أين محمد فرج؟
أين محمد؟ هذا السؤال يتجاوز شخصه وحده، ويطرح تساؤلات أوسع عن مساحة الكلام والإعلام في لحظة سياسية معقّدة، وعن حدود ما يُقال وما يُسمح به، وأثر غياب التفسير على العائلة، ثم على الرأي العام.
-
قررت رانا أمس الإعلان عن الخبر، محمد فرج معتقل.
يوم الجمعة الماضي، كتب الزميل محمد فرج مقالاً يطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الصين سوف تتحرّك من أجل أميركا اللاتينية، أوصانا بالنشر وأخبرنا أنه سيسافر إلى الأردن لقضاء أسبوع مع العائلة، أوصيناه بالسلامة وبإحضار هدايا مناسبة بطبيعة الحال، وغادر. هذا كان آخر تواصل لنا معه.
نشر المقال بعد يومين، والزميل محمد غير موجود، لكنّ قراءته للمشهد كانت حاضرة. بعد أيام عرفنا من الزميلة رانا، زوجة محمد، أنّ محمداً موقوف، وأنهما عندما وصلا إلى مطار علياء الدولي، تمّ تفتيشهما بطريقة أدقّ مما يتطلّب التفتيش عادةً. دخلت هي إلى البلاد، لكنْ محمد لم يفعل، سألت رانا إلى أين يذهب؟ قيل لها إنه ذاهب إلى المخابرات الأردنية للتحقيق.
لم تنشر رانا الخبر فوراً، لأنّ الهدف لم يكن إثارة أيّ بلبلة أو تساؤلات، طلبت رؤية زوجها، كما آخرون، لكنّ أحداً لم يخبرها بأية تفاصيل، لم تُرفض الزيارة، ولم تُقبل كذلك، لا توجد أية معلومة سوى أنّ محمداً موقوف،تعرف أين ولكن لا تعرف لماذا، كيف صحته وكيف يعامل وهل هو بخير، لا أحد يعلم.
بمنطق الزوجة والحبيبة تعاملت رانا في الأسبوع الأول، ووضعت صفتها الإعلامية جانباً، لأنّ الهدف كان محمداً وسلامته، أخبرت إدارة قناة الميادين (التي تعمل بها هي ومحمد أيضاً) منذ اللحظة الأولى بخبر اعتقاله، آثرت المحطة أيضاً الانتظار في الأسبوع الأول بالتنسيق مع رانا والعائلة، لكنّ الرجل غير متهم بأيّ قضيةـ، وإذا كان معتقلاً سياسياً فماذا يعني الانتظار أكثر؟
قررت رانا أمس الجمعة الإعلان عن الخبر، محمد فرج معتقل.
يُعرّف محمد فرج في الإعلام اليوم أنه كاتب وباحث سياسي، وهذا دقيق، لأنّ فرج مهتم بقضايا التحرّر الوطني إلى أبعد الحدود، يغوص بتعريفها وتوثيقها وكأنّ التحرير غداً. يدرس ما حدث ويبني عليه ما سيحدث، ليس غريباً عليه، فهو عرف خبايا الحواسيب وعمل بها لسنوات، ثم دخل الإعلام من باب الهندسة.
في الأربعين من عمره، والرجل مواليد عام 1982، قرّر محمد أن يدخل الصحافة ويكون رقماً فيها، سيما أنه يرى أنّ الحياة طويلة جداً، ويجب ألّا تختصر باختصاص واحد.
يعيش السياسة كهمّ يومي، فهو مناضل منذ أيام الجامعة، ويدقّق دائماً في الاستراتيجيا ومعالمها. شغل محمد في الأردن منصب رئاسة جمعية الثقافة البديلة، وهو حاصل على بكالوريوس هندسة الحاسوب، وماجستير في إدارة تكنولوجيا المعلومات من جامعة اليرموك، وكان أيضاً في رابطة الكتّاب الأردنيين، وعضواً في المؤتمر القومي العربي.
عام 2020، انتقل فرج إلى لبنان للتفرّغ للإعلام، فكانت القراءة والكتابة شغفه ومساحته الخاصة. عمل في الميادين كمنتج ومعدّ ومقدّم برامج، وأنتج سلسلة وثائقيات "طوفان الأقصى" التي عالج فيها الطوفان كفكرة، ففرج الذي يرى أنّ التاريخ هو استخراج الأنماط والاستنتاجات، لم يعبر على الطوفان فقط من باب التوثيق، بل من خلال البناء على ما حدث، لكشف ما يمكن وما يجب أن يحدث لاحقاً.
كتب فرج في الميادين مئات المقالات الكثيفة التي تصف الحدث وتغوص فيه، وتشرح للقارئ ما الذي يجري خلف المشهد. في كتاباته، تحدّث عن مجابهة الرأسمالية، فهو يرى أنّ حالة الانحدار الأميركية واضحة، والعالم في طريقه إلى التوجّه شرقاً. كان يكتب ليعلّم ويوثّق، ويروي ويشرح.
رثا الكثير من القادة الذي رحلوا،انتصر للقضية الفلسطينية، تحدّث مراراً عن الإبادة في غزة، ناصر الطوفان، وعايش الحرب في لبنان،حارب "إسرائيل" على طريقة المثقّف الذي ينتصر لقضايا أمّته.
جمد كلّ هذا فجأة. اختفى الإعلامي الأردني محمد فرج عن المشهد العامّ، في واقعة لم تُوضح تفاصيلها بعد. لا بيان رسمياً يفسّر أسباب اعتقاله، ولا رواية مكتملة تصل إلى الرأي العامّ.
أين محمد؟ هذا السؤال يتجاوز شخصه وحده. وهو يطرح تساؤلات أوسع عن مساحة الكلام والإعلام في لحظة سياسية معقّدة، عن حدود ما يُقال وما يُسمح به، وعن أثر غياب التفسير على الرأي العامّ والمجتمع الصحافي.
من حقّ عائلة محمد وزوجته أن يعرفوا مصيره، ومن حقّنا أيضاً نحن زملاؤه أن نعرف ما تهمته، سيّما أنه لم يقل سوى رأيه، وحرية الرأي مكفولة في الدستور الأردني، وفي جميع قوانين العالم.