إيران في مواجهة العقوبات الاقتصادية.. نقاط القوة والضعف

صمود ايران في مواجهة العقوبات الأميركية الجديدة مستند إلى خبرتها في التكيف مع العقوبات ومواردها الداخلية وشبكاتها التجارية والمالية الخارجية.

0:00
  • إيران في مواجهة العقوبات الاقتصادية.. نقاط القوة والضعف
    إيران في مواجهة العقوبات الاقتصادية.. نقاط القوة والضعف

 كما كان متوقعاً، فقد لجأت الولايات المتحدة إلى سيناريو العقوبات الاقتصادية للتغطية على فشلها العسكري، ودفع طهران إلى تقديم بعض التنازلات بغية التوصل إلى مخرج مناسب يحفظ للإدارة الأميركية ماء وجهها، ويوقف هذه الحرب وتداعياتها الخطيرة على الاقتصاد العالمي.

هنا تدرك إدارة ترامب أن العقوبات الاقتصادية الجديدة لن تدفع طهران، ورغم الكلفة الكبيرة لهذه العقوبات على اقتصادها، إلى تقديم تنازلات سياسية سريعة لعدة أسباب، بعضها ذو طابع سياسي والآخر اقتصادي. ففي الأسباب السياسية تحضر عملية اغتيال المرشد وأعضاء القيادتين السياسية والعسكرية، والتي يمكن وصفها بالرصاصة التي قضت على أي فرصة لبناء الثقة بين البلدين، ولا سيما أن عملية الاغتيال جاءت في وقت كانت المفاوضات فيه لا تزال مستمرة في جنيف،  كما أن القيادة الإيرانية لن تكون مستعدة للتفريط بنتائج صمودها العسكري المذهل.

أما اقتصادياً، فإن إيران التي تخضع منذ ثورتها الإسلامية نهاية السبعينيات لعقوبات أميركية وغربية متباينة، وزادت شدتها على خلفية البرنامج النووي السلمي، عملت على تطوير آليات معلنة وغير معلنة للتكيف مع العقوبات، وسّعت الإنتاج المحلي، وطوّرت شبكات تجارية ومالية بديلة، وهذا لا يعني أن العقوبات لن يكون لها تأثيرات سلبية على الاقتصاد الإيراني، إلا أنها ليست بالحجم الذي تروّجه الإدارة الأميركية، أو الذي يدفع القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات يتمنّاها ترامب اليوم وليس غداً، أو الذي يتسبب بانهيار الاقتصاد الوطني.

التكيّف مع العقوبات

تحتفظ إيران بمجموعة من عوامل القوة، الداخلية والخارجية، المساعِدة لها على مواجهة العقوبات الاقتصادية الجديدة. تأتي في مقدمة العوامل الداخلية خبرة البلاد الطويلة في مواجهة العقوبات الغربية، والتي مكنتها على مدار السنوات الطويلة من تأسيس شبكة مؤسساتية، نجحت إلى حد بعيد في تجاوز عوائق تلك العقوبات، وبالتالي بناء قاعدة صناعية وزراعية ضخمة أمّنت الجزء الأكبر من احتياجات البلاد، وتحسين الميزان التجاري وتعزيز إيرادات البلاد. قاعدة ستساعد كثيراً على التخفيف من تأثير العقوبات الجديدة وإعاقة واشنطن عن تحقيق غاياتها.

وعلى خلاف بعض الدول التي استهدفتها الولايات المتحدة بعقوباتها الاقتصادية، فإن أحد أهم عوامل قوة الموقف الإيراني يتمثل في احتفاظ البلاد بمواردها وثرواتها الطاقية، وقدرتها على استثمارها بإمكاناتها المحلية وتوظيفها في خدمة التنمية المحلية وتأمين احتياجات السكان، فالطاقة، من حيث القدرة على إنتاجها وتوفيرها، تمثل حاملاً أساسياً للتنمية المحلية، ومواجهة الضغوط الخارجية، وبالتالي فإن البلاد لن تعاني على المدى المنظور من مشكلة عدم توفر المشتقات النفطية في سياق مساعيها للمحافظة على استمرار أداء المؤسسات العامة والخاصة بمختلف تخصصاتها وأنشطتها الاقتصادية والخدمية لمهامها وواجباتها.

