آفاق التوجهات اليابانية نحو توسيع الصادرات العسكرية

على الرغم من خطوات طوكيو المتسارعة نحو توسيع صادراتها العسكرية، فإنه من المرجح أن يظل تصدير الأسلحة اليابانية الفتاكة محدودًا، باستثناء جزئي للصادرات إلى الولايات المتحدة.

  • اليابلن.. مسار طويل من محاولات تخفيف قيود التصدير.
    اليابان.. مسار طويل من محاولات تخفيف قيود التصدير.

في ظلال التصعيد الأميركي الحالي في منطقة الشرق الأوسط، باتت دول عدة في نطاق منطقة الإندوباسيفيك، تستشعر إمكانية انتقال نتائج هذا التصعيد، إلى ملفات أساسية في هذا النطاق الجغرافي الهام، الذي صنفته واشنطن ضمن استراتيجية الدفاع الوطني المعلنة حديثاً، كأحد أهم المسارح الإستراتيجية الهامة بالنسبة إلى المصالح الأميركية، خلف الأراضي الأميركية، ونصف الكرة الأرضية الغربي.

حقيقة الأمر أن اليابان، تعدّ من أهم الدول الآسيوية، التي بدأت خلال الأعوام الأخيرة في محاولة استكشاف فرص جديدة على المستوى الدفاعي، لتحقيق هدفين أساسيين، يكمن الأول في التقليل - قدر الإمكان - من الاعتماد على واشنطن في المجال الدفاعي، أما الثاني فيرتبط باعتبارات استراتيجية واقتصادية تستهدف معادلة ميزان القوى العسكرية في المنطقة، وتحقيق فوائد مالية فيما يرتبط بالصادرات العسكرية.

هذا التوجه شرعت فيه بشكل موسع ومتسارع، حكومة رئيسة الوزراء اليابانية الحالية، سناء تاكايتشي، منذ تكوينها في تشرين الأول/أكتوبر 2025، عبر سلسلة من الإجراءات التي تستهدف تخفيف ثم إنهاء القيود المفروضة منذ عقود على صادرات الأسلحة اليابانية، وهي قيود كانت أحد عناصر سلسلة  الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأميركية ضد القوة العسكرية اليابانية، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

مسار طويل من محاولات تخفيف قيود التصدير

بشكل عام، كانت القيود المفروضة على صادرات الأسلحة اليابانية، تتسم بأنها "ثنائية الاتجاه"، إذ كانت واشنطن من جانبها - بطبيعة الحال - تفرض قيوداً مشددة على التسلح الياباني بشكل عام، وكذلك على أي محاولات لتصدير الأسلحة اليابانية، في حين كانت الحكومة اليابانية قد فرضت عام 1967، سلسلة من مبادئ تقييد التصدير العسكري، وضعت قيوداً صارمة على تصدير الأسلحة اليابانية إلى ثلاثة أنواع من الدول، الأول هو الدول الخاضعة لعقوبات دولية من الأمم المتحدة، والثاني الدول المتورطة في نزاعات عسكرية أو عرقية، والثالث الدول ذات الأنظمة الشيوعية. وقد تم توسيع هذا الحظر لاحقاً خلال ولاية حكومة رئيس الوزراء الياباني، تاكيو ميكي، ليشمل التصدير  دول العالم كافة.

هذه الخطوة جمدت بشكل كامل صادرات الأسلحة اليابانية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلا أنه دُشن مسار تخفيف هذا التجميد عام 1983، للسماح بالتصدير إلى الولايات المتحدة، ثم وسع هذا الأمر بشكل أكبر عام 2011، عندما خفف رئيس الوزراء الياباني السابق، يوشيهيكو نودا، الحظر بشكل كبير للسماح بالتطوير المشترك للأسلحة مع حلفاء الولايات المتحدة، والتصدير لأغراض دعم مهام حفظ السلام، وقد تم على هامش هذا التخفيف، تصدير عشرة زوارق دورية من الفئة "بارولا" إلى الفلبين كجزء من مشروع تحسين القدرات البحرية، بقيمة نحو 172 مليون دولار، مع تمويل جزئي من وكالة التعاون الدولي اليابانية. 

