أدلجة الدبلوماسية الأميركية.. المخاطر والمآلات!

هل السفير الأميركي مبعوث دبلوماسي لإدارة المصالح الأميركية أم أنه يحمل رسالة أيديولوجية تدعم الصهيونية، ويتماهى مع رؤية توسعية تتبناها حكومة يمينية في "إسرائيل" وتعلنها صراحة؟ 

0:00
  •  تصريحات هاكابي أدلجة حقيقية للدبلوماسية الأميركية.
    تصريحات هاكابي أدلجة حقيقية للدبلوماسية الأميركية.

أثارت مواقف وتصريحات صدرت مؤخراً عن السفير الأميركي في "إسرائيل" مايك هاكابي جدلاً واسعاً حول حدود الدور الدبلوماسي للسفراء الأميركيين، ومن الواضح في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب أن الدبلوماسية لم تعد مجرد أداة لإدارة المصالح أو قناة للحوار، بل باتت امتداداً مباشراً للخطاب الأيديولوجي الداخلي في أميركا، وحين يصرّح السفير هاكابي وهو شخصية محسوبة سياسياً على الرئيس ترامب ومعروف بانتمائه الفكري الأيديولوجي المتطرف، فالسؤال هنا لم يعد متعلقاً بالدور الدبلوماسي بل بطبيعة الرسالة التي يحملها سياسياً وإعلامياً. 

تصريحات السفير هاكابي الأخيرة رغم تبريرها، لم تكن تصريحات عابرة بل كشفت عن توجّه سياسي أيديولوجي متماهٍ مع رؤية يمينية دينية إسرائيلية متطرفة تتقاطع مع خطاب داخلي أميركي أكثر مما تعكس خطاباً دبلوماسياً لم يأخذ في الحسبان تعقيدات الإقليم والمنطقة.

خطورة هذه التحولات لا تكمن في مضمون التصريحات وحدها بل في إعادة تعريف مفهوم الدبلوماسية الأميركية في عهد الرئيس ترامب، من مهنة ذات بروتوكول دبلوماسي إلى أداة ولاء سياسي وتعبئة أيديولوجية غير مسبوقة، وهذه التصريحات تكشف عن حقيقة التعيينات المقصودة في كثير من المواقع الحساسة التي قامت بها إدارة الرئيس ترامب في ولايته الحالية. 

السفير مايك هاكابي معروف بانتمائه إلى التيار الإنجيلي ودعمه الصريح لرؤية الصهيونية الدينية في "إسرائيل"، والمشهد هنا بات مختلفاً تماماً فتصريحاته بشأن حق "إسرائيل الكبرى" في تحقيق هذا الحلم لم تقرأ في المنطقة العربية على أنها رأي شخصي بل إشارة سياسية تحمل دلالات أميركية، إذ إن السفير لا يمثل شخصه بل يمثل دولته وسياستها بكل نفوذها القانوني والسياسي، وهو ما فسّر عربياً بأن هناك غطاء أميركياً لهذا المشروع الذي تحدث عنه هاكابي. 

ثمة سؤال يطرح نفسه في هذا السياق، هل السفير الأميركي مبعوث دبلوماسي لإدارة المصالح الأميركية أم أنه يحمل رسالة أيديولوجية تدعم الصهيونية الدينية، ويتماهى مع رؤية توسعية تتبناها حكومة يمينية في "إسرائيل" وتعلنها صراحة أنها ستحقق هذا المشروع؟ 

هذه التصريحات وضعت الولايات المتحدة مجدداً في موقع الاصطفاف الكامل إلى جانب مشروع "إسرائيل" في المنطقة، بل ويقوّض ويكشف أي ادعاء لها بدور الوسيط أو الراعي لأي عملية سياسية في المنطقة، إذ لا يمكن فهم هذه التحولات والتصريحات بمعزل عن السياق الأميركي الداخلي للرئيس الأميركي ترامب الذي اعتمد في جزء مهم وكبير من قاعدته الانتخابية الأخيرة على التيار الإنجيلي الذي يرى في دعم "إسرائيل" المطلق وفق سردية دينية متطرفة جزءاً من عقيدته السياسية. 

