أربعة عشر عامًا في قلب العاصفة.. "الميادين" حين يصبح الإعلام موقفًا

الميادين مشروعٌ إعلاميٌّ مقاوم، منحازٌ لفلسطين، ومدافعٌ عن الحقيقة والسيادة العربية، وثابتٌ في مواجهة الاحتلال والهيمنة.

  • أربعة عشر عامًا في قلب العاصفة..
    أربعة عشر عامًا في قلب العاصفة.. "الميادين" حين يصبح الإعلام موقفًا

ثمة مناسبات لا يتأخر الكاتب عنها، بل تؤخره عنها الجنازات. كنت أتهيأ، في الحادي عشر من حزيران/يونيو الماضي، للكتابة عن مرور أربعة عشر عامًا على انطلاق "الميادين"، لكن المنطقة كانت تكتب نصًا آخر بالحبر الأحمر، وتدفع إلى الشاشة كل صباح مأساةً أكبر من سابقتها.

كيف تُكتب تهنئة، وشاشة المناسبة نفسها مفتوحة على غزة وهي تجمع أشلاء أطفالها من تحت الركام، وعلى لبنان وهو يودّع مئات من كوادر المقاومة وقادتها وإعلامييها، وعلى إيران وهي تلملم آثار عدوان أميركي - صهيوني غادر اغتال عشرات من قياداتها الدينية والعسكرية والأمنية والسياسية؟ لم تكن القناة تحتفل بعيدها؛ كانت تؤدي رسالتها في أكثر اللحظات قسوة.

لهذا لم يكن تأخر المقال انشغالًا عن "الميادين"، بل بما اختارت أن تكون في قلبه. فالذكرى ليست عدّاد سنوات، بل شهادة لمشروع بقي على موقفه حين تبدلت خرائط القوة والولاءات، ولم يتعامل مع فلسطين مادةً خبرية، بل ميزانًا للحقيقة. وفي زمن صار فيه تزييف الوعي شريكًا في القتل، أثبتت "الميادين" أن الكلمة التي لا تُشترى فعلٌ من أفعال المقاومة.

موعدٌ فاتني... وحلمٌ لم يغب

في أواخر تموز/يوليو 2011، كنت في بيروت، واضطررت إلى مغادرتها صباح اليوم نفسه الذي عقد فيه الإعلامي الكبير غسان بن جدو مؤتمرًا صحافيًا في مقر نقابة الصحافة، أعلن خلاله ولادة مشروع إعلامي عربي جديد يحمل اسم "الميادين". كنت أنوي الحضور، لكن أمرًا طارئًا حال دون ذلك؛ غادرت بيروت، وبقي المشروع يشغلني.

بدا إعلان بن جدو شديد القرب من رؤيتي: قناة تتمسك بوحدة الوطن العربي وعمقه الحضاري والاستراتيجي، وتنفتح على العالم الإسلامي وعالم الجنوب، وتجعل فلسطين عنوانًا للتحرر الوطني وقضيةً مركزية، لا خبرًا موسميًا تطويه نشرات المساء.

كان ذلك يمس عمق تجربتي؛ ففلسطين لم تكن بالنسبة إليّ بندًا في خطاب. أمضيت عقدًا كاملًا في صفوف ثورتها، صحافيًا ومناضلًا بين بيروت ودمشق، وعشت أحلامها وانكساراتها، وعرفت رجالها وشهداءها ومثقفيها. لذلك رأيت في القناة المرتقبة امتدادًا لمعركة أعرفها، بأداة جديدة هي الشاشة.

وأذكر أنه حين فتح غسان بن جدو باب المساهمة في رأسمال القناة، وبدأ جولات في أوروبا وأميركا الجنوبية لطرح السهم بمئة دولار، انتظرت وصوله إلى القاهرة. لم أبحث عن عائد مالي، ولا أستطيع شراء عدد كبير؛ أردت حصةً رمزية في حلم رأيت فيه نافذة عربية لا تبيع فلسطين في سوق التسويات. لكنني لم أتمكن من تحقيق تلك الرغبة.

