أهداف وآفاق التوجهات التسليحية الجديدة للجيش الكندي

يمكن اعتبار أنّ حصول كندا على المدفعية الصاروخية الدقيقة، يمثّل تغيّراً لافتاً في التوجّهات الدفاعية الكندية، ويمكن ربطه بتغيّرات مماثلة تمّ رصدها خلال السنوات الأخيرة.

  • تغير هام في العقيدة الدفاعية الكندية!
    تغيّر هامّ في العقيدة الدفاعية الكندية!

أعلنت كندا في الثاني من حزيران/يونيو 2026، عن إبرامها صفقة أوائل العام الجاري، لشراء 26 منظومة مدفعية صاروخية ذاتية الحركة من نوع "هيمارس" من الولايات المتحدة الأميركيةـ في صفقة تقدّر بنحو 1.9 مليار دولار.

لم يشر هذا الإعلان فقط إلى استمرار تمتّع كلّ من اوتاوا وواشنطن، بهامش نوعي من العلاقات بينهما - رغم بعض التجاذبات الناتجة عن ملفات خلافية رئيسية مثل ملف غرينلاند - بل أشار أيضاً إلى جانب نوعي يرتبط بحصول الجيش الكندي - للمرة الأولى في تاريخه المعاصر - على القدرة الميدانية لتوجيه ضربات صاروخية دقيقة، خاصة في ظلّ التجربة الهامة لصواريخ "هيمارس" في الميدان الأوكراني.

وتنبع أهمية هذه المنظومة، من قدراتها المثبتة ميدانياً، على الاشتباك مع أهداف على مسافات تتجاوز 70 كيلومتراً، باستخدام ذخائر قياسية موجّهة بنظام تحديد المواقع العالمي، لكن يتضاعف هذا المدى في حالة استخدام الذخائر بعيدة المدى "PrSM"، وهي الذخائر التي أوضحت كندا في إعلانها عن هذه الصفقة، أنه تمّ التعاقد عليها، حيث توفّر هذه الذخائر القدرة على الاشتباك مع أهداف على مسافات تزيد عن 300 كيلومتر، وهو مدى يتجاوز بكثير أيّ نظام مدفعية صاروخية كان يشغّله الجيش الكندي سابقاً.

المدفعية الصاروخية الدقيقة، وتغيّر هامّ في العقيدة الدفاعية الكندية

مثّل نشر منظومات "هيمارس" في أوكرانيا، منذ منتصف عام 2022، الفرصة الأمثل لإظهار امكانياتها في ظلّ صراع عسكري عالي الكثافة والانتشار، وهذه التجربة تعتبر من أهمّ الأسباب الأساسية التي أقنعت أوتاوا بأهمية هذه المنظومة، لدرجة تعاقدها على 26 منصة إطلاق، في صفقة تعتبر - عددياً - من أكبر الصفقات التي تمّت لبيع هذه المنظومات خارج الولايات المتحدة.

في جانب آخر، يمكن اعتبار أنّ حصول كندا على هذا النوع من التقنيات الهجومية، يمثّل تغيّراً لافتاً في التوجّهات الدفاعية الكندية، يمكن ربطه بتغيّرات مماثلة تمّ رصدها خلال السنوات الأخيرة، فمن الناحية النظرية، يمكن لبطارية مدفعية صاروخية من هذا النوع - في حالة تمركزها مثلاً في جنوب أونتاريو استهداف مواقع في خليج سانت لورانس والقطب الشمالي الكندي، بما في ذلك الممرات الملاحية والقدرات العسكرية المارة في هذا النطاق الهام، خاصة أنّ راجمات "هيمارس"، ستمتلك خلال المدى المنظور القدرة على استهداف القطع البحرية، ما سيمنح الجيش الكندي قدرات أكبر على الدفاع الساحلي.

