أميركا اللاتينية والإمبريالية الأميركية: انقلابات دموية ومجازر وإجهاض الديمقراطية

درس نزعة المغامرة الإمبريالية في أميركا اللاتينية واضح لا لبس فيه. عندما تتدخل واشنطن في شؤون الدول الأخرى، لا تكون النتيجة أبدًا استقرارًا أو ديمقراطية أو عدالة اجتماعية، بل نفيها تمامًا.

  • واشنطن تخشى من إفلات دول أميركا اللاتينية من براثن التبعية والهيمنة الاقتصادية الأميركية.
    واشنطن تخشى من إفلات دول أميركا اللاتينية من براثن التبعية والهيمنة الاقتصادية الأميركية.

لفهم مسار وخلفيات التصعيد الأميركي الراهن ضد حكومة وشعب فنزويلا، نعرض لتجربتين سابقتين من تسلط الإمبريالية الأميركية على أميركا الجنوبية، حيث تدخلت الولايات المتحدة بعنف بالغ ضد الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لتشكيل مصير الدول سياسيًا واقتصاديًا، كما وقع في غواتيمالا (1954) وتشيلي (1973). والحقيقة أن الولايات المتحدة نفذت أكثر من 44 انقلابًا لتغيير الأنظمة الحاكمة في القارة اللاتينية.

المعلوم أن زعيم الثورة الكوبية فيديل كاسترو لم يعد إلى كوبا وحيدًا. بل وصل رفقته الأرجنتيني، إرنستو "تشيه" غيفارا، الذي سيصبح أحد أبرز مُنظّري الثورة بأميركا اللاتينية، حاملاً التزامًا ببناء حركة عالمية مناهضة للإمبريالية. التقى الرجلان أول مرة عام 1955 في العاصمة المكسيكية، حيث كان كاسترو يُنظّم حركته بالمنفى، بينما استقر غيفارا بعد عمله طبيبًا في غواتيمالا، البلد الذي قصده لدعم الربيع الديمقراطي بقيادة الرئيس جاكوبو أربينز.

سقوط غواتيمالا

انطفأت التجربة الديمقراطية في غواتيمالا فجأة وبعنف عام 1954، عندما أطاح انقلاب مدعوم من الولايات المتحدة بالرئيس أربينز. من تلك التجربة، استخلص غيفارا درسًا لا يُمحى حول مدى قوة الولايات المتحدة واستعدادها لنشر قواتها دفاعًا عن مصالح الشركات، فضلاً عن عواقب التدخل الأميركي الوخيمة المُناهضة للديمقراطية والمُزعزعة للاستقرار في سائر أنحاء القارة.

بحسب الباحث والناشط الأميركي، إريك روس، نُفّذ ذلك الانقلاب في غواتيمالا خدمةً لمركز السلطة الحقيقي في البلاد، شركة "يونايتد فروت" ومقرها بوسطن. تأسست الشركة عام 1899، وعززت وجودها في غواتيمالا عبر سلسلة اتفاقيات تفضيلية، حيث تنازل الحكام المتعاقبون عن مساحات شاسعة من الأراضي والبنية التحتية الحيوية للشركة مقابل إثراء أنفسهم. ونتيجة لذلك، غدت غواتيمالا نموذجًا صارخًا لـ"جمهورية الموز".

هيمنت "يونايتد فروت" على القطاعين الزراعي والصناعي في غواتيمالا، لتصبح إحدى أكثر الشركات ربحيةً في العالم. وحققت أرباحًا طائلةً عبر سلطة احتكارها للسوق، وقمعها للأجور، وتجريمها لتنظيمات العمال. وامتد نفوذها لأعلى المستويات بواشنطن. فقد مثّل وزير الخارجية الأكثر تشددًا، جون فوستر دالاس، "يونايتد فروت" بصفته شريكًا رئيسيًا بمكتب المحاماة سوليفان وكرومويل، وشغَل شقيقه، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، ألن دالاس، منصبًا بمجلس إدارة الشركة سابقًا.

