أميركا اللاتينية والإمبريالية الأميركية: من مبدأ مونرو إلى مادورو

ليست مصادفةً أن أميركا اللاتينية، بحلول منتصف سبعينيات القرن الماضي، تحولت لقارة تهيمن عليها أنظمة استبدادية يمينية "فاشية" مدعومة أميركيًا.

  • الإمبريالية الأميركية جعلت كوبا أرضًا خصبة للثورة.
    الإمبريالية الأميركية جعلت كوبا أرضًا خصبة للثورة.

السياق، مبررات وادعاءات كاذبة أو مُضخمة بأن نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، يُوجّه إرهابًا مرتبطًا بتجارة المخدرات ضد الولايات المتحدة، تُشكّل ذريعةً مُلائمةً لتدخل أكثر عمقًا ومباشرةً.

وتُمثّل موجة الاستهداف بالقتل خارج القضاء في البحر، وتوجه الاستخبارات المركزية الأميركية لشنّ عمليات سرية داخل فنزويلا، وزيادة الحشد العسكري الأميركي في البحر الكاريبي، وإعادة فتح قاعدة بحرية مُغلقة منذ زمن طويل في بورتوريكو، ونشر حاملة الطائرات الأميركية جيرالد فورد بالمنطقة، تمثل تطورات لافتة لكنها ليست مُفاجئة. هذه الإجراءات ليست سوى أحدث تعبير عن مشروع جيوستراتيجي سعت به واشنطن طويلاً للهيمنة على أميركا اللاتينية تعزيزًا لنفوذها واستدامة أرباح شركاتها العابرة للقارات.

يعود تاريخ هذا المشروع الرسمي لمبدأ مونرو (1823)، حين أعلنت الولايات المتحدة أحاديًا سيادتها على أميركا اللاتينية كمجال نفوذ حصري لها. وإحياء هذا المبدأ اليوم واضح لا لبس فيه، وخطير تمامًا. وكما صرّح وزير الحرب (الدائمة) الأميركي، بيت هيغسيث، مرددًا لغة سياسة تعود لقرنين من الزمان: "نصف العالم الغربي هو جوار أميركا، وسنحميه". لكن ممن؟!

يقول إريك روس، ناشط ومعلم وباحث في التاريخ الأميركي، إنّ نتائج هذا المبدأ كانت واضحة دائمًا: أرباح طائلة للقلة، وعنف، واضطرابات سياسية، وتفكك اجتماعي، ودمار اقتصادي يلحق بالغالبية. بينما لاقت رغبات واشنطن الإمبريالية في نصف العالم الغربي استجابةً طويلة من حركاتٍ تتحدى الهيمنة الأميركية، لكنها أُجبرت مرارًا على التقهقر كتابع لنظام رأسمالي عالمي مُسخّر لخدمة مصالح جيران "غير طيبين".

إذًا، ليست مصادفةً أن أميركا اللاتينية، بحلول منتصف سبعينيات القرن الماضي، تحولت لقارة تهيمن عليها أنظمة استبدادية يمينية "فاشية" مدعومة أميركيًا. أصبحت مناطق بأكملها، مثل المخروط الجنوبي لأميركا اللاتينية، مختبرات للقمع، حيث شكلت الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وتشيلي وباراغواي وأوروغواي كتلة طغم عسكرية حاكمة منسقة. وبدعم واشنطن المباشر، تعهدت هذه الأنظمة ما عُرف لاحقًا بعملية "كوندور"، مُؤسسةً شبكة تمارس إرهاب الدولة عابرًا للحدود. وكانت عواقبها كارثية: 50 ألف قتيل، وعشرات آلاف "المفقودين"، ومئات الآلاف تعرضوا للتعذيب والسجن بتهمة ما يُسمى "جريمة استبطان ميول يسارية حقيقية أو مُتصورة".

لاحظ روس أنه خلال تلك الفترة السابقة، نجت فنزويلا إلى حد كبير من تجاوزات التدخل الأميركي المباشر الوحشية بالمنطقة (ويعود ذلك جزئيًا للحكم القمعي لزعيمين متعاقبين مدعومين أميركيًا، خوان فيسنتي غوميز وماركوس بيريز خيمينيز). تغير هذا الوضع عام 1998، عندما تولى الرئاسة أوغو تشافيز، سلف مادورو الأكثر شعبية، واتبع سياسات السيادة الشعبية وتأميم الموارد الطبيعية لضمان خدمة احتياطيات النفط الهائلة في البلاد (وهي الأكبر في العالم) لشعب فنزويلا بدل تهريبها لإثراء الشركات الأجنبية وعملائها المحليين. أصبحت فنزويلا منذئذ أحدث هدف لجهود واشنطن الرامية لتقويض الحكومات التقدمية "المثيرة للمشكلات" بسائر أنحاء أميركا اللاتينية، وترويضها، وتحييدها بنهاية المطاف.

لفهم مسار واشنطن الحالي بالمنطقة فهمًا كاملاً، يستعرض روس حلقات تاريخية سابقة تدخلت فيها الولايات المتحدة بعنف ضد الديمقراطية، لتشكيل مصائر دول نصف الكرة الأرضية الغربي سياسيًا.

ثمة ثلاث حالات بالغة الأهمية: كوبا، وغواتيمالا، وتشيلي. فهي تُسلط الضوء مجتمعةً على مسار الإمبريالية الأميركية الطويل بأميركا اللاتينية، وتُظهر خلفيات المواجهة الراهنة ومساراتها ومخاطرها.

