إسبانيا واليهود.. قصة عمرها 534 عاماً!

التعاطف مع إسبانيا ولامين يامال تحوّل بعد فوزها على الأرجنتين إلى تعبير رياضي وسياسي عن اتساع التأييد العالمي لفلسطين، في ظل مواقف مدريد المنتقدة للعدوان الإسرائيلي.

0:00
  • إسبانيا واليهود.. قصة عمرها 534 عاماً!
    إسبانيا واليهود.. قصة عمرها 534 عاماً!

شهد نهائي كأس العالم بين المنتخبين الإسباني والأرجنتيني موجةً واسعةً من التفاعل والتعاطف مع المنتخب الإسباني، في مقابل تأييد أوساطٍ سياسيةٍ إسرائيلية للرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي عبّر مراراً عن تأييده للصهيونية واصطفافه الكامل إلى جانب حكومة بنيامين نتنياهو.

ولم يمنع ذلك نجم المنتخب الأرجنتيني ليونيل ميسي من زيارة الكيان الإسرائيلي في مناسباتٍ سابقة، والوقوف أمام حائط البراق، في مشهدٍ حظي باهتمامٍ إعلامي وسياسي واسع.

وفي موازاة ذلك، تتزايد التساؤلات بشأن نفوذ اللوبيات السياسية والاقتصادية في المؤسسات الرياضية الدولية، ولا سيما في ظل علاقة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، جياني إنفانتينو، بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، والانتقادات التي طالت أداء التحكيم في عددٍ من المباريات التي خاضتها منتخباتٌ عربيةٌ وإسلامية.

لامين يامال وفلسطين

أما أسباب التعاطف الواسع مع المنتخب الإسباني ونجمه المغربي الأصل لامين يامال، فتتجاوز الأداء الرياضي وحده. فقد تداول الجمهور صور يامال وهو يحمل العلم الفلسطيني خلال احتفالات نادي برشلونة بلقب الدوري الإسباني عام 2026، إلى جانب قصصٍ تتعلق بأصوله العائلية وانتمائه المغربي، ولا سيما ارتباطه بجدته المغربية المسلمة.

ولم يكن انتماؤه المغربي وتضامنه مع الشعب الفلسطيني السببين الوحيدين في الغضب الذي أثارته مواقفه لدى بعض الأوساط الإسرائيلية والصهيونية، بل جاء ذلك في سياق موقفٍ إسباني سياسي وشعبي أوسع من حرب الإبادة على غزة.

فقد تحدى رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ضغوطاً أوروبية وأميركية، وأعلن تضامنه مع الشعب الفلسطيني، كما استنكر المجازر الإسرائيلية في غزة، وانتقد الاعتداءات على لبنان وإيران.

سانشيز والملفات القضائية

في المقابل، واجه سانشيز وحكومته ضغوطاً سياسية وإعلامية شديدة، بالتزامن مع فتح ملفاتٍ قضائية مرتبطة بزوجته وعددٍ من المقربين منه.

لكن لا يمكن الجزم بأن هذه التحقيقات جاءت بتوجيهٍ إسرائيلي أو أن هدفها المباشر إسقاط حكومة سانشيز بسبب موقفها من فلسطين، من دون أدلةٍ موثقة تثبت هذا الارتباط.

ومع ذلك، لا يمكن فصل الهجمات السياسية والإعلامية على الحكومة الإسبانية عن حالة التوتر المتصاعدة بينها وبين حكومة نتنياهو، ولا سيما بعد المواقف الإسبانية المؤيدة للحقوق الفلسطينية والمنتقدة للعدوان الإسرائيلي.

إسبانيا والذاكرة التاريخية

يعيد هذا المشهد إلى الواجهة التاريخ المعقد لإسبانيا وعلاقتها بالمسلمين واليهود. فقد دام الوجود العربي والإسلامي في الأندلس قروناً طويلة، وعاش المسلمون واليهود والمسيحيون خلال مراحل مختلفة ضمن مجتمعٍ تعددي، على الرغم من التقلبات السياسية والصراعات التي شهدتها البلاد.