لم يعتبر أربينز "يونايتد فروت" تهديدًا لسيادة غواتيمالا فحسب، بل اعتبرها أيضًا مُحركاً للظلم. ففي بلدٍ يسيطر فيه 2% من ملاك الأراضي على 72% من الأراضي الصالحة للزراعة (أكثر من نصفها تحت سيطرة "يونايتد فروت")، وتُرك جزء كبير منها غير مزروعة عمدًا، سعى أربينز إلى تحدي نظام يحرم ملايين الفلاحين من الحصول على أرض يعتمد عليها بقاؤهم. اقتصر برنامجه لإصلاح ملكية الأراضي على الأراضي غير المزروعة. فاقترحت الحكومة شراء الأراضي غير المستغلة بقيمتها الضريبية المعلنة (استنادًا إلى تقييمات الشركة نفسها). لكن "يونايتد فروت" رفضت العرض لأنها دأبت على تقليل قيمة ممتلكاتها الشاسعة من الأراضي تهربًا من الضرائب.

بحسب روس، التزمت سياسات أربينز، كونه قوميًا (وليس شيوعيًا)، بتفكيك تبعية غواتيمالا للإمبريالية. وكان هدفه، كما قال، تحويل "غواتيمالا من دولة يرزح اقتصادها تحت نظام إقطاعي إلى دولة رأسمالية حديثة، وإجراء هذا التحول بما يرفع مستوى معيشة الكتلة الأكبر من شعبنا لأعلى مستوى". لكن في ظل المناخ الأيديولوجي المشحون أوائل سنوات الحرب الباردة، اعتبرت واشنطن هذه الإصلاحات المشابهة لإصلاحات أجراها الرئيس فرانكلين روزفلت، بعنوان "الصفقة الجديدة"، دليلاً قاطعًا على تأسيس "موطئ قدم سوفياتي" بأميركا الوسطى.

بحلول عام 1954، أصرّ المسؤولون الأميركيون على أنه "لا خيار أمامهم" سوى التدخل لمنع "سقوط" غواتيمالا المزعوم في براثن الشيوعية.

واعتمد الانقلاب الذي تم تنفيذه على حملة دعائية مُنظّمة، وتمويل جيش من المرتزقة، وقصف جوي للعاصمة. فأرغمت تلك الضغوط مُجتمعةً أربينز على الاستقالة. وفي خطابه الأخير، أدان الهجمات "باعتبارها عملاً انتقامياً من قِبَل يونايتد فروت"، وتنحّى على أمل – تبدد سريعًا – أن رحيله قد يستبقي إصلاحاته.

سرعان ما انتقلت السلطة إلى نظام عسكري بقيادة كارلوس كاستيلو أرماس، بينما أعلن الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور مُنتصراً أن "شعب غواتيمالا، في جهدٍ عظيم، حرّر نفسه من أغلال التوجه الشيوعي الدولي". في الواقع، وسّعت شركة يونايتد فروت نفوذها، بينما انزلقت البلاد نحو عقود من إرهاب الدولة. أسفرت الحرب الأهلية التي تلت ذلك عن مقتل 200 ألف شخص ونيف، بما في ذلك حملة إبادة جماعية ضد شعب غواتيمالا الأصلي "إكسيل مايا"، نُفذت بدعم أميركي مباشر.

سحق الاشتراكية في تشيلي

يلاحظ روس أنه إذا كانت غواتيمالا قد كشفت استعداد واشنطن لتدمير ديمقراطية اجتماعية متواضعة بزعم مناهضة الشيوعية ودفاعًا عن هيمنة الشركات، فقد أظهرت تشيلي قمة عنف التدخلات العسكرية غير المبررة خلال الحرب الباردة. فعندما فاز الطبيب الاشتراكي سلفادور أليندي بالرئاسة عام 1970 في انتخابات ديمقراطية، مضت واشنطن إلى مسار الحرب، وشنت فورًا حملة سرية ومتواصلة لخنق حكومته قبل أن تتمكن من النجاح.

سعى أليندي لتوسيع الرعاية الاجتماعية وإضفاء طابع ديمقراطي على الاقتصاد. ودعا برنامجه لتأميم الصناعات الاستراتيجية، وتوسيع الرعاية الصحية والتعليم، وتعزيز تنظيمات العمال، وتفكيك احتكارات الأراضي العتيدة. حظيت تلك المبادرات بدعم تحالف واسع ومتعدد الأحزاب، متجذرًا بين فلاحي تشيلي، فضلاً عن طبقتيها العاملة والمتوسطة. وهدف برنامج أليندي، قبل كل شيء، لاستعادة ثروات البلاد المعدنية من رأس المال الأجنبي، لاسيما شركة إنتاج النحاس الأميركية العملاقة، أناكوندا، التي لم تُدرّ أرباحها الهائلة سوى عوائد ضئيلة بلا معنى لشعب تشيلي.