على الجانب المالي، تغطي التكلفة الإجمالية لهذه الصفقة، ليس فقط منصات الإطلاق، بل كلّ ما يرتبط بهذه المنظومة وتمركزها في كندا، بما في ذلك البنية التحتية والتدريب، إلى جانب ما يرتبط بدمج المنظومة الصناعية الكندية في عملية تصنيع وتوريد هذه المنظومة، حيث تنصّ سياسة كندا للمزايا الصناعية والتكنولوجية - التي تُطبّق على جميع مشتريات الدفاع الرئيسية التي تتجاوز قيمة محدّدة - على إلزام الشركات الأجنبية التي يتمّ التعاقد معها على صفقات دفاعية - وهي شركة "لوكهيد مارتن" الأميركية في حالة هذه الصفقة - بالاستثمار في الصناعة الكندية كشرط لإبرام العقد، وذلك من خلال دمج الشركات الكندية في سلاسل التوريد، وتمويل البحث والتطوير، وهو أمر لا يُحدّد فقط كيفية عودة الفوائد الاقتصادية للمشتريات إلى الاقتصاد الكندي بدلاً من تحويلها بالكامل إلى الصناعات الأميركية، لكنه أيضاً يوفّر للشركات الكندية فرصة للاستفادة من مثل هذه الصفقات، على المستويين التقني والتسويقي.

أما على المستوى الزمني، فإنه بحسب الجدول الزمني المعلن، سيتمّ بدء تسليم أولى دفعات هذه الصفقة عام 2029، وهذا يعني أنّ الجيش الكندي سينتظر ثلاث سنوات من تاريخ الإعلان الرسمي عن هذه الصفقة، قبل وصول أولى منصات الإطلاق، وهو جدول زمني يُراعي الجداول الحالية لتصنيع منظومات "هيمارس" لصالح عدة دول تعاقدت عليها سابقاً، وكذا يراعي الوقت الكافي لإعداد البنية التحتية اللازمة لاستلام هذا النظام الجديد، حيث يجب إنشاء مسارات التدريب، وبناء مرافق الصيانة، وإنشاء مواقع لتخزين الذخائر، والأهمّ العمل على تطوير العقيدة القتالية للجيش الكندي، لاستيعاب مثل هذه المنظومة الجديدة.

الملف البحري والجوي ... تنافس دولي حول الصفقة الرئيسية

يعتبر الجانب البحري من عمليات التحديث العسكري الكندية، أحد أهمّ العناصر في منظومة الدفاع الكندية، حيث تمتلك أوتاوا أسطولين احدهما يعمل في نطاق المحيط الأطلنطي، والثاني يعمل في نطاق المحيط الهادئ.

وقد شرعت كندا في منتصف عام 2024، في برنامج هو الأكبر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لبناء أسطول جديد من المدمّرات المتطوّرة من الفئة "RIVER"، بهدف امتلاك قدرات متفوّقة على مراقبة السواحل الكندية، وكذا المشاركة في العمليات البحرية الدولية. لكن ظلّ ملف سلاح الغوّاصات، يمثّل نقطة ضعف في التسليح البحري الكندي، نظرأً لامتلاك البحرية الكندية ما مجموعه أربع غوّاصات من الفئة "فيكتوريا" دخلت أول غوّاصة منها في الخدمة عام 2000، في حين دخلت أحدثها الخدمة عام 2015، وهو ما فرض تحدّيات تتعلّق بعدم كفاية هذا العدد من الغوّاصات، للإيفاء بالمتطلّبات الدفاعية لكندا، وكذا تقادم هذه الغوّاصات.

في الوقت الحاضر، تعمل كندا على المفاضلة بين عدة عروض دولية، لشراء 12 غوّاصة جديدة، لتحلّ محلّ الغوّاصات الأربع الحالية، ضمن عدة شروط؛ أهمها القدرة على العمل لفترات طويلة تحت الجليد، وهو عامل مهم يجب أخذه في الاعتبار نظراً للأهمية العسكرية المتزايدة لمنطقة القطب الشمالي. العروض الأبرز في هذا الصدد، هي عرض شركة "هانوا أوشن" الكورية الجنوبية، وعرض مشترك بين ألمانيا والنرويج.

العرض الكوري الجنوبي يبدو هو الأقرب للتنفيذ، حيث تعرض شركة "هانوا" غوّاصات من الفئة "KSS-III"، وهي غوّاصة تعمل بالديزل والكهرباء، وتتميّز بتقنية "الدفع الهوائي المستقل" – أو ما يعرف اختصاراً بـ "AP" – إلى جانب بطاريات متطوّرة من الليثيوم، ما يسمح لها بالعمل بشكل متواصل تحت الماء لمدى يصل إلى عشرة ألاف ميل بحري.

