أميركا تصعّد ولا تبالي.. هل سقطت فرضية التأثير الإيراني المحتمل في الانتخابات النصفية؟ (3)
إلى أي حد ينسف التصعيد الأميركي الأخير الفرضية الأساسية لهذه السلسلة ويظهر أن الإدارة الأميركية لا تخشى تداعيات التصعيد قبيل الانتخابات؟
-
هل سقطت فرضية التأثير الإيراني المحتمل في الانتخابات النصفية؟
إذا كانت طهران تملك مصلحة محتملة في رفع كلفة الحرب والطاقة على المستهلك الأميركي قبيل الانتخابات النصفية، بما يضعف الجمهوريين ويفتح الطريق أمام كونغرس أكثر تقييداً لترامب، فكيف نفسر أن الإدارة الأميركية هي التي بادرت، ليلة 30 آب/أغسطس، إلى ضرب جزيرة لارك، غير عابئة ظاهرياً بما قد يترتب على ذلك من رد إيراني وارتفاع جديد في أسعار النفط والسلع؟
يبدو السؤال وجيهاً لأن ما حدث يثبت أن البيت الأبيض لا يتعامل مع اقتراب الانتخابات بوصفه مانعاً مطلقاً من استخدام القوة. لكن لا يغيب، في المقابل، أننا ما زلنا على مسافة أبعد من شهرين على الانتخابات، ويتعيّن التدقيق أكثر في تفاصيل ما حدث: نظرة فاحصة تظهر بأن الهدف الأميركي لم يكن التصعيد المنفلت من عواقله.
بدأ الأمر عندما بادرت القوات الأميركية إلى استهداف منصتين إيرانيتين، وقالت إن قوات الحرس الإيرانية كانت تستعد لإطلاق صواريخ تحمل ألغاماً بحرية إلى مضيق هرمز. لاحقاً وصفت القيادة المركزية الأميركية العملية بأنها "محدودة ودقيقة" لإزالة "تهديد وشيك. ترامب الذي توعّد إيران بعد موجة الغارات الأميركية الواسعة بأنها "سوف تُمحى تماماً كدولة" في حال ردّت على الرد، عاد وصرّح أنه يتوقع إنهاء الحرب مع إيران "قريباً جداً"، واصفاً التصعيد أنه بمثابة "جولة قصيرة المدى".
ماذا يحاول ترامب أن يوحي؟
تبعاً لذلك لا يثبت ما حدث أن العامل الانتخابي غائب تماماً، ولا أن فرضية السلسلة سقطت. الأدق أنها فقدت منحاها الخطي البسيط: إيران ليست الطرف الوحيد القادر على اختيار لحظة التصعيد، والولايات المتحدة قد تبادر إليه عندما ترى أن كلفة الانتظار أو ترك الوقائع البحرية تتغير أعلى من كلفة ضربة محسوبة، وهناك العامل الشخصي المتعلق بسلوك ترامب.
مغزى ذلك أن استعداد الإدارة الأميركية لضربة محدودة لا يعني أنها مستعدة لحرب مفتوحة قبل الاقتراع، ولا أن ارتفاع الأسعار لا يقلقها.
في العلن يحاول ترامب الإيحاء بعكس ذلك. هو كان عبّر عن الرهان الإيراني المحتمل في وقت مبكر وقبل توقيع مذكرة التفاهم. في أواخر أيار/مايو المنصرم، اتهم الرئيس الأميركي طهران بالمراهنة على إطالة المفاوضات والمواجهة إلى أن تضعه الانتخابات النصفية تحت ضغط سياسي واقتصادي يدفعه إلى تقديم تنازلات، لكنه أعلن أن هذا الرهان لن يغير استراتيجيته. قال: "لا أهتم بالانتخابات النصفية"، مضيفاً أنه لا يستطيع التفكير في الاقتراع عند اتخاذ قراراته بشأن إيران. وعندما سُئل عن غلاء البنزين، قال إن الأولوية هي منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ولوّح بأنه إذا لم تنجح المفاوضات فسيكون عليه "إنهاء المهمة".
