إعادة التموضع الأميركي في مواجهة إيران.. عندما تفشل الحرب في رسم الاستراتيجية
بعد فشلها في إخضاع إيران عسكرياً، انتقلت الولايات المتحدة إلى استراتيجية تصعيد محسوب تهدف إلى قضم مكاسب طهران وإضعاف معادلات الردع الجديدة التي كرّستها الحرب ومذكرة التفاهم.
-
إعادة التموضع الأميركي في مواجهة إيران.. عندما تفشل الحرب في رسم الاستراتيجية
لم يعد من الواقعي قراءة الموقف الأميركي من مذكرة التفاهم التي وقّعها الرئيسان الأميركي والإيراني بطريقة توحي بأن الإدارة الأميركية متمسكة بتنفيذ مندرجاتها. فمجمل المؤشرات السياسية والعسكرية، إلى جانب التقديرات التي قدمها عدد من المحللين الغربيين والأميركيين، يوحي بأن المسار الأميركي في إدارة الأزمة مع الجمهورية الإسلامية شهد تحولاً جوهرياً.
إذ انتقل هذا المسار من محاولة فرض معادلات الردع بالقوة، وصولاً إلى محاولة إسقاط النظام حداً أقصى، إلى السعي لإدارة توازنات جديدة فرضتها نتائج المواجهة الأخيرة. ويستند هذا التحول، وفق هذه القراءة، إلى ما اعتبرته الجمهورية الإسلامية نجاحاً في الصمود العسكري والسياسي، وإلى قدرتها على تكريس معادلات ردع جديدة في أكثر من ساحة، ولا سيما في مضيق هرمز ولبنان.
تحوّل في المقاربة الأميركية
وانطلاقاً مما تقدم، بات من الصعب تفسير التصعيد الأميركي الذي برز خلال الأيام الأخيرة، ولا سيما ما تزامن منه مع تشييع سماحة الولي الفقيه، باعتباره مجرد مناوشات محسوبة تهدف فقط إلى ممارسة ضغوط تكتيكية تخدم المسار التفاوضي المتعثر أصلاً.
فالواضح أن هذا السلوك يبدو، في جوهره، أقرب إلى إعادة تموضع استراتيجي أميركي تجاه الجمهورية الإسلامية، بعدما بات واضحاً أن الولايات المتحدة فشلت في محاولتها تسييل العدوان في ساحة التنافس الجيوستراتيجي الإقليمي، ووقعت أسيرة مذكرة التفاهم التي أظهرت تحولاً عميقاً في موقع الجمهورية الإسلامية ودورها في المنطقة.
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب العلاقة مع الجمهورية الإسلامية إلى الإطار الذي حكمها خلال ولايته الأولى. فقد تراجع مجدداً عن مقاربات الاحتواء وإدارة الأزمة، وعاد إلى تبني سياسة تقوم على "الضغوط القصوى" والتهديد باستخدام القوة. وكانت إدارة ترامب قد أعادت، منذ شباط/فبراير 2025، اعتماد سياسة "الضغوط القصوى" على إيران. ويتعارض ذلك مع تقديرات استراتيجية اعتمدتها إدارات أميركية سابقة، رأت أن الجمهورية الإسلامية، على الرغم من اتساع حضورها الإقليمي، لا تمثل خطراً استراتيجياً وشيكاً على المصالح الأميركية. كما أن تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإلى جانب العديد من التقييمات الاستخبارية لم تقدم أي أدلة حاسمة على وجود أنشطة توحي بسعي إيران لامتلاك سلاح نووي.
وعلى هذا الأساس، أعادت إدارة ترامب بناء مقاربتها للملف الإيراني على أسس الوعيد والتهديد واستعراض القوة، في انسجام واضح مع الرؤية التي يتبناها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي وأجهزته الأمنية، وفي مقدمتها "الموساد"، والتي تقوم على أن احتواء إيران لم يعد كافياً، وأن الخيار الأمثل يتمثل في فرض استسلام النظام أو الدفع نحو إسقاطه بالقوة العسكرية، مهما بلغت الكلفة السياسية والأمنية المترتبة على ذلك.
من إسقاط النظام إلى احتواء نتائج الحرب
وإذا كان العدوان الأخير على الجمهورية الإسلامية قد فشل في تحقيق هذا الهدف، أي إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى الاستسلام، فإن هذا الفشل لم يكن كافياً لتعديل سلوك الولايات المتحدة في الإقليم، وإنما تحول إلى دافع يستهدف إعادة صياغة البيئة الاستراتيجية التي أفرزتها نتائج العدوان.