عام 2014، قام رئيس الوزراء الياباني السابق، شينزو آبي، بتخفيف إضافي لقيود التصدير الدفاعي، إذ سمح بتصدير أوسع نطاقًا للمعدات العسكرية غير الفتاكة، إذ استبدل المبادئ القديمة لتقييد الصادرات العسكرية، بـ ثلاثة مبادئ جديدة تسمح بتصدير المعدات والتقنيات الدفاعية، ما أنهى الحظر الكلي للصادرات العسكرية، وسمح بالتصدير تحت شروط محددة لتعزيز الصناعة الدفاعية والشراكات الدولية، وهو ما سمح بمزيد من الصفقات الخارجية، من بينها بيع مروحيتين مستعملتين من نوع "MH-53E" إلى البحرية الأميركية عام 2015، ومنح البحرية الفيتنامية ست سفن دورية مستعملة، وتأجير طائرتي مراقبة ساحلية إلى الفلبين عام 2016، وتوقيع طوكيو عام 2018، صفقة مع الفلبين لبيع أربعة أنظمة رادار من إنتاج شركة "ميتسوبيشي، بقيمة نحو 92 مليون دولار.

الجهود اليابانية لتخفيف الحظر على الصادرات الدفاعية، استمرت بشكل تدريجي خلال السنوات التالية، إذ أصدرت حكومة فوميو كيشيدا أواخر عام 2023، تعديلات في مبادئ تقييد الصادرات الدفاعية، سمحت بتصدير تقنيات عسكرية إلى دول العالم، ضمن خمس فئات رئيسية لا ترتبط بمعدات قتالية، وهي معدات الإنقاذ، والنقل، ووسائط الإنذار، ورادارات المراقبة، وتجهيزات كشف الألغام. هذا التعديل بالتحديد، ساهم بشكل أساسي في إبرام طوكيو، بعض صفقات التسليح الخارجية، إذ سمح بتصدير صواريخ باتريوت باك -٣ للدفاع الجوي إلى الولايات المتحدة، التي استنفدت مخزونها الخاص بتزويد أوكرانيا و"إسرائيل"، كما وقعت اليابان صفقة كبيرة لتزويد أستراليا بفرقاطات من الفئة "موغامي".

ولعل من أهم نتائج تعديلات فوميو كيشيدا، مشاركة اليابان مع إيطاليا والمملكة المتحدة، في برنامج الطائرات المقاتلة العالمي (GCAP)، وهو برنامج المقاتلات الشبحية من الجيل الجديد، أعلن عنه في كانون الأول/ديسمبر من  العام نفسه، ويمكن اعتباره أول خطة تطوير كبرى في مجال الصناعات الدفاعية، تدخل فيه اليابان مع دول شريكة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث يهدف إلى تطوير طائرة مقاتلة من الجيل التالي بحلول عام 2035. رغم ذلك، ظلت أغلب القيود المفروضة على صادرات الأسلحة اليابانية الفتاكة، قائمة عملياً، لا سيما إلى الدول المنخرطة في نزاعات مسلحة، وقد حال هذا، على سبيل المثال، دون تصدير اليابان منظومات قتالية إلى أوكرانيا.

كذلك ساهمت هذه التعديلات في دفعة كبيرة لقطاع التصنيع البحري الياباني، ففي آب/أغسطس 2025، اختارت أستراليا، شركة "ميتسوبيشي" اليابانية للصناعات الثقيلة، لبناء 11 فرقاطة بحرية جديدة من الفئة "موغامي"، ضمن اتفاق دفاعي بقيمة 6.5 مليار دولار، وهي أول صفقة كبرى لتصدير قطع بحرية يابانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

حكومة تاكياشي وخطوات متقدمة نحو توسع الصادرات العسكرية اليابانية

منذ مطلع العام الجاري، بدأ الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم، في اتخاذ خطوات جدية نحو إنهاء تحجيم القيود الموجودة حالياً على الصادرات العسكرية اليابانية.

أولى هذه الخطوات كانت في شباط/فبراير الماضي، حين وافقت لجنة تابعة للحزب، على التعديلات المقترحة على المبادئ التوجيهية السابقة لتصدير معدات وتكنولوجيا الدفاع، والتي تنظم تصدير الأسلحة الفتاكة إلى دول أخرى. التعديلات المقترحة تلغي عملياً حصر الصادرات الدفاعية اليابانية، في الفئات الخمس الرئيسية التي لا ترتبط بمعدات قتالية، وتسمح بتصدير الأسلحة المطورة بالشراكة مع دول أخرى، مثل طائرة الجيل القادم المقاتلة التي تُطورها حالياً اليابان مع إيطاليا وبريطانيا. كما تجيز هذه التعديلات أيضاً، تصدير المنتجات الدفاعية اليابانية، إلى الدول المنخرطة في حروب ونزاعات، بموافقة حكومية وفي ظل شروط خاصة.