واستندت ثقتي بالمشروع، إلى جانب رؤيته، إلى متابعتي أداء غسان بن جدو ومواقفه في قناة "الجزيرة". وزادها ما سمعته من العلامة السيد محمد حسين فضل الله من إشادة واسعة به، خلال إحدى زياراتي له، وقد التقيته يومها عقب خروج غسان مباشرة من عنده.

حقيبة كاميرا... واختبار مبكر للانحياز

بعد ذلك بثلاثة أعوام، تحولت الثقة الفكرية إلى موقف عملي. ففي عام 2014، خلال الانتخابات الرئاسية المصرية الأولى بعد ثورة 30 يونيو، اتصل بي الصديق المبدع فراس، نجل الصديق الأعز الكاتب والمفكر موفق محادين، ليخبرني بأن حقيبة تضم كاميرا ومعداتها، تخص قناة الميادين"، احتُجزت في مطار القاهرة.

اتصلت بمدير الشؤون العربية في جهاز الأمن الوطني آنذاك، طالبًا منه الإيعاز إلى مكتب الجهاز في المطار بالإفراج عنها. بادرني بسؤال استنكاري: "ألا تعرف من يموّل هذه القناة؟". قلت إنني لا أملك معلومات موثقة عن تفاصيل التمويل، لكنني أعرف خطاب القناة ومن يديرها، وأعرف أن غسان بن جدو عروبي محب لمصر، يتمنى عودتها إلى موقعها الطبيعي في قيادة الأمة ومواجهة المخططات الأميركية والصهيونية.

قال إن التمويل إيراني، ثم أوضح أن اعتراضه لا يقف عند مصدر المال، بل يتصل بما يراه مشروعًا إيرانيًا للتمدد السياسي. ففي تقديره، بنت طهران جانبًا واسعًا من نفوذها في العراق عبر تسييس المذهب الشيعي وربط قوى وقيادات عراقية بمرجعية "ولاية الفقيه"؛ وهو ما قال إنه أدرك أبعاده خلال عمله في السفارة المصرية ببغداد بعد الاحتلال الأميركي، ومن خلال لقاءاته بعدد كبير من القيادات العراقية، السنّية والشيعية على السواء.

وأضاف أن الخشية تكمن في محاولة نقل هذا النموذج إلى مصر، واستثمار محبة المصريين المتجذرة لآل البيت بوصفها مدخلًا للتأثير في المجتمع وإعادة تشكيل بعض توجهاته؛ ولذلك، رأى أنه لا يجوز إتاحة المجال أمام القوى المرتبطة بهذا المشروع للعمل داخل مصر. أجبته بأن محبة المصريين لآل البيت ليست ثغرة مذهبية، بل هي جزء أصيل من تكوينهم الديني والحضاري، وأن التحسب لأي نفوذ خارجي مشروع، لكنه لا يبرر محاكمة وسيلة إعلام استنادًا إلى هوية مموّل مفترض. فالقناة تُقاس بما تقدمه، وبصدقية أخبارها وحرفية مراسليها؛ وحتى لو صح وجود دعم إيراني، فليس دعم مشروع إعلامي منحاز إلى المقاومة ومعادٍ للمشروع الصهيوني جريمة.

كما أن تجربته العراقية، بما كشفت له من تداخل بين الديني والسياسي والوطني والإقليمي، كان ينبغي أن تدفع إلى التمييز بين المذهب وأتباعه، وبين توظيفه في مشروع سياسي، وألا تُختزل قناة عربية في الجهة التي يُظن أنها تقف وراء تمويلها.

عندها بدا لي أن الحقيبة لم تكن هي القضية، بل البوصلة التي تحملها الكاميرا. كانت الواقعة صورة مبكرة للمعركة التي ستلاحق "الميادين": محاكمتها وفق هوية الممول المفترض، لا وفق ما تعرضه؛ وإدانتها بسبب موقفها السياسي، لا بسبب صدقية خبرها أو كفاءة مراسلها. أُفرج عن الحقيبة في النهاية، وأنجز فراس مهمته باقتدار، فغطى الانتخابات الرئاسية المصرية والسورية المتزامنة، وقدم فيلمه الوثائقي "نجمتان".