وجد الرئيس ريتشارد نيكسون ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر أن هذا الوضع غير مقبول، وسرعان ما اعتبرا الرئيس أليندي ليس مجرد تهديد رمزي، بل تهديد حقيقي للنفوذ الأميركي بالقارة. ففي نهاية المطاف، كان قيام دولة اشتراكية ناجحة عبر صناديق الاقتراع يُنذر بإمكانية وجود مسار سياسي واقتصادي بديل.

أعقب ذلك حملة منسقة لزعزعة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ضخت الاستخبارات المركزية الأميركية عشرات الملايين من الدولارات لأحزاب المعارضة في تشيلي، وجمعيات الأعمال، ووسائل الإعلام. وموّلت إضرابات واضطرابات لخلق ندرة واستغلالها كسلاح، تستهدف (على حد تعبير نيكسون) "إحداث انهيار اقتصادي" وتقويض الثقة بحكومة الوحدة الشعبية برئاسة أليندي. كما عزز المسؤولون الأميركيون علاقاتهم بالفصائل الرجعية في جيش تشيلي، مشجعين مؤامرات الانقلاب، ومؤيدين مباشرةً الإطاحة بأليندي في 11 سبتمبر/أيلول 1973.

ونتج عن ذلك إحدى أكثر الديكتاتوريات دموية في نصف الأرض الغربي بالقرن العشرين. مارس نظام الجنرال أوغستو بينوشيه التعذيب والإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القضاء على نطاق واسع، بينما فرض اقتصاديون تلقوا تعليمهم بأميركا سياسات نيوليبرالية متطرفة (شبيهة بتلك الفاشلة التي يطبقها خافيير ميلي حاليًا بالأرجنتين من خلال خطة إنقاذ يتعهدها دونالد ترامب حاليًا) أدت إلى تقويض الحماية الاجتماعية، وفتح اقتصاد تشيلي أمام سيطرة رأس المال الأجنبي.

لا للتدخل في فنزويلا

في كل مرة تدخلت فيها الولايات المتحدة بأميركا اللاتينية، مخلفةً عشرات الآلاف من القتلى ومزعزعةً استقرار مجتمعات بأكملها ، لم يكن الدافع الحقيقي خوف واشنطن من الشيوعية. بل ما أثار قلق صناع السياسات ومصالح الشركات التي يخدمونها هو احتمال إفلات دول أميركا اللاتينية من براثن التبعية والهيمنة الاقتصادية الأميركية.

عندما أكمل الرئيس الراحل، أوغو تشافيز، تأميم قطاع النفط الفنزويلي عام 2007، سار على خطى طويلة ومحفوفة بالمخاطر، خُطى سبقه إليها قادة إقليميون تجرأوا على مواجهة النفوذ الأميركي. وبذلك، ارتكبوا بنظر واشنطن "الخطيئة الكبرى"، أي فرض سيطرة سيادية على الموارد الوطنية بأميركا اللاتينية، والتي اعتبرتها أميركا دائمًا حكرًا استراتيجيًا لها. أظهر هؤلاء القادة، ولو لفترة وجيزة، أن من الممكن الوقوف بوجه الولايات المتحدة، لكن هذا التحدي سيُقابل بنهاية المطاف بقوة ساحقة.

لاحظ روس أنّ القوى المستقلة في النصف الغربي للعالم، التي تسلك طريقها الخاص، تمثل تهديدًا بنظر واشنطن أو وول ستريت لا يمكنهما التسامح معه. وللسبب ذاته، تُناور الولايات المتحدة تارة أخرى نحو صراع مفتوح في فنزويلا. السير في هذا المسار، بطبيعة الحال، يعني تكرار بعض أكثر فصول السياسة الخارجية الأميركية كارثية.

إن درس نزعة المغامرة الإمبريالية في أميركا اللاتينية واضح لا لبس فيه. عندما تتدخل واشنطن في شؤون الدول الأخرى، لا تكون النتيجة أبدًا استقرارًا أو ديمقراطية أو عدالة اجتماعية، بل نفيها تمامًا.