إيران إن صمدت... خاتمة الحروب لا "أم المعارك"
إيران تخوض هذه الحرب، باستراتيجية متعدّدة الطبقات، تهدف بدورها لرفع الكلف والفواتير على الفريق الآخر، ولكن من مداخل وبأدوات مختلفة.
-
الاقتصاد السياسي للحرب، ورقة تعمل لصالح إيران.
لم تختر إيران الحرب، بل فرضت عليها، تلكم حقيقة تجهد إدارة ترامب للنيل منها، وتحاول استبدالها بسردية "الحرب الاستباقية"، بمعنى أنّ واشنطن أعلنت الحرب على إيران، لعلمها المسبق بأنّ طهران كانت تنوي المبادرة إلى ضرب "أصولها" وحلفائها في الإقليم... التقارير التي تتكشّف تباعاً، تظهر بما لا يدع مجالاً للشكّ، بأنّ نتنياهو نجح في "جرجرة" ترامب إلى حرب "غير ضرورية" بحسابات المصالح والرؤى الأميركية...
تلكم مقدّمة يتعيّن أن تبقى حاضرة في خلفيّة أيّ تحليل للتصعيد الأخطر الذي تشهده المنطقة، أقلّه لتفادي الخلط بين "المقدّمات" و"النتائج"، وعدم الغرق في تداعيات الحرب وتطوّراتها، بمعزل عن المتسبّب فيها.
واشنطن بخاصة، و"تل أبيب" بدرجة أقل، كانت تريدها حرباً خاطفة، تمتدّ لبضعة أيام، لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة... "تل أبيب" كانت أكثر استعداداً لحرب تطول لأسابيع وليس لأيام... الأولى، كانت ترغب في رؤية الرايات البيضاء ترتفع فوق المباني الحكومية في طهران، وأظهرت ميلاً للقبول بتغيير سياسات النظام، وليس تغيير النظام نفسه، وفي أحسن الأحوال، كانت تريد للتغيير أن يأتي من داخل النظام، وليس على أنقاضه، سعياً لتجنّب الانزلاق في أتون سيناريو الفوضى والحروب والنزاعات المتناسلة عن سقوط النظام أو إسقاطه، بصورة فوضوية وغير منظّمة.
"تل أبيب" بالمقابل، لا تبالي بانزلاق إيران إلى الفوضى والتقسيم، بل ربما تجد في تطورٍ كهذا، خدمة أعمق لمصالح وحسابات نظريتها لـ"الأمن القومي" القائمة على تفتيت المنطقة، وإعادة رسم حدودها وخرائطها، وفقاً لحدود الطوائف وخرائط الأقوام والمذاهب... هذا لا يشمل إيران وحدها، بل يمتدّ لدول المشرق والهلال كافة الذي كان خصيباً ذات يوم... هدف كهذا، يستحق من وجهة النظر الإسرائيلية، خوض غمار حرب ممتدة لأسابيع وأشهر، ولم لا طالما أنّ واشنطن تقف على أهبة الاستعداد لنجدة "إسرائيل" واستباقها لميادين القتال والمعارك.
الحرب حتى الآن
بدأت الحرب بلا مفاجآت ولا مكاسب استراتيجية حاسمة، صحيح أنّ "العدوان الثنائي" نجح في قطع رأس النظام وإصابة بضع عشرات من قادته العسكريين والأمنيين، وهذا مكسب تكتيكي، لا يمكن إنكاره، ولكن بلا قيمة استراتيجية، طالما أنّ النظام ظلّ متماسكاً، ونجح في ملء فراغات عديدة، وهو في طريقه لتجديد قيادته، والأهم، طالما أنّ أذرعه العسكرية والأمنية كانت قادرة على توجيه ضربات واسعة النطاق، في زمن قياسي لا يتخطّى الساعة الواحدة...
النجاحات التي تبجّح بها نتنياهو وترامب في اليوم الأول، لم تكتمل ولم تتوّج لا بقبول "صكّ الإذعان" ولا بانهيار النظام، فيما عامل الوقت، وبخلاف ما يقال في "تل أبيب" وواشنطن، يعمل كسلاح ذي حدّين، لا يمسّ قدرات إيران وحدها على الصمود والقتال، بل يمسّ قدرة الحليفين، وبالذات الرئيس "النزق" على الاستمرار في خوض غمار حرب طويلة، تزداد كلفها يوماً بعد يوم... إيران تخوض اليوم ما تعتقده "خاتمة الحروب" لا "أمّ المعارك"، والمنازلة اليوم، فاصلة في تاريخ الإقليم، وليس في التاريخ الإيراني وحده.