فالهدف الأميركي لم يعد يقتصر على فرض قيود على البرنامج النووي، أو انتزاع تنازلات تفاوضية محددة، وإنما أصبح معنياً أيضاً بإعادة إنتاج قدرات إقليمية تعيد إلى القوة الأميركية قدرتها على المبادرة، وتحد، في الوقت نفسه، من قدرة إيران على توظيف عناصر قوتها وما كسبته في المعركة الأخيرة نتيجة صمودها، لإنتاج تأثير جيوسياسي مستدام.
ووفق الرؤية الإيرانية، أدى فشل العدوان الأميركي- الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية إلى تحولات عميقة في معادلات الردع، إذ باتت الخيارات الأميركية محدودة ومقيدة، ولم يعد من الممكن التعامل مع الولايات المتحدة على أنها ضامن رئيسي للأمن الإقليمي.
وإذا عدنا إلى بنود مذكرة التفاهم بين الطرفين، فإن الترجمة السياسية لما ورد فيها تعكس إصراراً إيرانياً على تثبيت هذه الرؤية. وقد نصّت المذكرة على وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، وعلى فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية خلال مرحلة انتقالية تمتد 60 يوماً، تمهيداً للتفاوض على اتفاق نهائي.
وبالتالي، يمكن القول إن ما فرضته الجمهورية الإسلامية في مرحلتي الحرب والتفاوض عدّل طبيعة الرؤية الأميركية إليها. فالبرنامج النووي لم يعد يشكل التهديد المركزي الوحيد، وإنما تحول إلى عنصر ضمن منظومة القوة الشاملة التي راكمتها الجمهورية الإسلامية وحلفاؤها خلال العقود الماضية، كالمنظومة الصاروخية، والطائرات المسيّرة، وتشبيك الجبهات بين حلفائها الإقليميين، بالإضافة إلى قدراتها المستجدة في التأثير في الممرات البحرية الحيوية، بعدما كانت قد حيّدتها لعقود مضت.
صراع على تثبيت نتائج الحرب
استناداً إلى ما تقدم، تتمحور جهود الطرفين في هذه المرحلة حول كيفية تثبيت نتائج الحرب، بما يعني تكريس نمط جديد من الصراع قد لا يستوجب العودة إلى الحرب الشاملة مرة أخرى، مع الإشارة إلى ضرورة عدم إهمال هذا الخيار.
فإذا كانت الولايات المتحدة تستهدف إعادة إنتاج أدوات الاحتواء والضغط، من خلال الاعتداءات المتواصلة على الجمهورية الإسلامية، وشد أواصر تحالفها مع دول الخليج، والضغط على عُمان لعدم التنسيق مع الجمهورية الإسلامية في ما يتعلق بإجراءات العبور في مضيق هرمز، من دون أن ننسى الدعم والتشجيع اللذين تلقتهما المملكة العربية السعودية في مواجهة حركة أنصار الله، فإن الجمهورية الإسلامية لا تألو جهداً في محاولة تثبيت معادلات الردع الجديدة وتوسيع هوامش تأثيرها.
ويجري ذلك من خلال إظهار قدراتها في مضيق هرمز، وإعادة الاعتبار إلى وحدة الساحات، بالإضافة إلى إدارة المعركة مع الولايات المتحدة وفق استراتيجية تعتمد على إظهار العجز الأميركي عن تحقيق الأهداف، وإغراق الولايات المتحدة في مستنقع حرب طويلة تترك تأثيراً واضحاً في صورة الإدارة الأميركية أمام الداخل.
ويتزامن ذلك مع تأثيرات الحرب في الأسواق العالمية، إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة معدلات التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي. وقد أدت عودة التصعيد وإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتجدد المخاوف على حركة التجارة العالمية.
التصعيد المضبوط بديلاً من الحرب الشاملة
وعليه، يمكن توصيف السلوك الأميركي العدواني بأنه محاولة لتفادي التعايش القسري مع صراع باتت الولايات المتحدة تدرك حدود قوتها ومدى تأثيرها في مساراته.
فالحرب الشاملة أثبتت فشلها في إخضاع إيران، فيما سيكرس الاتفاق المستند إلى مذكرة التفاهم تآكلاً في موقع الولايات المتحدة وقدراتها الردعية. وبالتالي، يصبح اللجوء إلى التصعيد المضبوط والممنهج، والمُعرَّف أميركياً بأنه يستهدف ضمان حرية الملاحة، السبيل المتاح للإدارة الأميركية في محاولتها تغيير الواقع الحالي. وقد استؤنف القتال بعد الخلاف بشأن إدارة الملاحة في مضيق هرمز والمسارات التي تسلكها السفن التجارية، فيما تبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك مذكرة التفاهم.
وبذلك، ستكون محاولة ضرب الخصم بالنقاط وقضم إنجازاته عنوان استراتيجية الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة، في ما يمكن تعريفه بأنه محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 28 شباط/فبراير، تاريخ غرق ترامب في شباك مصالح نتنياهو.