أحداث الساحل السوري: التغيير الديمغرافي والصراع على الغاز
ترى تركيا أن الحماية الروسية للعلويين في الساحل تقوض جهود الحكومة الانتقالية في دمشق لإثبات قدرتها على فرض الأمن والعدالة، وتكرس فكرة "الكانتونات" المحمية دولياً.
-
الساحل السوري والتنافس التركي-الإسرائيلي على غاز المتوسط.
مع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وُجهت اتهامات إلى تركيا بدعم فصائل مسلحة ارتكبت انتهاكات ومجازر بحق العلويين في مناطق الساحل (اللاذقية وطرطوس) وحماة.
شاركت فصائل مدعومة من تركيا، مثل "فرقة السلطان سليمان شاه"، في عمليات قُتل فيها مئات المدنيين العلويين عام 2025. تعد تركيا الراعي الأساسي للحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع، وتواجه دعوات دولية لاستخدام نفوذها لمنع استمرار هذه الأحداث وضمان حماية الأقليات.
أما الدور الإسرائيلي، فيتسم بالبراغماتية ومحاولة استغلال التوازنات الطائفية لتأمين مصالحه ورؤية سوريا ضعيفة ومقسمة، وهو ما قد يتعارض مع رغبة تركيا في دولة مركزية مستقرة.
لكن مع تصاعد التقارير عن مجازر بحق العلويين، برزت دعوات إسرائيلية تطالب بحماية الأقليات، وهي خطوة يراها البعض محاولة لإحراج تركيا دولياً وتصويرها كمسؤولة عن المجازر بحق العلويين، في الوقت الذي تواصل "إسرائيل" عملياتها العسكرية في الداخل السوري بهدف إقامة مناطق عازلة ومواجهة النفوذ التركي المتزايد، وخصوصاً مع مخاوفها من تحول سوريا إلى قاعدة نفوذ "سني راديكالي" مدعوم من أنقرة.
أصبحت سوريا ساحة لصراع نفوذ مباشر بين تركيا و"إسرائيل" التي تتدخل عسكرياً وتدعم قوى محلية مثل الدروز. وبينما تُتهم الفصائل المدعومة تركياً بارتكاب انتهاكات طائفية، تستخدم "إسرائيل" ملف حماية الأقليات (بمن فيهم العلويون) كورقة سياسية لشرعنة تدخلها العسكري.
الساحل السوري والتنافس التركي-الإسرائيلي على غاز المتوسط
شهد عام 2025 موجات نزوح قسري ومجازر في مناطق جبلة وبانياس وريف اللاذقية، وهي مناطق استراتيجية تطل مباشرة على مكامن الغاز المحتملة. اعتبر مراقبون أن عمليات "التطهير" هذه تهدف إلى إنهاء الوجود السكاني المرتبط بالنظام السابق لضمان سلاسة تنفيذ المشاريع الطاقوية الجديدة مع الشركات التركية أو الدولية.
ارتبط تهجير العلويين بمحاولة خلق واقع ديمغرافي جديد يسهل عملية منح امتيازات التنقيب لشركات محددة مثل الشركات التركية أو شركات أميركية مثل "كونوكو فيليبس" التي وقعت مذكرات تفاهم مع الحكومة الجديدة في دمشق، فبرزت الثروة الغازية كواحد من المحركات غير المعلنة للصراع في الساحل السوري، إذ تداخلت طموحات الدول الإقليمية مع عمليات التغيير الديمغرافي التي طالت الطائفة العلوية.
تسعى تركيا لترسيخ نفوذها في الساحل السوري لتأمين حقوق التنقيب في شرق المتوسط. في ديسمبر 2025، أعلن وزير الطاقة التركي عن خطط لتوقيع اتفاقية تنقيب عن الغاز والنفط قبالة السواحل السورية عام 2026. هذا الاتفاق يتطلب بيئة مستقرة وموالية في اللاذقية وطرطوس، ما يفسر الدعم التركي للفصائل التي سيطرت على هذه المناطق.
الاستراتيجية التركية تجاه العلويين في الساحل السوري محكومة بمزيج من "المخاوف الجيوسياسية" و"الطموحات الاقتصادية"، وتتركز الدوافع التركية في نقطتين أساسيتين:
تخشى تركيا بشدة تحول الساحل السوري إلى كيان علوي مستقل أو منطقة حكم ذاتي كتهديد مشابه للإدارة الذاتية الكردية في الشمال والشمال الشرقي.
تخشى أنقرة أن يشجع وجود كيان علوي مستقل مطالبة الملايين العلويين الأتراك بحقوق انفصالية داخل تركيا نفسها، وخصوصاً في لواء إسكندرون (هاتاي). تهدف تركيا إلى كسر السطوة الأمنية والعسكرية التي تمتع بها العلويون لعقود تحت حكم نظام الأسد، واستبدالها بنظام أمني جديد تحت إشرافها المباشر.
شهد عام 2025 عمليات توطين لمجموعات وافدة من مناطق أخرى في قرى ساحلية علوية، بهدف إضعاف الكتلة السكانية العلوية ومنعها من تشكيل "ثقل سياسي" في المستقبل.
تعتبر تركيا أن "إسرائيل" هي المستفيد الأول من تفتيت سوريا إلى دويلات طائفية (علوية، درزية، كردية)، وهو ما تعتبره تركيا محاولة لمحاصرتها من الجنوب، فيما ترى "إسرائيل" في التمدد التركي نحو غاز الساحل السوري تهديداً لمصالحها في حقول "لوفياثان" و"تمار".