من هذا المنظور تتحوّل الشخصيات الدبلوماسية مثل خطاب هاكابي والتي تحمل رسائل داخلية إلى أدوات خارجية، وتصريحات هاكابي لا تخاطب "تل أبيب" فقط بل تخاطب القاعدة الأميركية الداخلية، التي يود من خلالها التأكيد على استمرار الالتزام بالرؤية الأيديولوجية المعروفة لدى هذه القاعدة. 

في هذا السياق، يكمن الخلط الخطير بين السياسة الخارجية كحقل لإدارة العلاقات والتوازنات الدولية وبين السياسة الداخلية واستخدامها كمساحة تعبئة، وعندما تتداخل الحقول والمواقف يصبح الخطاب الدبلوماسي مشبعاً بلغة أيديولوجية تفقد معه الولايات المتحدة الأميركية جزءاً كبيراً من صورتها كقوة تحكمها اعتبارات إستراتيجية طويلة المدى. 

ثمة سؤال مهم هنا، ماذا عن الدور العربي إزاء هذه التصريحات الواضحة والصريحة التي تمس سيادة هذه الدول ووحدة أراضيها، فالمواقف العربية لم تتعدَ بيانات الإدانة والشجب والاحتجاجات الشكلية والمحدودة، ولم ترتقِ إلى مستوى الضغط السياسي الحقيقي المؤثر، ولم تترجم إلى خطوات دبلوماسية حاسمة يمكن أن تعيد ضبط إيقاع الخطاب بينها وبين الإدارة الأميركية و"إسرائيل" على غرار المواقف الأوروبية التي كانت أكثر صرامة ووضوحاً في هذا السياق. 

 المواقف العربية في هذا المسار تفتح الباب واسعاً لتساؤل مهم، حول طبيعة العلاقات العربية-الأميركية، وحدود الاعتماد السياسي والاقتصادي، ومدى قدرة النظام العربي الرسمي على الدفاع عن مفهوم السيادة ووحدة أراضيها بالمعنى الحقيقي والفعلي. 

وبالتالي، كان غياب ردود الفعل الحازمة يعزز الانطباع بأن الخطاب التوسعي الأيديولوجي يمكن أن يمر في أي مرحلة قادمة من دون تكلفة حقيقية ما يشجع على تكرار مثل هذه التصريحات، ويمنحها شرعية ضمنية ويدفع باتجاه البدء بتنفيذ خطوات عملية حقيقية تعزز فكرة مشروع "إسرائيل الكبرى" في المنطقة.

أقل ما يمكن أن توصف به تصريحات هاكابي بأنها أدلجة حقيقية للدبلوماسية الأميركية لم تحدث من قبل، أي إخضاعها لرؤية فكرية بدلاً من تركها في إطارها الطبيعي، ومثل هذه الأدلجة تحمل مخاطر إستراتيجية بعيدة المدى، تتمثل في أنها تعمل على تقويض صورة الإدارة الأميركية كوسيط نزيه في المنطقة، ويجعل من دورها كوسيط في أي صراع على المحك في ظل تبني هذا الخطاب المنحاز والسافر بشكل واضح وصريح إلى "إسرائيل" رغم محاولات تبريره، كما أن مثل هذه التصريحات تصبّ في خانة تعميق الاستقطاب الإقليمي ما يدفع نحو خيارات أكثر حدة في التعامل مع قضايا الصراع في المنطقة، وهذا يجعل المشهد في ظل ظل استمرار الانحياز الأميركي لهذا النهج يأخذنا إلى مآلات عدة:-

الأول: تآكل الثقة الدولية بالدبلوماسية الأميركية، ما يجعل دولاً عديدة أكثر حذراً في التعامل مع أي مبادرة سياسية أميركية خشية من أن تكون مغطاة بخطاب أيديولوجي غير معلن، وهنا من المهم استحضار خطة الرئيس ترامب الأخيرة لوقف الحرب على غزة في ظل بدء اليمين الإسرائيلي بضم الضفة الغربية المحتلة تحت السيادة والسيطرة الإسرائيلية الكاملة ما يقابله صمت أو تصريحات أميركية خجولة. 

