إيران والحروب الجيوسياسية الكبرى: الصراع على القلب الآسيوي

سقط الرهان الأميركي على إمكانية تعديل السياسات الإيرانية التي تقوّض الدور الإسرائيلي في غرب آسيا، وهو الدور الوظيفي الذي تعزّز بشكل واضح بعد عملية "طوفان الأقصى".

0:00
  • لن يضير جماعات الإخوان إدراجها في اللائحة الأميركية السوداء!
    لن يضير جماعات الإخوان إدراجها في اللائحة الأميركية السوداء!

عاش العالم أجمع لحظات رعب من جرّاء التصعيد الكبير بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة أخرى، إدراكاً منه بأنّ حرباً كهذه ستكون لها تداعيات هائلة على الصراع الدولي المحتدم في قارات العالم الخمس، كما أنها لن تنفصل عن الحروب الدائرة بأشكالها المختلفة (العسكريّة والأمنية والاقتصادية والسياسية) في أوكرانيا وأميركا الجنوبية وأفريقيا وجنوب شرق آسيا.

فعلى الرغم من اختلاف الأولويات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب دول الاتحاد الأوروبي، بشأن هذه الحرب المؤجّلة -والمقبلة حتماً من وجهة نظرهم-، فإنّ نقطة تقاطع مصالح كلّ هذه الأطراف تكمن في ضرورة إسقاط النظام السياسي في إيران.

هذا النظام الذي أدّى دوراً محورياً على مدى سبعة وأربعين عاماً في مواجهة "المشروع الأميركي الإسرائيلي" في منطقة غرب آسيا. ولكنّ المأزق الذي يعيشه النظام الغربي، من جرّاء تراجعه المستمر عن هيمنته العالمية لأسباب ذاتية تتعلّق ببلوغ نظامه الرأسمالي ذروة الإمبريالية الاستعمارية وتسارع وتيرة انحداره، إضافة إلى بروز قوى دولية بديلة وتشكُّل تحالفات عابرة للقارات بين الدول الساعية للخلاص من نظام اقتصادي سياسي لا يشبع نهمه للثروات والتحكّم المطلق بها؛ كلّ ذلك دفع قوى هذا النظام الغربي إلى اختيار المواجهة مع إيران لتحقيق أهداف جيوسياسية متعدّدة وبُعد استراتيجي، قادر على إطالة أمد هذه الهيمنة.

تشكّل الجغرافيا السياسية لإيران، بمساحتها الكبيرة البالغة 1.645 مليون كم²، مركزاً محورياً بين شرق آسيا وغربها، ومن هنا تكمن أهميتها القصوى للصين، التي تعتمد على إيران لإنجاز "مبادرة الحزام والطريق"، حيث تُقدَّر حصة الجغرافيا الإيرانية بنحو 40% من نجاح هذا المشروع.

كما تُعتبر إيران الخيار الأهمّ للالتفاف على تهديدات إغلاق ممرات الطاقة البحرية بين الصين ودول الخليج، حيث تشكّل إيران ومحيطها مصدراً لنحو 5-6 ملايين برميل نفط يومياً، أي ما يعادل نحو 50% من الواردات النفطية الصينية، إضافة إلى واردات الصين الكبيرة من الغاز القطري. وقد تجسّد هذا التعاون بإنجاز خط سكك حديدية بين البلدين لنقل النفط الإيراني وتعزيز التجارة، وذلك في أعقاب توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بينهما لمدة 25 عاماً في آذار/مارس 2021.

كما تشكّل إيران ضرورة قصوى لأوراسيا -روسيا ودول آسيا الوسطى الست- للوصول إلى المياه الدافئة في الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي، مما يجعلها ممراً حيوياً بين الشمال والجنوب. وتعكف روسيا مع إيران على بناء خط سكك حديدية يمتد من أقصى الشمال الروسي في سان بطرسبورغ إلى ميناء تشابهار الإيراني، ثم إلى الهند بحراً، إضافة إلى خطوط أخرى باتجاه دول آسيا الوسطى.

سقط الرهان الأميركي على إمكانية تعديل السياسات الإيرانية التي تقوّض الدور الإسرائيلي في غرب آسيا، وهو الدور الوظيفي الذي تعزّز بشكل واضح بعد عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023.