تتضمن التعديلات المقترحة أيضاً، تصنيف المعدات الدفاعية بشكل عام إلى أسلحة (مثل الدبابات والمدافع والمدمرات والصواريخ)، ومعدات غير عسكرية (مثل السترات الواقية من الرصاص ورادارات المراقبة)، على أن تخضع قرارات تصدير الأسلحة الفتاكة، لمراجعة رئيس الوزراء والوزراء المعنيين في مجلس الأمن القومي الياباني، أما المواد غير الفتاكة، مثل الدروع الواقية والخوذات، فسيتم التعامل معها على المستوى الداخلي في الحكومة، مع إمكانية رفع تقرير لاحق إلى البرلمان، بدلاً من اشتراط موافقة رسمية من مجلس الوزراء في كل حالة.

المسودة المقترحة للتعديلات، تسمح عملياً بتصدير الأسلحة اليابانية إلى عدد محدد من الدول، من بينها 17 دولة تربطها باليابان اتفاقيات لنقل المعدات الدفاعية، وتشمل هذه الدول الولايات المتحدة، وأستراليا والهند والإمارات العربية المتحدة، بجانب الشركاء الأوروبيين في مجال التعاون الدفاعي عالي التقنية، مثل المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والسويد، وشركاء جنوب شرق آسيا الذين تساعدهم اليابان بالفعل، في تعزيز قدرات الردع لديهم في مواجهة الصين، مثل سنغافورة، والفلبين، وإندونيسيا، وماليزيا، وفيتنام، وتايلاند. 

واقع الحال أن هذا التوجه كان مثار خلافات داخل الائتلاف الحزبي الحاكم في اليابان، وتحديداً بين الحزب الليبرالي الديمقراطي، وحزب "كوميتو"، إذ عارض الأخير أي تخفيف إضافي للقيود، لكن تمكنت حكومة تاكايتشي لاحقاً - وبعد خروج حزب كوميتو من الائتلاف - من التوصل إلى اتفاق حول هذا الشأن، مع حزب الابتكار، وبات الائتلاف الحكومي الحالي، مستعداً لإزالة الإطار الحالي الذي يحد من صادرات اليابان العسكرية، وربما قد يُوسع برنامج المساعدة الأمنية الرسمية الياباني، وهو شكل جديد من أشكال المساعدات الخارجية، أُنشئ عام 2023، ليكون موازياً لبرنامج المساعدة الإنمائية الرسمية الياباني القائم منذ فترة طويلة، وقد اقتصر استخدامه حتى الآن على توفير معدات مراقبة واستطلاع غير فتاكة، معظمها لدول مطلة على بحر الصين الجنوبي، ولكن من المحتمل أن يشمل هذا الإطار قريباً توفير أسلحة فتاكة.

تحركات الحزب الحاكم في هذا المسار، أصبحت واقعاً عملياً في آذار/مارس 2026، بعد أن قدّم مسؤولون في الحزب، مسودة التعديلات المقترحة، إلى رئيسة الوزراء اليابانية، داعين إلى تخفيف قواعد التصدير، بما في ذلك السماح مبدئياً بنقل الأسلحة الفتاكة، مثل الطائرات المقاتلة والمدمرات، إلى الخارج، وتعتزم الحكومة اليابانية، مراجعة المبادئ التوجيهية المؤطرة لعمليات نقل المعدات والتكنولوجيا الدفاعية إلى الخارج، في وقت لاحق من الربيع المقبل.

تعديلات تكتيكية في المقاربة اليابانية الدفاعية حيال محيطها الإقليمي والدولي

تأتي هذه التحركات المتسارعة في اتجاه توسيع الصادرات الدفاعية اليابانية، بالتزامن مع الكشف مؤخراً عن تحركات عسكرية محتملة من جانب اليابان، ففي شباط،/فبراير الماضي، أعلن وزير الدفاع الياباني، شينجيرو كويزومي، أن اليابان تُخطط لنشر صواريخ دفاع جوي مُطوّرة في جزيرة أوكيناوا، أقصى غرب البلاد، وهي نقطة قريبة من جزيرة تايوان. كما أن وزارة الدفاع اليابانية، قد بدأت خلال الأشهر الأخيرة، في تعزيز قاعدتها الجوية في جزيرة "إيوتو"، استجابة  لتزايد الأنشطة العسكرية الصينية في المحيط الهادئ، وهو ما يمكن وضعه بشكل إجمالي في سياق توسيع مطرد في هامش المناورة العسكرية لليابان،ـ مقارنة بما كان الحال عليه خلال العقود الأخيرة.