أغلب التقديرات باتت تذهب الآن للقول بأننا لسنا بإزاء حرب لأيام معدودات، بل لأسابيع قد تمتد لأشهر كذلك، وهذا ما سمعناه على لسان ترامب في معرض نفيه لحالة ضجر وإحباط إصابته من جرّاء تعذّر الحصول على مُراده، وهذا ما بدأ يتسلل إلى خطاب نتنياهو وأركان حكومته كذلك... وهذا ما تقوله إيران من جانبها، مشفوعاً بتأكيدات على لسان علي لاريجاني بأنها استعدت لحرب طويلة الأمد.
ثمّة من يعتقد أنّ إطالة أمد الحرب، لا تعمل لصالح إيران، وهذا صحيح إلى حدّ ما، سيما وأنّ واشنطن و"تل أبيب" تعملان على رفع كلفة استمرارها على إيران، وإضعاف طاقتها على الصبر والتحمّل... لكنّ الصحيح كذلك أنّ إيران تخوض هذه الحرب، باستراتيجية متعدّدة الطبقات، تهدف بدورها لرفع الكلف والفواتير على الفريق الآخر، ولكن من مداخل وبأدوات مختلفة.
قبل أن تندلع الحرب، كانت طهران تحذّر من أنها لن تبقى في حدود الجغرافيا الإيرانية، وأنها سرعان ما ستتحوّل إلى إقليمية، وذلكم ركن ركين في العقيدة الأمنية الإيرانية منذ سنوات طوال... إيران نجحت إلى حدّ كبير، في نقل الحرب وشراراتها وشظاياها إلى أكثر من ثماني دول في الإقليم، وثمّة في الأفق ما يشي بفتح جبهات أخرى، غير الجبهة اللبنانية التي اشتعلت على نحو غير مسبوق، ينذر بتحوّلات غير مسبوقة، لا يُستبعد معها، سيناريو الاحتلال والحرب البرية واسعة النطاق، كما أنّ جبهة البحر الأحمر وباب المندب، تبدو على "صفيح ساخن" بانتظار شارة البدء.
إيران لطالما أعلنت بأنّ غيرها لن يتمكّن من تصدير نفطه وغازه، إن لم تتمكّن هي من تصدير نفطها وغازها، وهذا ما تفعله اليوم، ليس باستهداف منشآت النفط والغاز الخليجية فحسب، بل وبإغلاق مضيق هرمز عملياً، وإن لم تعلن عن إغلاقه رسمياً، لأسباب معروفة، وعلينا أن ننتظر مصير مضيق باب المندب، في حال دخول اليمن، على خط "الإسناد"، لإيران هذه المرة، وليس لغزة.
"الاقتصاد السياسي" للحرب، ورقة تعمل لصالح إيران، إلى الآن على الأقل، وتراهن طهران على أنّ أصدقاء واشنطن وحلفاءها، عرباً وأوروبيين وغيرهم، سوف يتدخّلون لثني واشنطن عن المضي في حربها على إيران، إن لم يكن بدوافع أمنية كما الحال بالنسبة لعدد من الدول العربية، فاقتصادياً كما هو حال أوروبا، ودول آسيوية عديدة، وصولاً إلى الصين، المتضرّر الأكبر من اهتزازات سوق الطاقة.
ترامب ونتنياهو عوّلا كثيراً، كما اتضح في كلماتهما "الافتتاحية" المسجّلة لهذه الحرب، على "انتفاضة" الشارع والمعارضة الإيرانيين، ضد نظام الحكم القائم، وهما ما انفكا يوجّهان الرسالة تلو الأخرى عن "اللحظة النادرة" التي يتعيّن على الشعب الإيراني التقاطها، والتحرّك لاغتنامها...
ترامب المفصوم والمنفصل عن الواقع، رأى بضع عشرات يحتفون باغتيال المرشد، وغابت عنه صور ملايين الإيرانيين في شوارع المدن الكبرى والصغرى، يتظاهرون ضد العدوان وذوداً عن بلادهم ونظامهم وغضباً لاغتيال قائدهم... يبدو أنّ "الاتصال الهاتفي" الذي انتظره ترامب طويلاً، لم يحدث، والأرجح أنه سيتعيّن عليه الانتظار لوقت أطول، برغم كذبه الصراح، بأنّ القيادة الإيرانية الجديدة، تتصل به، وتريد التحدّث معه، وهو قابل بذلك، إلى حين تحديد موعد لاحق(؟!).
العرب والإيرانيون...ماذا بعد؟
قبل الحرب، كنا نتابع بكثير من الاهتمام والارتياح، الاتجاهات الإيجابية التي طرأت على العلاقات العربية – الإيرانية، منذ إعلان بكين، وحتى قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران... دول عربية، خليجية أساساً، كانت بدأت تعيد النظر في موقع "إسرائيل"، من "حليف محتمل" إلى "تهديد قائم"، سيما بعد العدوان الإسرائيلي على الدوحة لاستهداف قادة حماس، ورأينا سعياً عربياً حثيثاً، قادته على نحو خاصّ سلطنة عمان، وأدّت كلّ من مصر وقطر، أدواراً بارزة في السعي لدرء سيناريو الحرب، الأمر الذي شجّعنا لإطلاق دعوة لإنشاء منظومة إقليمية للأمن والتعاون، تضم دولاً عربية وازنة، فضلاً عن كلّ من تركيا وإيران.