غير أن الخطاب الرئاسي لا يختصر عملية صنع القرار في واشنطن. في 2 أيلول/سبتمبر، نقلت "رويترز" عن أربعة مطلعين على المناقشات أن كبار مساعدي ترامب يدفعون إلى إبقاء الحرب محصورة نسبياً حتى موعد الانتخابات، وأن مسؤولاً في البيت الأبيض لخّص الأولويات بقوله إن تشرين الثاني/نوفمبر مهم. وأضاف التقرير أن الإدارة قد تبحث تصعيد العمليات بعد الاقتراع، من دون أن تكون قد اتخذت قراراً بذلك، وأن الحاجة إلى تعويض النقص في بعض الذخائر تمنح التهدئة التكتيكية سبباً عسكرياً إلى جانب السبب الانتخابي.
هنا يظهر الفرق بين ادعاء ترامب أنه لا يهتم بالانتخابات وبين سلوك مؤسسات تعرف أن حرباً لا يؤيدها سوى 31% من الأميركيين، وفق استطلاع "رويترز/إبسوس" في أواخر آب/أغسطس، قد تهدد غالبيتين جمهوريتين ضيقتين. كما يظهر الفرق بين ضربة ترى واشنطن أنها تمنع زرع ألغام جديدة، وبين قرار بالعودة إلى حملة جوية واسعة تستدعي رداً إيرانياً أكبر وتعيد النفط والحرب إلى صدارة الحملة الانتخابية.
عودة إلى المسار
يتعذر فصل قرار التصعيد الأميركي عن مصير مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها في حزيران/يونيو الماضي. تعرضت الوثيقة منذ البداية لانتقادات داخلية أميركية، بينها انتقادات جمهورية، ورأت افتتاحية في "وول ستريت جورنال" أنها تمثل تراجعاً استراتيجياً عن أهداف الحرب. وبعد انهيار تطبيقها، أبلغت إدارة ترامب الوسطاء بأنها لا تريد العودة إلى شروطها، مفضلة اختبار أثر الحصار والعقوبات.
وقال ترامب في الأول من أيلول/سبتمبر أن أي اتفاق مع الإيرانيين "لا يساوي الورق الذي كُتب عليه، لقد منحناهم الكثير من الفرص"، كما كتب عبر منصته "تروث سوشيال" أنه لم يعد مهتماً بتاتاً بتوقيع اتفاقية بلا قيمة بالنسبة للإيرانيين. إلا أن ذلك لم يمنع وزير الخزانة سكوت بيسنت من التصريح في الأول من أيلول/سبتمبر الجاري بأن الهدف من العقوبات والحصار هو إجبار طهران على العودة مجدداً إلى طاولة المفاوضات؛ كما صرّح وزير الطاقة كريس رايت أن واشنطن ترغب في إنهاء الأزمة مع إيران عبر المفاوضات وعمليات التفتيش الدولي، الأمر الذي يقود إلى احتمال آخر يقابل التصعيد، بمعزل عن مدى أرجحيته، وهو التوصل إلى تسوية قبل الانتخابات، يستطيع ترامب تسويقها باعتبارها انتصاراً.
يعيدنا السبب المباشر للتصعيد الأخير إلى جوهر المواجهة الذي يتمثل في من يملك فرض قواعد المرور في مضيق هرمز، وهي مسألة تتجاوز الانتخابات على أهميتها. تقول الرواية الأميركية إن ضربة لارك منعت الحرس الثوري من إعادة تلغيم الممر بعد إعلان واشنطن تطهيره، فيما ينفي الحرس ذلك. وبمعزل عن قبول هذه السردية أو تلك، تكشف الواقعة أن الاشتباك لم يبدأ بسبب الانتخابات، بل بسبب الصراع على السيطرة الفعلية على المضيق. لكن هذه الحقيقة لا تلغي أثره الانتخابي إذا استمرت الجولة الحالية أو تجددت في الأسابيع الفاصلة عن الاقتراع.