العرض الكوري الجنوبي يتسم أيضاً بميزة نوعية، وهي امتلاك الشركة المصنّعة الإمكانيات اللازمة لتوريد أول أربع غوّاصات إلى كندا، بحلول عام 2035، مع تسليم الغوّاصات الثماني المتبقّية بمعدّل غوّاصة واحدة سنوياً، ما يعني إمكانية تسليم الأسطول الكامل المكوّن من 12 غوّاصة إلى كندا بحلول عام 2043، وهو الجدول الزمني الأسرع الذي يتوفّر حالياً أمام البحرية الكندية، ويسمح لها بإخراج الغوّاصات الأربع العاملة حالياً من الخدمة، وتوفير ما يقدّر بنحو مليار دولار من تكاليف الصيانة والدعم.

أما على المستوى الجوي، فتعمل كندا بشكل حثيث على إيجاد حلّ واقعي وفعّال للمعضلة المرتبطة بأسطولها المتقادم من مقاتلات "أف-18" الأميركية، والتي تمتلك منها نحو مئة مقاتلة، قسم كبير منها بات يحتاج إلى عمليات مكثفة للتحديث، عوضاً عن أنّ 18 مقاتلة منها كانت في الأصل مستعملة ضمن تشكيلات سلاح الجو الأسترالي.

وعلى الرغم من أنّ الحلّ الذي تمّ اتّباعه بالفعل للتعامل مع هذه المعضلة، يكمن في العقد الذي وقّعته كندا مع الولايات المتحدة الأميركية أوائل عام 2023، لشراء 88 مقاتلة شبحية من نوع "أف-35"، إلا أنّ التوترات التي طرأت مؤخّراً على العلاقات بين الجانبين، دفعت أوتاوا للبحث في إمكانية تقليل العدد الذي تمّ التعاقد عليه من هذه المقاتلات، والتعاقد على نوع آخر، وقد عرضت شركة "ساب" السويدية بالفعل توريد 60 مقاتلة من نوع "جريبين" إلى كندا، ضمن عرض كبير يتضمّن تصنيع هذه المقاتلات، وإعداد أخرى من النوع نفسه مخصصة لأوكرانيا، على الأراضي الكندية، بما يوفّر لأوتاوا فرصاً تقنية وتشغيلية كبيرة، ناهيك عن توفير ألاف فرص العمل للمهندسين والفنيين الكنديين.

مخاوف من "الغزو الروسي" تؤطر المقاربة الدفاعية لأوتاوا

لعلّ من أهمّ النقاط الاستراتيجية المرتبطة بالتوجّهات الدفاعية الحالية لكندا، ما بات واضحاً أنه "تقييم مستمر" من جانب الجيش الكندي، لأفضل السبل للتعامل مع غزو روسي "مُحتمل"، وهذا كان واضحاً بشكل أكبر من خلال إعلان ممثّلي الجيش الكندي، خلال مشاركتهم في مؤتمر المركبات المدرّعة الدولي الذي نظّمته مؤسسة Defense IQ في إنكلترا في كانون الثاني/يناير الماضي، عن بدء الجيش الكندي في عمليات تحديث واسعة لقوته المدرّعة، بما يشمل شراء أكثر من 250 مركبة قتالية مدرّعة جديدة، إضافة إلى تحديث دبابات القتال الرئيسية من نوع "ليوبارد-2" الموجودة في التسليح الكندي.

خطة التحديث الواسعة في التشكيلات المدرّعة الكندية، ليست في حدّ ذاتها جديدة، فقد سبق وقام الجيش الكندي منذ عدّة سنوات، بإعداد خطة شاملة في هذا الصدد، لكنها كانت تقتضي البدء في إدخال المركبات المدرّعة الجديدة إلى الخدمة القتالية، بحلول عام 2033، لكن بات واضحاً من خلال التصريحات السالف الإشارة إليها، أنه تمّ تبكير هذه العملية، لتصبح جاهزة ما بين عامي 2029 و2031، وتستهدف بشكل أساسي تسليح وحدات المشاة الميكانيكية في الجيش الكندي، بما في ذلك وحدتان تمّ استحداثهما لعمليات الإخلاء الطبي الميداني.