الأمر اليوم، بدأ يتغيّر، سيما بعد أن طاولت الضربات الإيرانية مواقع ومرافق حساسة في قلب دول الخليج، وليس القواعد الأميركية المعروفة وحدها، وبالرغم من التوضيحات الإيرانية لقادة هذه الدول، بأنّ طهران لا تستهدفهم مباشرة، وإنما تستهدف "الأصول" الأميركية المنتشرة على أراضيهم وفي مياههم، إلا أنّ الضربات الإيرانية خلّفت نُدباً غائرة في جدار المواقف العربية الرسمية، تنزّلت في بعض الأحيان، إلى المستويات الشعبية.
وكان واضحاً أنّ كلّ صاروخ إيراني أو مسيّرة، تضرب "إسرائيل"، تثير ارتياحاً شعبياً عربياً، وتكسب طهران مزيداً من التقدير والاحترام في العالمين العربي والإسلامي، في حين أنّ كلّ استهداف لدولة عربية، بصرف النظر عن طبيعة الهدف، ومبرّرات الاستهداف، كان يثير انقساماً في أوساط الرأي العامّ العربي، ويعيد إحياء حملات الشيطنة وإثارة النعرات المذهبية والقومية، وتوظيفها من قبل جهات عربية ودولية، لا مصلحة لها في أيّ تقارب عربي إيراني...
للمراقب "المحايد"، يبدو ضرب أهداف أميركية على الأرض العربية، ممراً إجبارياً لطهران، لا تمتلك بدائل عنه، في حين يصعب على الدول ذات الصلة، ابتلاع استهدافاتها، أقلّه من باب حفظ ماء الوجه، ليبقى سؤال السنوات اللاحقة قائماً: ما حاجة هذه الدول للقواعد الأميركية، طالما أنها لا تحمي ولا تردع، وطالما أنها مكرّسة لتوفير شبكة أمان لـ "إسرائيل" وحدها، وطالما أنها أخذت تتحوّل من ذخر لـ "نظرية الأمن القومي" إلى عبء عليها؟
بصرف النظر عن حاجة إيران للقيام بهذه الأعمال، أو المبالغات في بعض ردود الأفعال العربية، الرسمية بخاصة، فإنّ مهمة استعادة الثقة واستئناف مسار المصالحة والتعاون، بعد انتهاء هذه الحرب، ستكون مهمة صعبة للغاية، وربما تحتاج لجهود مكثّفة ومبادرات خلّاقة ومبتكرة.
وقد تسمح هذه الفجوة، حال اتساعها، لنتنياهو بإعادة النظر في تشكيل "محوره سداسي الأضلاع"، وتوسيعه، أو اقتراح توسيعه، ليضمّ دولاً عربية إضافية، من خارج النادي الإبراهيمي، وهذا ما يتعيّن تفاديه بكلّ السبل، ومنع حدوثه تحت أيّ ظرف، فالذاكرة العربية، ما زالت مزدحمة، بالصور الطازجة لجرائم الفاشيين الجدد في "تل أبيب"، سواء في غزة والضفة، أم في لبنان وسوريا واليمن، والآن في إيران.
لقد قارف بعض الرسميين العرب، خطأ فادحاً عندما قبلوا أن تكون الولايات المتحدة من ضمن الموقّعين على بيان شجب وإدانة العمليات الإيرانية في دولهم... كان لهم أن يفعلوا ذلك لوحدهم إن كان لا بدّ من تحرّك كهذا، لكنّ الزج بالولايات المتحدة، وهي من افتعل الحرب وتسبّب بكلّ تداعياتها، أمر ينطوي على ميل لتبرئة الجاني المتغطرس، اللاهث وراء موارد المنطقة وحقوق ومصالح شعوبها، وهو يشفّ عن استعداد كامن، ربما لتبرئة الجاني الثاني، الإسرائيلي، الذي ما زال غارقاً في دماء الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين.
وأياً يكن من أمر، فإنّ الحرب ما زالت بعيدة عن خط نهايتها، وهي مرشحة للتناسل إلى حروب ونزاعات فرعية أخرى، ودخول أطراف جديدة على خطوطها، وتعدّد ساحاتها وميادينها، من القتال بالطائرات والصواريخ، إلى المنازلة في سوق الطاقة، مروراً بحروب الصورة والسرديات وما تبقّى من القانون الدولي.