وللمفارقة، كان فراس نفسه وراء ظهوري الأول على شاشة "الميادين"، خلال زيارة لبيروت عام 2017، ضيفًا في "آخر طبعة". ثم شاركت في برامج سياسية أخرى، وأكثر من مرة في "على محمل الجدّ" للكاتب والمثقف الموسوعي بيار أبي صعب؛ وهو برنامج أعاد إلى الحوار السياسي والفكري جديته، وجعل الثقافة في صلب النقاش العام لا هامشًا تزيينيًا.

وفي الفترة نفسها تقريبًا بدأت الكتابة في "الميادين نت". توقفت لأسباب لا مجال لذكرها، ثم عدت بانتظام في ظل إشراف الصديق محمد فرج، وما زلت أكتب فيها بحماسة تفوق حماستي للظهور؛ فالكتابة بيتي الأول، ومساحة استكمال الفكرة بعيدًا من سطوة الوقت وضجيج الاستديو.

قناةٌ وُلدت لأن الزمن كان يحتاجها

لم تكن واقعة المطار تفصيلًا معزولًا؛ بل تكثيفًا للزمن الذي وُلدت فيه القناة. خرجت "الميادين" إلى الهواء في الحادي عشر من حزيران/يونيو 2012، والمنطقة في منعطف بالغ التعقيد: اختلطت مطالب الشعوب بمشروعات التدخل الخارجي، وتحولت ساحات عربية إلى ميادين لتصفية الحسابات، ثم جاء "داعش" وأخواته فضرب الإرهاب والتفكيك سوريا والعراق، قبل طوفان الأقصى وحرب الإبادة على غزة وجبهة الإسناد اللبنانية والعدوان على إيران.

لم تكن المعركة بين خبر صحيح وآخر كاذب فحسب، بل بين سرديتين: واحدة تقدم المشروع الصهيوني قدرًا لا يُرد، والهيمنة الأميركية نظامًا طبيعيًا؛ وأخرى ترى شعوب المنطقة فاعلةً في التاريخ، لها حق المقاومة والتحرر وصوغ مستقبلها. وهنا اختارت "الميادين" موقعها بلا مواربة.

لم تتخفَّ القناة خلف حياد زائف يساوي بين المحتل وصاحب الأرض، أو بين القاتل ومن يدافع عن حياته. سمّت الاحتلال احتلالًا، والمقاومة حقًا، والتطبيع تنازلًا عن حق الأمة وذاكرتها. ومنحت قوى المقاومة حق أن تشرح نفسها خارج محاكم الخصم وقواميسه؛ وفتحت نافذتها على كوبا وفنزويلا وبوليفيا وسائر القوى الثورية والتحررية في أميركا اللاتينية وعالم الجنوب.

وهذا الانحياز لا يناقض المهنية، بل يمنحها معناها الأخلاقي: الدقة في الخبر، والأمانة في الصورة، والصرامة في التحقق، والوضوح في الموقف. أما أسوأ الانحيازات فهو ما يتخفى في ثياب الحياد ويكرر رواية القوة المهيمنة. ومن هنا كانت "الميادين" ضرورةً إعلامية، لا مجرد شاشة إضافية.

وجوهٌ وبرامج صنعت ذاكرة الشاشة

لكن الموقف، مهما كان نبيلًا، لا يصنع قناة ناجحة وحده؛ لا بد من معرفة وحرفة ووجوه تمنح الفكرة حياةً. وخلال أربعة عشر عامًا، قدمت "الميادين" برامج صارت علامات في الإعلام العربي؛ بعضها حاضر، وبعضها توقف لكن أثره بقي في ذاكرة المشاهد وطريقة قراءته للحدث.

كان "لعبة الأمم" لسامي كليب أكثر من برنامج حواري؛ كان مختبرًا للسياسة الدولية، يفكك الاستراتيجيات ويذهب إلى ما وراء تصريحات المسؤولين. وفي "بيت القصيد"، منح الشاعر والإعلامي المثقف زاهي وهبي الثقافة مكانتها بوصفها إحدى جبهات المقاومة وحفظ الهوية. أما ريحان يونان، فأعطت برنامج "مترو" حساسية اجتماعية وجمالية خاصة؛ شاشة تنزل إلى الناس، تستمع إليهم، وتلتقط ما تهمله نشرات السياسة الصاخبة.