ما سبق يعيد السؤال إلى دائرة المشروعية: إذا كانت كلفة الطاقة تستطيع الانتقال من مضيق هرمز إلى الدوائر المتأرجحة، فهل تصبح الأشهر السابقة للانتخابات نافذة إيرانية للضغط على ترامب؟
لا تبدأ الإجابة من افتراض أن طهران تضع خارطة الكونغرس أمامها وتضبط عملياتها وفق استطلاعات بنسلفانيا وميشيغان. إيران تخوض مواجهة تتعلق ببقائها وترسيخ معادلات ردع مستدامة وحماية بنيتها ورفع الحصار عنها، فيما تمثل الانتخابات الأميركية عاملاً إضافياً يمكن أن يزيد فاعلية بعض أدواتها أو يحدد توقيتها.
لذلك لا تكمن الورقة الإيرانية في التدخل المباشر في الانتخابات، بل في قدرتها على إبقاء كلفة الحرب حاضرة أمام ناخب يعرف أن حزب الرئيس هو المسؤول عن إدارة البلاد. كلما اقترب الاقتراع، ضاق الوقت المتاح أمام البيت الأبيض لخفض أسعار البنزين واستعادة الثقة الاقتصادية وإقناع الأميركيين بأن حرباً قيل إنها ستستغرق أسابيع لم تتحول إلى مأزق مفتوح.
ردع عبر الكلفة
تدرك طهران أنها لا تستطيع مضاهاة الولايات المتحدة طائرة بطائرة أو سفينة بسفينة. لكنها لا تحتاج إلى ذلك في مضيق ضيق تعبره الطاقة العالمية وتراقبه شركات التأمين والأسواق لحظة بلحظة. يكفي أن يبقى احتمال التعطيل مرتفعاً كي ترتفع أقساط التأمين وكلفة الشحن، ويتردد أصحاب السفن، حتى من دون إغلاق كامل أو هجوم واسع.
وصف تحليل نشره "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" في 20 نيسان/أبريل استراتيجية هرمز بأنها رهان على حرب استنزاف لا على تكافؤ النيران: تستخدم إيران موقعها الجغرافي لرفع الكلفة العالمية، وتراهن على أن الوقت السياسي والاقتصادي المتاح لواشنطن أقصر من قدرتها هي على الاحتمال.
تمنح هذه الاستراتيجية إيران درجات متعددة من الضغط: السماح بمرور سفن ومنع أخرى، فرض ممرات أو شروط، إبقاء خطر الألغام والصواريخ قائماً، أو رفع وتيرة المضايقات ثم خفضها. والميزة هنا أن الأثر الاقتصادي لا يرتبط فقط بما وقع، بل بما تخشى الشركات أن يقع. فقد وصلت أقساط مخاطر الحرب على السفن في الخليج، بحسب "وول ستريت جورنال" في 25 آب/أغسطس الماضي، إلى مستويات هي الأعلى منذ عقود، لأن السوق تسعّر احتمال الخطر قبل تحققه.
وقدمت جولة 30 آب/أغسطس اختباراً فورياً لهذه الآلية. ارتفعت أسعار النفط مع عودة الخوف من تعطل الإمدادات، ووصل خام برنت خلال تعاملات 2 أيلول/سبتمبر إلى أكثر من 97 دولاراً قبل أن يتراجع، فيما تعرضت أسواق الأسهم لضغوط جديدة. أي إن الضربة الأميركية لم تدحض حلقة الانتقال من هرمز إلى الاقتصاد، بل فعّلتها، وإن كانت واشنطن لا طهران هي التي أطلقت الجولة.
بهذا المعنى لا تحتاج إيران إلى إغلاق هرمز عشية الاقتراع. قد يكون إبقاؤه في حالة تشغيل ناقص وغير مضمون أكثر فائدة: يواصل الضغط على الأسعار، ولا يمنح ترامب بالضرورة صورة هجوم دراماتيكي يستطيع استخدامها لتعبئة الجمهور خلفه.
كما أنها لا تحتاج دائماً إلى ضربة عنيفة أو إلى الظهور بمظهر الطرف الذي بادر إلى التصعيد. قد يتحقق التسخين عبر تهديدات موثوقة، أو حوادث بحرية محدودة، أو تشديد انتقائي للمرور، أو خطوات ترفع تقديرات المخاطر لدى شركات الشحن والتأمين. وهذه هي المساحة التي يمكن أن تعمل فيها السياسة الانتخابية بوصفها عاملاً في التوقيت والجرعة، لا سبباً أصلياً للمواجهة. ولا يغيب في هذا الإطار جبهة اليمن المفتوحة على ارتباطات علائقية وشيجة بالمؤشرات الاقتصادية.
