اتفاق غرينلاند: هل بالفعل ربح ترامب؟
لم تنقل اتفاقية 2026 السيادة على غرينلاند إلى الولايات المتحدة، ولم تنشئ واقعاً أمنياً مختلفاً جذرياً عما قام عليه اتفاق 1951. ما فعلته هو تحديث الترتيبات الدفاعية الأميركية في القطب الشمالي.
-
الرابح السياسي الأكبر هو غرينلاند؟
أثار الاتفاق الجديد الذي وقعته الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند في نيويورك في 22 أيلول/سبتمبر 2026 اهتماماً واسعاً، لأسباب عدّة أبرزها تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب السابقة بضم غرينلاند الى الولايات المتحدة والسيطرة عليها، بالإضافة إلى إعلانه الانتصار بعد توقيع الاتفاق، إذ قال إنه يمنح الولايات المتحدة "سيطرة دائمة على الأمن وكل الاحتياجات الأخرى" في الجزيرة.
إن القراءة المتأنية لنص الاتفاق ومقارنته باتفاق الدفاع الموقّع بين الولايات المتحدة والدنمارك حول غرينلاند عام 1951، تقود إلى استنتاج مختلف عما قاله ترامب والانتصار الذي أعلنه. ويمكن عرض أبرز الاستنتاجات بعد مقارنة الاتفاقين، كالآتي:
- الاتفاق الحالي يكمّل اتفاق 1951
يعلن نص الاتفاق الجديد صراحة أنه "يعدل ويكمل" الاتفاق السابق لعام 1951، ويظهر من خلال المواد أن البنية الأساسية للعلاقة الأمنية بقيت على حالها.
في اتفاق 1951 كانت غرينلاند جزءاً من المنظومة الدفاعية الأطلسية، وكانت الولايات المتحدة تتمتع بحقوق عسكرية واسعة للغاية، من بينها إنشاء مناطق دفاعية وقواعد عسكرية، وحرية حركة القوات الأميركية في الجزيرة، وحقوق واسعة للطيران فوق أراضي غرينلاند والهبوط فيها، بل وحتى اختصاص قضائي حصري داخل بعض المناطق الدفاعية الأميركية.
ما يضيفه الاتفاق الجديد هو توسيع الوجود العسكري الأميركي وإضافة بعض المواقع الجديدة وتعزيز الدور الأميركي في الأمن القطبي، ويمكن النظر إلى هذه الإضافات كتحديث لاتفاق 1951 في ظل التحولات الجيوسياسية التي طرأت منذ توقيع الاتفاق السابق ولغاية اليوم.
وعليه، يبدو أن كثيراً من الصلاحيات في الاتفاق الجديد والتي قُدمت للرأي العام على أنها إنجاز جديد كانت موجودة، بصورة أو بأخرى، منذ أكثر من سبعين عاماً، مع بعض الإضافات غير الجوهرية.
مسألة السيادة
تحدث الرئيس دونالد ترامب عن "سيطرة أميركية دائمة" لكن النص القانوني يقول أمراً مختلفاً.
تعيد الديباجة التأكيد بصورة واضحة على سيادة مملكة الدنمارك ووحدة أراضيها، كما تعترف بأن شعب غرينلاند يشكّل شعباً وفق القانون الدولي ويتمتع بحق تقرير المصير. كذلك يؤكد الاتفاق الجديد إن إنشاء مناطق دفاعية جديدة أو معالجة القضايا المرتبطة بالأمن والاستثمارات يتم عبر آليات تشاور واتفاق بين الأطراف جميعها، ولا تمتلك الولايات المتحدة سيطرة مطلقة أو منفردة.
بمعنى آخر، حصلت الولايات المتحدة على دور أمني مهيمن ومميز، لكنها لم تحصل على سيادة أو وصاية قانونية على الجزيرة.
حلف "الناتو" لا الولايات المتحدة وحدها
أحد الجوانب اللافتة في الاتفاق أنه لا يعكس تراجعاً لدور حلف "الناتو" ليمنحه للولايات المتحدة، بل العكس تماماً. تنص الوثيقة صراحة على دعم "انخراط أقوى للناتو في القطب الشمالي" في مجالات التخطيط والانتشار والتدريبات وتبادل المعلومات الاستخبارية.
كما أن المادة الخاصة بالدول الثالثة لا تمنع وجود دول الحلف، بل تمنع فقط الدول غير الأعضاء في "الناتو" من إقامة منشآت عسكرية أو وجود عسكري دائم في غرينلاند، ما يعني أن الهدف الأساسي منع أي موطئ قدم استراتيجي لروسيا أو الصين في الجزيرة.
من هم الرابحون؟
لا شك أن الولايات المتحدة حققت مكاسب أمنية مهمة، حيث حصلت على توسيع قاعدة بيتوفيك، وإنشاء منطقتين دفاعيتين جديدتين، وحقوق واسعة للحركة الجوية والبحرية والعسكرية في أنحاء الجزيرة.
وقد يكون الإنجاز الأهم الذي حصل عليه الأميركيون، هو القيود الصريحة على الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحساسة، بما يحدّ عملياً من النفوذ الصيني والروسي في الجزيرة. مع العلم أن الدنمارك صاحبة السيادة على غرينلاند، هي في الأساس عضو في حلف "الناتو" ومن الصعب التوقّع (حتى من دون هذه الاتفاقية) أن تسمح لروسيا والصين بنفوذ عسكري أو الاستثمار في مواقع حساسة في الجزيرة.
واقعياً، الرابح السياسي الأكبر هو غرينلاند، للأسباب التالية:
- عام 1951 لم تكن غرينلاند طرفاً في الاتفاق أصلاً، بل كانت موضوعاً للتفاوض بين الولايات المتحدة والدنمارك. أما في اتفاق 2026 فإن حكومة غرينلاند أصبحت طرفاً موقعاً على الوثيقة إلى جانب الولايات المتحدة والدنمارك. وهكذا، انتقلت غرينلاند من موقع "الإقليم موضوع التفاوض" إلى موقع الفاعل السياسي المشارك في صنع القرار.
- كذلك يعترف الاتفاق بحق تقرير المصير، ويشير بصورة متكررة إلى مصالح المجتمع في غرينلاند وثقافته وحقوقه الاقتصادية والاجتماعية، كما يتحدث عن احتمال الاستقلال في المستقبل وعن كيفية استمرار الترتيبات الأمنية بعده.
- يؤكد الاتفاق أن أي ترتيبات استراتيجية طويلة الأمد في الجزيرة تريد الولايات المتحدة القيام بها، لم تعد ممكنة من دون موافقة السلطات المحلية فيها.
في المحصلة، لم تنقل اتفاقية 2026 السيادة على غرينلاند إلى الولايات المتحدة، ولم تنشئ واقعاً أمنياً مختلفاً جذرياً عما قام عليه اتفاق 1951. ما فعلته هو تحديث الترتيبات الدفاعية الأميركية في القطب الشمالي، مع منح السلطات المحلية في غرينلاند موقعاً سياسياً وقانونياً غير مسبوق.
ويمكن القول إن الرابحين توزعوا على الشكل الآتي: الولايات المتحدة ربحت أمنياً، والدنمارك ربحت تثبيت سيادتها الرسمية. وربح "الناتو" تكريس الحصرية وإغلاق الباب أمام الصين وروسيا والدول غير المنضوية في الحلف. لكن الرابح السياسي الأكبر وبلا منازع كان غرينلاند.