كما تجاوزت إيران ما تعتبره واشنطن "خطاً أحمر"، من خلال دعمها لروسيا في حربها ضد حلف الناتو في أوكرانيا، وتزويدها بالطائرات المسيّرة "شاهد 136" التي غيّرت موازين المعركة البرية، مع اتهامها بتزويد روسيا بالصواريخ الباليستية الدقيقة من طراز "فاتح". وجاء كلّ ذلك بعد توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية مع الصين أيضاً.

شكّل توقيع اتفاقيات الشراكة بين إيران وكلّ من الصين وروسيا، وما أعقبها من تطوّرات - ولا سيما نجاح الصين في التوسّط للمصالحة بين إيران والمملكة العربية السعودية في 23 آذار/مارس 2023 - إنذاراً شديد اللهجة للولايات المتحدة، يؤكّد أنّ متغيّرات جيوسياسية واسعة قد حصلت، ويكشف النقاب عن تحالف ثلاثي غير معلن لمواجهة الهيمنة الأميركية في قلب آسيا الوسطى وغرب آسيا. ولم يكن مسموحاً لهذا التحالف أن ينجح. بيد أنّ عملية "طوفان الأقصى" وتداعياتها المزلزلة للوجود الإسرائيلي الوظيفي، أجّلت المحاولة الرامية لتقويض هذا التحالف عبر إسقاط النظام الإسلامي في إيران، إلى ما بعد وقف إطلاق النار في لبنان، بعد ما يقارب العامين على بدء العملية.

لطالما اعتُبر أنّ إسقاط النظام الإسلامي في إيران سيتيح لـ"إسرائيل" تحقيق أحلامها بتقويض منطقة غرب آسيا وإعادة رسم خرائطها، لتصبح القوة الوحيدة المهيمنة من مصر إلى باكستان. كما سيتيح للولايات المتحدة حصار كلّ من الصين وروسيا بالوصول إلى حدودهما عبر دول آسيا الوسطى، وتقويض "مبادرة الحزام والطريق" الصينية، و"ممر الشمال والجنوب" الروسي الإيراني الهندي.

وقد تجلّت هذه الاستراتيجية في الحرب الأميركية الإسرائيلية الأولى على إيران في 13 حزيران/يونيو 2025، والتي استمرت 12 يوماً، وتركّزت على محاولة إسقاط النظام عبر اغتيال العلماء وقادة حرس الثورة من الصف الأول، على أمل إثارة اضطرابات تؤدّي إلى انتفاضة شعبية تسقط النظام من الداخل. كما تضمّنت أهدافاً أخرى، منها تدمير أجزاء من جسور وخطوط السكك الحديدية المتجهة نحو الصين، ومحطات ومخازن السكك الحديدية بين روسيا وإيران.

أظهرت المواجهة الأخيرة -التي لم تصل بعد إلى نهايتها- أنّ كلّاً من الصين وروسيا قد استوعبتا تماماً أبعاد وأهداف الحرب السابقة، بما في ذلك استهداف مصالحهما عبر إيران.

ومن ثمّ، بات الاستعداد للحرب الجديدة التي قد تقرّر مصيرهما وموقعهما ضرورة حتميّة، لمنع ولادة نظام دولي جديد متعدّد الأقطاب والثقافات. فتمّ سدّ الثغرات العسكرية والأمنية والتكنولوجية، مما أفشل المخطّط الأميركي الإسرائيلي الجديد القائم على إثارة "ثورة ملوّنة" يتبعها إسقاط النظام عسكرياً، ثمّ الشروع في تفكيك إيران ومن بعدها كامل منطقة غرب آسيا، وخاصة تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر.

قد تكون الحرب العسكرية المباشرة على إيران قد أُجِّلت لصالح تكثيف الحرب الاقتصادية، سعياً لإيصال الشعب الإيراني إلى مرحلة قد يقبل فيها بفكّ الارتباط عن قيادته، التي وقف معها وطنياً خلال الحرب الأولى ومقدّمات الثانية، وذلك عبر مزيد من استنزافه بالعقوبات. وهذا الأمر يحتاج إلى كسر المعادلة القائمة على الدفاع الاستباقي الذي تتبنّاه إيران. فهل يحصل ذلك؟