من حيث المضمون، يعكس سعي اليابان لتخفيف قيود تصدير الأسلحة، جانباً أساسياً يرتبط بضغوط قطاع الصناعات الدفاعية الياباني، الذي بات خلال السنوات الأخيرة، في حاجة إلى فتح المجال بشكل أوسع لعمليات التصدير الخارجية، تجنباً للدخول في حالة ركود مستدامة، في ظل تنامي هذا القطاع، وعدم كفاية العقود الموقعة مع وزارة الدفاع اليابانية، لإدامة عمليات التصنيع والتطوير. في جانب اخر، تُتيح سياسة التصدير الدفاعية الجديدة لليابان - في حالة تطبيقها بشكل كامل - فرصة لتعزيز شراكاتها الأمنية في محيطها الإقليمي والدولي، من دون الالتزام بالدفاع المتبادل الذي يتطلبه أي تحالف إقليمي، وهو ما يسمح في الوقت نفسه، بالتجاوب مع التوجهات الإستراتيجية الأميركية المعلنة مؤخراً، والمؤطرة بشعار "نقل الأعباء".

على جانب آخر، يكمن التحدي الأكبر أمام تفعيل التوجهات اليابانية نحو توسيع الصادرات العسكرية، في نقص القدرات الصناعية النوعية المتوفرة في قطاع التصنيع العسكري الياباني، فخلال العقود الأخيرة، اقتصرت قاعدة الصناعات الدفاعية اليابانية، على عميل واحد بشكل أساسي، وهو الجيش الياباني، ونتيجة لذلك، كان حجم هذه القاعدة محدودًا، مع ارتفاع التكاليف وانخفاض هوامش الربح، ومحدودية العقود الموقعة من الجيش الياباني، وهو الأمر الذي استمر خلال الفترات الماضية، رغم محاولات التخفيف التدريجية السابقة على قيود الصادرات الدفاعية.

اللافت في هذا الصدد، أن الصين من جانبها قد استشعرت خطورة التوجهات اليابانية الجديدة، وكان رد فعلها فورياً وسريعاً على هذه التوجهات، حيث قامت وزارة التجارة الصينية، بتشديد إجراءات الرقابة على الصادرات، ضد الكيانات اليابانية ذات الصلات العسكرية، وأصدرت مؤخراً قراراً بتقييد صادرات المعادن الحيوية والمكونات ذات الاستخدام المزدوج إلى 40 شركة يابانية، ويشمل هذا التقييد أكثر من 1030 بنداً جمركياً، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة، والغاليوم، والجرمانيوم، والجرافيت، والماس الصناعي.

كذلك أضافت الوزارة، 20 شركة يابانية - من بينها شركة "ميتسوبيشي" للصناعات الثقيلة لبناء السفن، والأكاديمية الوطنية اليابانية للدفاع - إلى قائمة مراقبة الصادرات التي تمنع الموردين الصينيين من شحن مواد ذات استخدامات عسكرية محتملة، بما في ذلك المواد الأرضية النادرة المستخدمة في المحركات والبطاريات، ومعدات تصنيع الرقائق الإلكترونية. كما وُضعت 20 شركة أخرى على قائمة المراقبة، التي تتطلب أذناً خاصاً لضمان عدم توجيه السلع ذات الاستخدام المزدوج إلى الجيش الياباني.

في الخلاصة، يمكن القول إنه على الرغم من خطوات طوكيو المتسارعة نحو توسيع صادراتها العسكرية، فإنه من المرجح أن يظل تصدير الأسلحة اليابانية الفتاكة محدودًا، باستثناء جزئي للصادرات إلى الولايات المتحدة، لكن يتوقع بشكل كبير أن تتوسع الشراكات اليابانية مع دول مثل إيطاليا وأستراليا وكندا، وهو ما يفتح آفاقاً واسعة أمام قطاع الصناعات الدفاعية الياباني، وفي  الوقت نفسه سيبقى قسم مهم من الصادرات العسكرية اليابانية، مرتبطاً بأنظمة قديمة أُخرجت من الخدمة في الجيش الياباني، تباع أو تمنح إلى دول تضعها اليابان في بؤرة اهتمامها الإستراتيجي، مثل الفلبين، التي منحتها اليابان في تموز/يوليو الماضي، ست مدمرات مستعملة من الفئة "أبوكوما".