وقدم غسان الشامي في "أجراس المشرق" قراءة حضارية عميقة لتاريخ المشرق وتنوعه، فيما جعل يحيى أبو زكريا من "ألف لام ميم" مساحةً للأسئلة الفكرية الكبرى، وللمواجهة مع التطرف والتزييف والغزو الثقافي.

وفي قلب التغطية السياسية برزت راميا الإبراهيم بثقافتها العروبية، وعمق وعيها، وقدرتها على إدارة حوار لا يكتفي بسطح الحدث. ويأتي توليها، من طهران، إدارة ملف "الحوار العربي الإيراني" الذي ما يزال قائمًا، امتدادًا طبيعيًا لهذا التميز والعمق؛ فهي تديره باقتدار وحرفية، وتعرف كيف تطرح السؤال الحساس من دون افتعال، وكيف تنصت إلى الإجابة من دون أن تتخلى عن حقها في المساءلة.

وللقناة هنا فضل المبادرة أيضًا. ففي توقيت مثقل بالحرب والشكوك ومحاولات دفع العرب وإيران إلى قطيعة دائمة، اختارت "الميادين" أن تفتح هذا الملف من طهران بكل شفافية وجرأة: لا لتجميل الخلافات أو إنتاج مجاملات، بل لوضع الهواجس المتبادلة على الطاولة، وفهم جذورها، والبحث عن الممكن في إقليم يدفع ثمن الانقسام. وهذه المكاشفة، في ذاتها، قيمة مضافة إلى أداء القناة وإلى وظيفة الإعلام العربي.

وبرزت مايا رزق بهدوئها وتمكنها وقدرتها على تفكيك خطاب الكيان الصهيوني من داخله، ثم الانفتاح على قضايا عالم الجنوب. وإلى جانبها جيل شاب يحمل الشعلة بثقة: آلاء ترشيشي، التي تجمع بين الحضور والإعداد المعرفي الجاد؛ ومروان الخطيب، ابن المناضل والقائد الفلسطيني الصديق محمد عدلي الخطيب "أبو فاخر"؛ وبيسان طرّاف، التي بدأت عملها مراسلةً للقناة من بيروت والجنوب، قبل أن تنتقل إلى طهران، حيث تنقل صورة مجتمع لا تختزله الدعاية الغربية في العقوبات والحروب.

ومن فلسطين، كان مدير مكتب القناة ناصر اللحام، الكاتب والمحلل السياسي الذي يعرف الاحتلال من داخله ويفكك لغته، حتى دفع ثمن كلمته اعتقالًا وملاحقة. وكانت هناء محاميد ونسرين سلمي تنقلان الأرض المحتلة حياةً يومية تحت الاقتحام والاعتقال والتهديد. وظلت هناء، بعد إصابتها وما تعرضت له من تحريض وترهيب، واقفةً أمام الكاميرا، كأنها تقول إن الصحافي الفلسطيني لا ينقل الحكاية من خارجها؛ إنه أحد أبطالها.

ولا تكتمل صورة فلسطين في "الميادين" من دون تحية خاصة إلى مراسليها في غزة: أكرم دلول، ومحمود العوضية، وأحمد غانم، وإلى المصورين والطواقم الذين يعملون معهم تحت النار والحصار والجوع. إنهم ينقلون الخبر فيما بيوتهم وأهلهم وأجسادهم جزء من مسرحه، ويمنحون العالم صورة حية عن شعب يقاوم الإبادة بالصمود، وعن صحافة تحرس الحقيقة بآخر ما تملك.

ولا يكتمل إنصاف التجربة بالأسماء التي اتسع المقام لذكرها؛ فإلى جانبها جيش من الإعلاميين والمراسلين والمحررين والمنتجين والمخرجين والفنيين، بعضهم أمام الكاميرا وأكثرهم وراءها، لكن بصماتهم حاضرة في كل خبر وصورة وبثّ يصل إلى المشاهد.

