أين غزة من تفاهم إيران؟ وما العمل الآن؟

غزة، في عقلية الاحتلال، منطقة خاضعة لسيطرته بالأساس. وهي، تبعًا لذلك، تُعامل بوصفها منطقة «إسرائيلية» في العقلية الأميركية، بمعزل عن كل التصريحات السياسية الأميركية المنافقة التي تقول علنًا غير ذلك.

0:00
  • هل يحتمل الوضع في غزة المزيد من التأجيل؟
    هل يحتمل الوضع في غزة المزيد من التأجيل؟

يحاول هذا المقال الإجابة عن سؤالين متلازمين: هل جرى تضمين غزة في التفاهم الإيراني- الأميركي؟ وإن لم يحصل ذلك، فلماذا؟ ثم يقدّم، بناءً عليه، مقترحًا عمليًا قد يفيد في هذه المرحلة.

أما السؤال الأول، فالإجابة عنه لا تزال غير محسومة حتى اللحظة. غير أن ما رشح في الإعلام إلى الآن يوحي بأن غزة ربما لم تُذكر في بنود التفاهم بصورة خاصة، على غرار ما ورد بشأن لبنان. وإذا صحّت هذه الفرضية، فإن السؤال المشروع يصبح: لِمَ لم تُذكر غزة؟

ليس من مسؤوليتي، ولا أرى أنها مسؤولية أحد من خارج دائرة القرار الإيراني، أن يقدّم جوابًا قاطعًا عن هذا السؤال الافتراضي. فالأجدر بالإجابة عنه مسؤول إيراني يشرح، بوضوح، موقع غزة في التصور الإيراني لهذا التفاهم، إن كان لها موقع معلن أو غير معلن فيه. لكن، ما يمكن قوله من باب التحليل، وربما لن يقوله أي مسؤول إيراني صراحة لأسباب مفهومة سياسيًا، أن التوازنات بين الأطراف، كما أفرزتها الجولة الأخيرة من القتال، لا تسمح بإدراج غزة بصورة حاسمة في أي تفاهم بين الجمهورية الإسلامية وأميركا.

ذلك أن وضع غزة يختلف نوعيًا عن وضع جنوب لبنان بالنسبة إلى العدو الإسرائيلي. فغزة، في عقلية الاحتلال، منطقة خاضعة لسيطرته بالأساس، رغم انسحابه منها عام 2005. وهي، تبعًا لذلك، تُعامل بوصفها منطقة «إسرائيلية» في العقلية الأميركية، بمعزل عن كل التصريحات السياسية الأميركية المنافقة التي تقول علنًا غير ذلك.

وفوق هذا، فإن سكان غزة من الفلسطينيين، وهذا يضيف تعقيدًا إضافيًا إلى المسألة، لأن الموقف الأميركي من الفلسطيني، لا من غزة وحدها، محكوم أصلًا بمنطق الإنكار والإقصاء ونزع الحقوق.

هذه الحقائق تتطلّب توازنات من نوع مختلف كي تتمكن الجمهورية الإسلامية من فرض ملف غزة بندًا رئيسًا في أي تفاهم. ولا يقلل هذا من شأن الإنجاز والانتصار الذي حققته إيران، ولا من كون هذا الانتصار سينعكس إيجابًا على وضع غزة، وسيوسّع حتمًا هامش المناورة المتاح أمام المقاومة الفلسطينية وقدرتها التفاوضية.

لكن، حتى هذا الانتصار لا يخلق، بذاته، وضعًا يسمح بإجبار الأميركي على قبول بند صريح وحاسم بهذا المعنى في أي تفاهم حاليًا. إذ ينبغي التفريق بين الانعكاسات الاستراتيجية لما حققته جبهة المقاومة في هذه الجولة، وهي انعكاسات ستبدأ مفاعيلها بالظهور تباعًا على المديين القصير والمتوسط في مختلف جبهات المقاومة، بل في الإقليم عمومًا، وبين النتائج الفورية التي يمكن حصدها الآن، في هذه اللحظة الراهنة.

لكن، هل يحتمل الوضع في غزة المزيد من التأجيل؟ بالتأكيد لا. فسلاح التجويع، والحصار الخانق، اللذان يفرضهما الاحتلال منذ زهاء ثلاث سنوات، وتبعات الإبادة التي تعرّض لها القطاع، والوضع المعقّد الذي تعيشه فصائل المقاومة هناك، فضلًا عن الضوء الأخضر الأميركي الممنوح للعدو الإسرائيلي لاستمرار القتل والقصف اليومي، الذي لا يزال متواصلًا ولو بوتيرة أقل مما كان عليه في أوج الحرب، كل هذه عوامل ضاغطة تفاقم خطورة الوضع الإنساني في القطاع، وتشكّل ضغطًا حقيقيًا على فصائل المقاومة هناك، بما يضعها في موقف بالغ الحساسية والخطورة. إذًا، هل من مقترح عملي للاستفادة من الصمود الأسطوري الذي قدّمته غزة والغزيون، ومما حققته جبهة المقاومة في الجولة الأخيرة؟

لعل المسار العملي المتاح، لتسريع الاستفادة من التطورات الإقليمية الأخيرة في هذه اللحظة، يبدأ من الوسطاء والضامنين.

فبمعزل عن تقاعس الثلاثي القطري- المصري- التركي الواضح، وتخلّيه عن القيام بواجباته كوسيط وضامن لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي أوفت المقاومة بجميع التزاماتها فيه، في مقابل عدم وفاء العدو بأي من التزاماته بمقتضاه، فإن التطور النوعي الأخير سيلقي بظلاله على موقف أولئك الوسطاء. إذ يفتح الباب أمام فصائل المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، لممارسة الضغط على الوسطاء من أجل الاضطلاع بمسؤولياتهم في مواجهة العدو الإسرائيلي وشريكه الأميركي، على ضوء التحوّل في عموم المشهد الإقليمي. كما أن فصائل المقاومة باتت اليوم في وضع سياسي أقوى، يمكّنها من الضغط باتجاه إشراك الجمهورية الإسلامية مع الوسطاء في هذا المسار، ولو من خلف الستار.

إن هذا التصور مبني على فرضية أن غزة ليس لها موقع معلن أو غير معلن في التفاهم الإيراني- الأميركي الأخير. لكن هناك فرضية أبعد من ذلك، وهي أن هذا التفاهم سينجح في لبنان، أو أنه سيمضي قدمًا بالأصل، أو أنه سيصمد طويلًا إذا ما تم بالفعل التوقيع عليه يوم الجمعة. غير أن واقع الأمور، وطبيعة الصدام الحاصل اليوم، وهو صدام لا يقل في جوهره عن كونه صدامًا وجوديًا، لا يسمحان بمعادلة رابح- رابح. وهذا من شأنه أن يجعل احتمال صمود التفاهم طويلًا أمرًا غير مرجح، حتى لو تم تخطي عقدة لبنان، وحصل التوقيع عليه بالفعل كما بات معلنًا.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.