فرض الحماية على كوبا

كانت كوبا لزمن طويل جوهرة التاج بالنسبة لأطماع الإمبريالية الأميركية. وبحلول عام 1823، كانت النخب السياسية الأميركية تُصوّر أنّ الجزيرة أساسية لمستقبل الولايات المتحدة. فمثلا، الرئيس الأميركي السادس، جون كوينسي آدامز، وصف كوبا التي كانت آنذاك مستعمرة إسبانية، أنها "لا غنى عنها" لمصالح البلاد "السياسية والتجارية". وأشار بنبرة تنذر بالسوء إلى أنه إذا "فُصلت الجزيرة قسرًا عن ارتباطها غير الطبيعي بإسبانيا، وعجزت عن الاكتفاء الذاتي"، فلن "تتجه إلا نحو اتحاد أميركا الشمالية". وبالمثل، أكد قبله الرئيس الرابع، توماس جيفرسون، أن امتلاك كوبا هو "بالضبط ما ينقصنا لاستكمال قوتنا كأمة". وانطلاقاً من هذا المبدأ، حاول الرئيسان بولك وبيرس خلال أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر شراء كوبا من إسبانيا، وهي محاولات قوبلت بالرفض دائمًا.

تبدت تلك الجهود أكثر خلال فترة توسع إقليمي أميركي سريع، في حقبةٍ اعتبرت فيها واشنطن الغزو القاري "قدراً محتوماً" وحتمية سياسية واقتصادية في آنٍ واحد. وعندما لاحت آليات قانونية – ظاهريًا –كشراء الأراضي، تمّ تبنيها. وعندما أتاحت القوة العسكرية سبيلاً أسرع للاستحواذ على الأراضي، كما في الحرب العدوانية التي جرّدت المكسيك من نصف أراضيها، وأحالت ما بات يُعرف بجنوب غرب الولايات المتحدة إلى السيطرة الأميركية عام 1848، تمّ استغلالها دون تردد.

وقد سنحت الفرصة لتحقيق طموحاتٍ قديمة في كوبا، وتدشين الولايات المتحدة كإمبراطورية ما وراء البحار عقب الحرب الإسبانية الأميركية عام 1898. في ذلك الصراع، تدخّلت واشنطن في الانتفاضات المناهضة للاستعمار من بورتوريكو إلى الفلبين، لا لنصرة التحرر الحقيقي، بل لضمان إخضاع أي "استقلال" لاحق للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية. نتج عن ذلك نظام سياسي مُصمّم عمدًا لإبقاء كوبا مُرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأولويات الولايات المتحدة ونفوذها.

وقد تمّ تقنين ذلك في تعديل بلات Platt عام 1901، الذي أبطل فعليًا ضمانات واشنطن السابقة لسيادة كوبا، ومنح واشنطن حق إنشاء قواعد عسكرية (مثل غوانتانامو)، وسيطرة كبيرة على خزانة ومالية كوبا، والقدرة على التدخل كلما رأت واشنطن ذلك ضروريًا لحماية مفهومها التعسفي لـ"استقلال كوبا"، أو الدفاع عن "الحياة والممتلكات والحريات الفردية".

عمليًا، خرجت كوبا من الحرب الأميركية الإسبانية محمية تابعة، لا كدولة ذات سيادة. وسرعان ما تمّ تقنين هذا نموذجا في نصف الأرض الغربي كاملاً في 1904 بـ"ملحق روزفلت" لمبدأ مونرو، مانحًا واشنطن تفويضًا ذاتيًا لفرض النظام هناك.

في كوبا، خدم هذا الترتيب مصالح واشنطن عقودًا مديدة. وبحلول عام 1959، عشية انتصار الثورة الكوبية، كانت الشركات الأميركية تسيطر على 90% من تجارة الجزيرة وخدماتها العامة، و75% من أراضيها الصالحة للزراعة، و40% من صناعة السكر. في الوقت نفسه، ظلت الغالبية العظمى من الكوبيين بلا أرض، محرومين من حقوقهم المدنية غارقين في الفقر.

وبسبب رعايتها لعدم المساواة الصارخة، جعلت الإمبريالية الأميركية كوبا أرضًا خصبة للثورة. في عام 1959، وبعد سنوات في المنفى، عاد فيديل كاسترو إلى الجزيرة ليحظى بتأييد شعبي ساحق، بعد أن أطلق كفاحًا مسلحًا إثر محاولته الترشح في انتخابات 1952 التي ألغاها الرئيس الكوبي فولغينسيو باتيستا المدعوم أميركيا. وبدل مواجهة سياسات أدت إلى الثورة، أراد المسؤولون الأميركيون جعل كاسترو أمثولة لغيره، فشنوا حملة شرسة لتقويض حكومته الثورية ومعاقبة الشعب الذي دعمه ومكّن صعوده.

انتهجت واشنطن كل الوسائل، من غزوات فاشلة مشؤومة إلى الاغتيالات. وهي مؤامرات دفعت بالعالم لحافة محرقة نووية في أكتوبر/تشرين الأول 1962. كما فرضت حصارًا اقتصاديًا عقابيًا لخنق اقتصاد الجزيرة، وإجهاض التجربة الاشتراكية، وردع الدول الأخرى عن تحدي الهيمنة الأميركية. أغلقت تلك الجهود العدوانية باب أي اشتباك بنّاء، كان كاسترو منفتحًا عليه سابقا، فاندفعت كوبا بقوة نحو الاتحاد السوفيتي، وتحققت النتيجة التي زعمت واشنطن أنها سعت لتجنبها.