لذا، سعت "إسرائيل" (حتى مطلع 2026) إلى دعم قوى محلية أو إثارة ملف "حماية الأقليات" لعرقلة السيطرة التركية الكاملة على الساحل ومنع تحوله إلى منطقة اقتصادية خالصة لأنقرة.
السيطرة على الساحل تعني التحكم في محطات معالجة الغاز وموانئ التصدير (طرطوس وبانياس)، وهو ما جعل من إخلاء هذه المناطق من العلويين أولوية أمنية واقتصادية. تهجير العلويين ليس مجرد عمل انتقامي طائفي، بل هو جزء من استراتيجية أوسع لتأمين "سوريا المفيدة" اقتصادياً، إذ يعتبر الغاز المحرك الرئيسي لإعادة إعمار الدولة تحت النفوذ الإقليمي الجديد.
الدور والمصالح الروسية في الساحل الروسي
تحول الدور الروسي من "الداعم للنظام السابق إلى "اللاعب البراغماتي" الذي يحاول الحفاظ على مصالحه الاستراتيجية مع السلطة الجديدة في دمشق، مع أداء دور محدود في حماية الأقليات خلال ذروة المجازر والانتهاكات التي طالت الطائفة العلوية. في ربيع عام 2025، فتحت القوات الروسية أبواب قاعدة حميميم العسكرية لاستقبال النازحين. قدمت روسيا لعدد كبير من الذين احتموا بقواعدها مساعدات إيوائية وطبية طارئة.
وكانت روسيا قد تبنت خطاباً حاداً في اجتماعات مجلس الأمن الدولي المغلقة (مارس 2025)، إذ وصفت المجازر التي تعرض لها العلويون في الساحل بأنها تشبه "إبادة رواندا"، لكن رغم انتقاداتها، واصلت التنسيق مع الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع لضمان بقاء قواعدها العسكرية في طرطوس وحميميم، معتبرة أن استقرار الساحل ضروري لأمنها القومي.
وكانت مقاتلات روسية قد نفذت طلعات جوية فوق مناطق الصراع في الساحل لمنع الفصائل من التقدم نحو مراكز المدن الكبرى (اللاذقية وطرطوس)، ما اعتبره مراقبون "خطاً أحمر" لحماية قواعدها والسكان المحيطين بها. رعت روسيا تفاهمات بين وجهاء علويين والسلطة الجديدة لضمان عودة النازحين إلى قراهم مقابل "نزع السلاح الكامل" والولاء للإدارة الجديدة.
الأولوية الروسية هي الحفاظ على عقد إيجار قاعدتي طرطوس وحميميم لمدة 49 عاماً.
تستخدم روسيا ملف "المجازر" كورقة ضغط للحصول على تنازلات اقتصادية من دمشق، وخصوصاً في قطاعي الغاز والفوسفات، وتصوير نفسها كضامن وحيد لمنع تحول سوريا إلى صراع طائفي شامل.
الدور الروسي عام 2026 يمكن أن يأخذ شكل "التفاوض باسم العلويين لتأمين موطئ قدم دائم في المتوسط، مكتفياً بتقديم حماية رمزية وإنسانية دون الدخول في مواجهة عسكرية واسعة مع الفصائل المسيطرة.
تفضل "إسرائيل" استمرار وجود القواعد الروسية (طرطوس وحميميم) كقوة موازنة تمنع تحول الساحل السوري إلى قاعدة نفوذ تركية خالصة، وتضغط "تل أبيب" على واشنطن لضمان بقاء هذه القواعد لـ "احتواء طموحات أنقرة".
ترى "إسرائيل" أن الحماية الروسية للعلويين تمنع حدوث انهيار ديمغرافي شامل قد يؤدي إلى موجات لجوء وتطرف سني "راديكالي" على حدودها، ما يجعل الدور الروسي "عامل استقرار" برغم الخصومة التقليدية.
تعتبر "تل أبيب" أن روسيا هي الطرف الوحيد القادر على "لجم" أي تصعيد طائفي قد يمتد أثره الإقليمي، كما تستخدم القنوات الروسية للتوسط سراً مع السلطة الجديدة في دمشق للتوصل إلى اتفاقات أمنية.
تعد تركيا الوجود الروسي في الساحل عائقاً أمام طموحاتها الكاملة في الهيمنة على الملف السوري وشرق المتوسط.
اتهمت أوساط تركية موسكو باستغلال "فوضى الساحل" والمجازر التي وقعت في 2025 لإعادة فرض نفوذها وتصوير نفسها كـ "حامية وحيدة" للأقليات، وذلك لإحراج السلطة الجديدة المدعومة من تركيا. ترى تركيا أن الحماية الروسية للعلويين في الساحل تقوض جهود الحكومة الانتقالية في دمشق لإثبات قدرتها على فرض الأمن والعدالة، وتكرس فكرة "الكانتونات" المحمية دولياً.
تفضّل "إسرائيل" استمرار وجود القواعد الروسية (طرطوس وحميميم) كقوة موازنة تمنع تحول الساحل السوري إلى قاعدة نفوذ تركية وتضغط "تل أبيب" على واشنطن لضمان بقاء هذه القواعد لـ "احتواء طموحات أنقرة".
ترى "إسرائيل" أن الحماية الروسية للعلويين تمنع حدوث انهيار ديمغرافي شامل قد يؤدي إلى موجات لجوء وتطرف سني "راديكالي" على حدودها، ما يجعل الدور الروسي "عامل استقرار" برغم الخصومة التقليدية.
ترى "إسرائيل" أن روسيا هي الطرف الوحيد القادر على "لجم" أي تصعيد طائفي قد يمتد أثره الإقليمي، كما تستخدم القنوات الروسية للتوسط سراً مع السلطة الجديدة في دمشق للتوصل إلى اتفاقات أمنية.