وتبقى سياسات الحكومة الخاصة بتقديم الخدمات الأساسية للسكان، ومساعدتهم من خلالها على تجاوز الضغوط المعيشية، هي حجر الأساس. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إيران تمتلك برامج عدة لدعم أسعار السلع والخدمات لتكون في متناول جميع الأسر، فضلاً عن مشروعاتها لمواجهة الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم والبطالة، إلا أن هذه البرامج والمشروعات تحتاج إلى إعادة هيكلة وتوسيع لتكون مواكبة للظروف والتحديات الجديدة التي ستفرضها مرحلة العقوبات الجديدة، والتي تقوم على معطى أساس هو المسّ بمعيشة السكان وتحريضهم على دولتهم ومؤسساتها.

الزمن والحدود البرية

في الحديث عن البعد الخارجي في مواجهة العقوبات، هناك ثلاثة عوامل أساسية يمكنها أن تعزز من قدرة طهران على الصمود: أولها الأهمية الاستراتيجية التي أظهرتها الحرب الحالية لمضيق هرمز، وهو ما يرجّح فعلياً فرضية العمر القصير للعقوبات الاقتصادية الأميركية، إذ طالما بقيت هذه العقوبات، فإن طهران ستحرص على بقاء المضيق مغلقاً أيضاً، أو على الأقل ستبقى حركة الملاحة عبره تواجه مخاطر مرتفعة جداً.

وثمة توقعات أن تلعب طهران على ورقة الزمن، والتي هي في غير صالح إدارة ترامب بفعل اقتراب موعد الانتخابات النصفية أو الشكوى الشعبية من ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وما تسبّبه من موجات تضخم، أو حتى كلفة محاصرة الموانئ الإيرانية.

العامل الثاني يكمن في تركيبة التجارة الخارجية الإيرانية، والتي اعتمدت طيلة سنوات الحصار السابقة على حلفاء الشرق، ولا سيما لجهة الصادرات النفطية والبتروكيماوية وغيرها. حيث استحوذت الصين على الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيراني رغم العقوبات الأميركية والغربية، التي فُرضت منذ نهاية التسعينيات وتصاعدت أكثر في العقد الأول من الألفية الحالية. وحتى لو اضطرت الصين إلى تخفيض حجم مستورداتها من إيران، إلا أن تلك المستوردات ستبقى قريبة من مستوى مساعد لطهران لأن في ذلك مصلحة للطرفين، فالصين ستكون قادرة على تأمين جزء من احتياجاتها بأسعار منافسة، وبعيداً عن تحكم الشركات الأميركية، وإيران التي ستتمكن من تصريف بعض إنتاجها وتعزيز إيراداتها أو مبادلة تلك الصادرات بما تحتاجه من تجهيزات وقطع تبديل وغيرها.

أما العامل الثالث فهو في الحدود البرية الواسعة للجمهورية الإسلامية مع سبع دول، هي: العراق، تركيا، باكستان، أفغانستان، تركمانستان، أرمينيا، أذربيجان. الأمر الذي يجعل من فكرة حصار إيران تبدو صعبة للغاية رغم الضغوط الأميركية التي تمارَس على حكومات بعض الدول. لا بل إن هذه الحدود الواسعة قد تقدّم عوناً لطهران في مساعيها لتجاوز أثر العقوبات وتعزيز علاقاتها التجارية الخارجية.

حجم الثمن

لكن في المقابل، على طهران ألا تستهين بخطورة العقوبات الاقتصادية الجديدة وتأثيراتها، إذ ليست هناك عقوبات من دون عواقب، سواء كانت تلك العواقب محدودة أم واسعة. ولعل أولى العواقب المحتملة في الحالة الإيرانية تكمن في زيادة الضغوط التضخمية وتأثيراتها المباشرة على الأوضاع المعيشية للسكان وتراجع القوة الشرائية للدخول، فضلاً عن إمكانية تراجع إيرادات البلاد من جراء انخفاض الصادرات والاضطرار إلى اتّباع سياسة الخصم لبيع المنتجات والسلع، ولا سيما النفطية منها، وأثر ذلك على خطة تنفيذ المشاريع التنموية وعمليات إعادة تأهيل وإصلاح ما دمرته الحرب، والتي تشير التقديرات إلى أنها تسببت بخسائر لإيران تجاوزت 300 مليار دولار.

إن صمود إيران في مواجهة العقوبات الاقتصادية الأميركية لا يعني أنه سيكون بلا ثمن، إلا أن حجم هذا الثمن سيبقى مرهوناً بقدرة طهران على تخفيف تأثيرات العقوبات على معيشة السكان، وكذلك بقدرتها على التحايل على العقوبات والمحافظة على مستوى مقبول من صادراتها السلعية وما تحتاجه من مستوردات.