حين دفعت "الميادين" من دمها

كان طبيعيًا أن يستهدف الاحتلال الصهيوني قناةً نزعت عنه احتكار الرواية. لم يكتفِ بحظرها ومصادرة معداتها وملاحقة مراسليها؛ فقد أدرك أن الكاميرا التي تكشف الجريمة تهزم جانبًا من غايتها، وأن الصوت الذي يمنح الضحية اسمًا وذاكرةً يحول دون دفنها في رقم.

وكانت فاطمة فتوني، "زهرة الميادين"، أحدث شهيدات "الميادين"، وآخر ما دفعته القناة من دمها حتى كتابة هذه السطور، بعدما استهدفها العدوان الصهيوني في جنوب لبنان. لم تكن فاطمة مجرد مراسلة تنقل الخبر من الميدان؛ كانت ابنةً للميدان وصوتًا له، وصارت بدمها شاهدًا على أن الصحافة التي تفضح الجريمة قد تتحول، في نظر المجرم، إلى هدف يجب إسكاتُه.

ثباتٌ يستحق الوفاء ويصنع المستقبل

وعلى امتداد أربعة عشر عامًا، لم تصنع "الميادين" مكانتها بالصخب، بل بوضوح البوصلة ومعرفة الموقع. اجتازت الحروب والحصار والحظر والتشويه والاستهداف من دون أن تفقد فلسطين بوصفها معيارًا أخلاقيًا، ولا العروبة بوصفها أفقًا جامعًا، ولا عالم الجنوب بوصفه شريكًا في مقاومة الهيمنة. وحين اهتزت شاشات كثيرة تحت ضغط السياسة والمال، بقيت بوصلتها واضحة.

والوفاء الحقيقي لهذه التجربة لا يُختزَل في التصفيق، بل في صون أسباب قوتها: أن تحرس انحيازها بالمعرفة والتدقيق والنقد الذاتي، وأن تبقي أبواب الاجتهاد وتنوع الرأي مفتوحة داخل الخندق الوطني الواحد، وأن تواصل تجديد أدواتها وإفساح الطريق لأجيال جديدة. فالقناة التي قاومت الرواية المهيمنة جديرة بأن تظل قلقةً أمام نجاحها، متقدمةً على نفسها، لا مكتفيةً بما أنجزت.

تحية بحجم الإنجاز إلى الأستاذ غسان بن جدو، الذي حمل الفكرة في زمن الانقسام وحوّلها إلى مؤسسة، وإلى كل من شاركه البناء، وإلى أجيال الإعلاميين والكتاب والمراسلين الذين جعلوا من الشاشة مساحةً للمعرفة والمقاومة معًا. ولعل الإنجاز الأعمق أن "الميادين" منحت جمهورًا عربيًا واسعًا حقه في رؤية العالم من خارج عدسة القوة المهيمنة، وأعادت إلى الخبر العربي شيئًا من سيادته المسلوبة.

في ذكراها الرابعة عشرة، لا أقول لـ"الميادين" كل عام وأنتِ بخير فحسب؛ بل كل عام وأنتِ أكثر شبابًا وقدرةً على حمل أمانة الكلمة، وأكثر وفاءً لفلسطين ولدماء شهدائك، وأرحب بتنوع أمتنا وقواها الحية. سلامٌ على شهدائك، وعلى كل صوت لم ينحنِ، وكل عدسة بقيت مفتوحةً حين أراد القاتل إطفاء الضوء.

فـ"الميادين" ليست اسم قناة فحسب؛ إنها صيغة جمع لكل ميدان يقاوم الاحتلال والاستعمار والتبعية، ولكل صوت يرفض أن تُكتب هزيمة الشعوب في غرف الأخبار. وتلك هي معركة الغد؛ لأن مستقبل الأمة لن يبدأ إلا حين تستعيد حقها في أن ترى نفسها بعينيها، وتكتب تاريخها بصوتها، لا كما يريد المحتل أن تُرى وتُروى.