وبعد سقوط غرناطة عام 1492، بدأت السلطات الإسبانية مرحلةً من الاضطهاد الديني، شملت إجبار المسلمين واليهود على التنصر أو مغادرة البلاد، وتعرضت المجموعتان لعمليات تهجيرٍ وملاحقة واسعة.

واستقبلت الدولة العثمانية أعداداً كبيرةً من اليهود المطرودين من إسبانيا، وجرى توطينهم في عددٍ من المدن العثمانية، من بينها سالونيك وإسطنبول وإزمير وأدرنة، إضافةً إلى مدنٍ أخرى في المشرق.

غير أن استثمار هذه الوقائع التاريخية في تحميل اليهود، بوصفهم جماعةً دينية، مسؤولية تفكك الدولة العثمانية أو المؤامرات اللاحقة عليها ليس دقيقاً؛ فالمسؤوليات السياسية ترتبط بحركاتٍ وتنظيمات وقوى محددة، ولا يجوز إسقاطها على جماعةٍ دينية كاملة.

المغرب والتطبيع مع الكيان الإسرائيلي

أما انتماء لامين يامال إلى أصولٍ مغربية، فقد عزز تعاطف قطاعاتٍ واسعة من الجمهور المغربي والعربي معه، على الرغم من العلاقات التي أقامتها السلطات المغربية مع الكيان الإسرائيلي.

ويواجه مسار التطبيع المغربي - الإسرائيلي انتقاداتٍ شعبية واسعة، في ظل اتهاماتٍ للكيان الإسرائيلي باستغلال علاقاته مع المغرب لتعزيز حضوره الأمني والعسكري في شمالي أفريقيا، ولا سيما في سياق الصراع مع الجزائر والتحولات الجارية في منطقة الساحل.

وفي الوقت نفسه، تواصل قطاعاتٌ واسعة من الشعب المغربي التعبير عن تضامنها مع فلسطين ورفضها العدوان الإسرائيلي، بما يكشف الفجوة بين الموقف الشعبي والسياسات الرسمية.

الرياضة بوصفها مساحة سياسية

لم يعد ممكناً فصل الرياضة بصورةٍ كاملة عن السياسة، ولا سيما حين تتحوّل الملاعب والبطولات إلى مساحاتٍ للتعبير عن الهوية والمواقف الأخلاقية والوطنية.

وقد أصبح لامين يامال، بالنسبة إلى كثيرين، رمزاً لجيلٍ جديد يجمع بين النجاح الرياضي والانتماء إلى جذورٍ مهاجرة، وبين تمثيل إسبانيا والتعبير عن التضامن مع فلسطين.

وهذا ما منح المنتخب الإسباني تعاطفاً تجاوز حدود الأداء الكروي، وربط انتصاره لدى قطاعاتٍ من الجمهور العالمي بمواقف إسبانيا السياسية والشعبية المناصرة للفلسطينيين.

كما أعاد اسمه، لدى بعض الجمهور العربي، ذكريات الزعيم العربي جمال عبد الناصر، الذي ارتبط اسمه بمناهضة الاستعمار والإمبريالية والصهيونية ودعم حركات التحرر.

وقد أثبتت المواقف الشعبية المصاحبة للمباراة أن التضامن مع فلسطين لم يعد محصوراً في المجال السياسي، بل بات حاضراً في الثقافة والفن والرياضة والحياة اليومية.

ومع اتساع الغضب العالمي من جرائم الاحتلال، يصبح دعم الرياضيين والشخصيات العامة لفلسطين جزءاً من معركة الوعي والرواية، في مواجهة محاولات عزل الشعب الفلسطيني وتشويه قضيته.

فالرياضة، مهما حاولت المؤسسات الدولية تقديمها بوصفها مجالاً محايداً، تظل مرآةً للصراعات الكبرى ولتحولات الرأي العام العالمي، وهو ما ظهر في التعاطف مع المنتخب الإسباني ونجمه لامين يامال، الذي حمل العلم الفلسطيني وأثار بذلك غضب الأوساط الصهيونية والمتواطئين معها.