بموجب هذه الخطة، تتمّ حالياً المفاضلة بين مركبات مدرّعة ألمانية وسويدية وكورية جنوبية، بهدف شراء مركبات ذات مستوى عالٍ من القدرة على الحركة التكتيكية، إضافة إلى حماية معيارية من المستوى السادس ضدّ نيران الرشاشات المتوسطة وقذائف المدفعية، ومرونة قتالية تسمح بتسليح هذه المركبات بتشكيلة من الوسائط النيرانية، بما في ذلك الرشاشات المتوسطة والثقيلة، ومدافع الهاون ذاتية التلقيم، ومنحها القدرة على إطلاق الذخائر الجوّالةـ أو ما بات يعرف بـ المسيّرات الانتحارية، وهي تشكيلة من المواصفات ستسمح - في حالة التمكّن من توفيرها في المركبات الجديدة - لكتائب المشاة الميكانيكية الكندية، من امتلاك القدرة اللازمة على الحركة في الطرق الوعرة، وهو أمر بالغ الأهمية في مواقع حيوية على الأراضي الكندية، بما في ذلك المناطق الشمالية.

فيما يتعلّق بأسطول الدبابات الكندي، تعمل أوتاوا حالياً على تحديث أسطولها الحالي من دبابات القتال الرئيسية ألمانية الصنع "ليوبارد"، ضمن مشروع تحديث النيران المباشرة الثقيلة (HDFM)، الي بدء تنفيذه عام 2024، حيث يمتلك الجيش الكندي قوة قوامها 103 دبابات من هذا النوع، وتقتضي الخطة الحالية تحديث أنظمة التشغيل الخاصة بهذه الدبابات، لتصبح رقمية بالكامل، بحيث تنتقل التشكيلات الكندية المدرّعة، من تشغيل دبابات النسخة "2A6" التي تمتلكها حالياً، إلى النسخة المطوّرة المعروفة باسم "2A6M" بحلول عام 2033. ورغم أهمية هذه الخطوة على المديين القريب والمتوسط، إلا أنّ عمليات تحديث الدبابات الكندية، تعتبر بمثابة حلّ مؤقت ريثما تختار كندا دبابة قتال رئيسية جديدة، في ظلّ وجود نيّات معلنة من جانب الجيش الكندي، لبدء عمليات التفاوض على دبابات جديدة بحلول عام 2030 على أكبر تقدير. 

مما سبق يمكن القول إنّ خوض مواجهات ميدانية "على الأراضي الكندية"، بات يعتبر من أهمّ محدّدات التوجّهات الدفاعية الكندية، هذا إلى جانب ما يرتبط بتصاعد الأنشطة العسكرية في القطب الشمالي، في ظلّ تزايد الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لهذا النطاق، في ذهنية وتوجّهات الجيوش الكبرى على المستوى الدولي، وهذا ربما كان أحد أهمّ المبرّرات التي ساقتها كندا، تعليقاً على إجراء وحداتها العسكرية، مناورة رئيسية مؤخّراً، حول التصدّي لغزو بري وبحري من الخارج، وهي مناورات ربما ربطها البعض بتهديدات الرئيس الأميركي حول غرينلاند، نظراً لأنها المرة الأولى منذ عقود، التي تتضمّن المناورات العسكرية الكندية، تدريبات على سيناريو مشابه.

اللافت في هذه المناورة، أنها تضمّنت تطبيق تكتيكات غير متكافئة، شبيهة بتلك المستخدمة في الميدان الأوكراني، وهو توجّه لافت آخر يمكن ملاحظته في الاستراتيجية الدفاعية الكندية، ففي آذار/مارس الماضي، أعلنت الحكومة الكندية عن تخصيص ميزانية استثمارية بقيمة تتجاوز 600 مليون دولار أميركي، لتعزيز الأبحاث الجوية فيما يتعلّق بالأنظمة المسيّرة والمستقلة، بما في ذلك الطائرات من دون طيار وأنظمة مكافحتها، وذلك ضمن أطار أكبر تمّ رسمه في الاستراتيجية الوطنية للصناعات الدفاعية، التي أعلنت عنها كندا العام الماضي.