كلفة الفعل والامتناع
مع ذلك، لا يعني امتلاك الأداة وجود مصلحة دائمة في استخدامها. فقد تقرر طهران أن لا حاجة إلى تسخين إضافي إذا اتضح، مع اقتراب تشرين الثاني/نوفمبر، أن مسار الانتخابات يتحرك أصلاً نحو خسارة الجمهوريين أحد المجلسين أو كليهما. عندها يصبح العائد من التصعيد أقل، بينما تبقى مخاطره العسكرية والاقتصادية والسياسية كاملة. وقد تمتنع أيضاً إذا كانت الكلفة المتوقعة عالية والمردود الانتخابي غير مضمون، أو إذا بدا أن العملية ستدفع بعض الناخبين إلى الالتفاف حول ترامب بدلاً من معاقبته.
بهذا المعنى لا تشبه الورقة الإيرانية زرّاً يؤدي الضغط عليه آلياً إلى فوز الديمقراطيين. إنها خيار مشروط بتقدير مستمر: ماذا يمكن أن تضيفه العملية إلى اتجاه انتخابي قائم؟ وما احتمال أن ترد واشنطن بطريقة توسع الخسائر الإيرانية؟ وهل يمكن تحقيق أثر في الأسعار من دون كلفة عسكرية أكبر؟ فإذا كانت النتيجة المرجوة تتحقق من دون تدخل، يصبح الامتناع نفسه قراراً عقلانياً.
كما أن طهران نفسها تدفع ثمناً باهظاً من تجارتها ونفطها واستقرار عملتها، وتحتاج إلى بقاء قنوات مع شركائها ومع الصين ودول الوساطة. وإذا بالغت في تعطيل الإمدادات، فقد تنقلب الدول المتضررة من ورقة توازن مع واشنطن إلى مصدر ضغط عليها. لذلك لا يكون السؤال الإيراني: كيف نرفع سعر النفط إلى أقصى حد؟ بل بالأحرى: ما المقدار الذي يرفع كلفة استمرار ترامب من دون أن يبني جبهة دولية أوسع ضدنا؟
الحلقة الأساسية تبقى قائمة
لا ينسف سلوك واشنطن التصعيدي فرضية السلسلة إذاً، لكنه يصححها في نقطتين:
أولاهما أن طهران لا تملك وحدها ساعة المواجهة؛ فقد تبدأ واشنطن جولة جديدة عندما ترى أن كلفة الانتظار أعلى من كلفة الضربة. وثانيتهما أن الانتخابات لا تشل يد ترامب تماماً، لكنها تدخل في حسابات مساعديه ومؤسسات الدولة ومصالح الحزب الجمهوري وتحدد مقدار التصعيد الذي يمكن احتماله سياسياً واقتصادياً.
وتبقى الحلقة الأساسية قائمة: يستطيع هرمز أن ينقل أثر الحرب إلى سعر النفط والتأمين والنقل، ومن هناك إلى الناخب والدوائر المتأرجحة، سواء كانت شرارة الجولة إيرانية أم أميركية. لكن قدرة إيران على الاستفادة من هذه الحلقة لا تعني أنها ستستخدمها في كل وقت أو بأقصى قوة؛ فقد تكون مصلحتها في التصعيد، وقد تكون في الانتظار، وقد يكون الرد الأميركي المتوقع أكبر من العائد الانتخابي الممكن.
هنا تنتقل المسألة من فاعلية الورقة إلى قرار استخدامها. فإيران لا تخضع إلى حكم عسكري مركزي أوتوقراطي يصدر عنه قرار آلي، بل هي جمهورية تتجاور داخلها الدعوة إلى التفاوض مع عقيدة هجومية مستجدة تتحدث عن المبادرة، وتتدرج أدواتها من الغموض إلى ضرب المصالح العسكرية والاقتصادية والبنى التحتية.