الثاني: خطاب كهذا قد يدفع بعض الدول إلى البحث عن توازنات جديدة في المنطقة سواء عبر تنويع التحالفات الدولية أو تعزيز العلاقات مع قوى أخرى يمكن أن تشكل تكتلات تقف في وجه الطموح أو الخطاب الأيديولوجي الداعم لـ"إسرائيل". 

الثالث: تعزيز مثل هذا الخطاب الأيديولوجي يغلق أي أفق أمام أي وساطة يمكن أن تقدم على المسرح السياسي في المنطقة، ويعمل على تعزيز مشاريع التيارات المتشددة باعتبار أن المسار السياسي فقد مصداقيته. 

الرابع: التحوّل من الدبلوماسية المعروفة إلى الخطاب الأيديولوجي خلق فجوة سريعة داخل المؤسسة الأميركية وبين التيار السياسي بقيادة الرئيس ترامب، لهذا سارع ترامب ومسؤولون في إدارته إلى تبرير مثل هذه التصريحات وتمييعها على المستوى السياسي. 

من الواضح أن الدبلوماسية في عهد الرئيس ترامب باتت ساحة للخطاب الأيديولوجي وهذا ما عبّر عنه السفير هاكابي بكل وضوح، إذ إن تحويل السفارة إلى منبر أيديولوجي وضع الإدارة الأميركية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على الفصل بين الخطاب الداخلي لقاعدتها وبين الممارسة الخارجية والسياسة الخارجية الأميركية وهذا ما يبقي السؤال مفتوحاً، هل ستحافظ الإدارة الأميركية على سياستها المعروفة دبلوماسياً أم أن الأدلجة ستصبح سمة بنيوية في سياستها الخارجية في عهد الرئيس الأميركي من الآن فصاعداً؟ والإجابة عن هذا السؤال لن يحددها فقط مستقبل العلاقات الأميركية- العربية بل شكل التوازنات الدولية في مرحلة تتسم أصلاً بقدر عال من التعقيدات الكبيرة والتحديات الجمة.

بتصريحات السفير هاكابي تتجلى صورة أدلجة الدبلوماسية الأميركية في انحيازها من موقع الوسيط المعروف إلى الشريك الأمني والسياسي المنحاز بصورة مطلقة لـ"إسرائيل"، خصوصاً في ظل حكم اليمين القومي والديني داخلها وتلاقيه مع تيارات يمينية في الولايات المتحدة الأميركية. 

هذا التلاقي يعيد تعريف أولويات السياسة الخارجية الأميركية من منظور أيديولوجي قائم على اعتبارات عقائدية أكثر من كونه محكوماً بمبادئ القانون الدولي أو توازنات الاستقرار الإقليمي، ونتيجة لذلك تتسع مظلة الدعم السياسي والعسكري للمشاريع الإسرائيلية ذات الطابع التوسعي بما يشمل تقويض فرص الحلول السياسية وتعميق واقع الضم والتهجير. 

خطورة هذا المسار الذي تحدث به السفير هاكابي لا تكمن فقط في إدامة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بل في إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي على قاعدة الاستقطاب الحاد، وهذا ما يهدد بإشعال مزيد من الصراعات في المنطقة بين "إسرائيل" ودول عربية تطمح "إسرائيل" في التوسع داخلها والسيطرة على أراضيها تحقيقاً لمشروع "إسرائيل الكبرى".