخارجية، حيث تتداخل المصالح الإقليمية مع الحسابات الفئوية والمنافسة بين المجموعات المحلية على المواقع المستقبلية داخل أي ترتيبات انتقالية محتملة.
إعادة إنتاج فشل المسار السابقة
عند النظر إلى سلسلة الاجتماعات التي عُقدت خلال العام الأخير، من برلين إلى نيروبي ثم أديس أبابا، يبرز نمط متكرر يقوم على محاولة هندسة عملية سياسية خارج السودان تمهيداً لفرضها على الداخل.
غير أن التجربة السودانية – تحديداً بعد 2019 - تشير إلى أن أي تسوية لا تستند إلى توافق داخلي واسع، ولا تراعي موازين القوى والشرعية الحقيقية على الأرض، أو تستند فقط إلى مجموعات سياسية مدعومة من الخارج ومتحالفة معه، تظل عرضة للفشل.
بناء على ذلك، فإن إعادة إنتاج نماذج سابقة - كما تشير المعطيات عقب الاجتماعات التشاورية الأخيرة - مثل الاتفاق الإطاري (الذي تم توقيعه في 5 كانون الأول/ ديسمبر 2022)، قد تؤدي إلى تعميق الاستقطاب بشكل أسوأ، خصوصاً إذا استمرت محاولات حصر العملية السياسية في مجموعات محددة أو إقصاء قوى رئيسية من المشاركة فيها والعمل على فرض هيكل حكم لتسوية سياسية في أي عملية انتقالية جديدة.
خاتمة
تكشف اجتماعات أديس أبابا الأخيرة عن أزمة أعمق من مجرد خلافات بين القوى السياسية السودانية؛ فهي تعكس إشكالية متزايدة تتعلق بطبيعة العملية السياسية نفسها، ومدى استقلالها عن التأثيرات الخارجية.
فبينما يُرفع شعار "الحوار السوداني - السوداني"، تشير الوقائع إلى أن كافة المراحل المهمة من هذا المسار لا تزال تُصاغ خارج البلاد وفق حسابات تتجاوز أحياناً أولويات الأغلبية الصامتة من أصحاب الحقيقيين وهم السودانيون الذين سيقررون مصير أي تسوية دائمة حول مستقبل بلادهم.
وإجمالاً، فإن أي عملية سياسية قابلة للاستمرار لن تُبنى على التفاهمات التي تُصنع في العواصم الخارجية فحسب، بل على توافق وطني حقيقي يشارك فيه الفاعلون الرئيسيون داخل السودان، ويستند إلى إرادة سياسية تعكس موازين القوى والحقائق القائمة على الأرض، لا التصورات والمصالح الضيقة لدوائر خارجية والتي يرغب الآخرون في فرضها.