"نيجيريا" بوابة السيطرة الأميركية على أفريقيا

تحاول أميركا أن تحافظ على صورتها كقوة عظمى، عبر تشكيل قوس أفريقي لإنتاج الطاقة بعيداً عن مناطق الاضطراب التي صنعتها، حتى تتمكن من إعادة صياغة الوضع في الشرق العربي بما يتناسب مع هدف بقائها كقوة مهيمنة.

  • ما الذي حققته أميركا نتيجة ضغوطها على نيجيريا؟
    ما الذي حققته أميركا نتيجة ضغوطها على نيجيريا؟

في الصراع الدائر بين أميركا كقوة عظمى متراجعة، والصين كقوة تتطلع لأن تكون عظمى صاعدة، يبدو أن حرب الممرات التجارية الباردة، والسعي للسيطرة على سلاسل توريد المعادن الحيوية اللازمة لصناعة أشباه الموصلات، ومصادر الطاقة، قد انتهت إلى نتيجة مفادها أن أرض الصراع العسكري سوف تكون في آسيا وربما شرق أوروبا، لكن السباق (الاقتصادي/السياسي) للسيطرة على القارة الأفريقية سوف يكون العامل المرجح لأي من القوتين المتصارعتين ومعسكريهما.

ولذلك، كثرت في الآونة الأخيرة، وبينما العالم منشغل بالاعتداء الأمريكوصهيوني على إيران، التحرشات الأميركية بنيجيريا، الدولة الأفريقية الأكثر عدداً، بدعوى "اضطهاد المسيحيين"، ووصلت لمرحلة تصنيف أميركا لنيجيريا كدولة ذات قلق خاص (CPC) وهو ما يفتح الباب أمامها لفرض عقوبات اقتصادية أو تقييد وصول مساعدات كانت تقدمها للدولة النيجيرية. 

وهنا يطرح تساؤل نفسه: ما الذي تريد أميركا تحقيقه في نيجيريا؟ ولماذا الآن؟

ليست هذه هي المرة الأولى التي تسعى أميركا لفرض هيمنتها المباشرة على نيجيريا، الغنية بالنفط والغاز، فسابقا في الفترة من 1967 – 1970 تبنت الدفاع عن موقف إقليم بيافرا الطامح للانفصال، بالرغم من أنها وقفت على الحياد رسمياً خوفاً من السوفييت، لكنها سمحت للكيان الصهيوني بتسليح الإقليم عبر إرسال شحنات أسلحة (بما فيها أسلحة غنمتها في حرب 1967) إلى متمردي بيافرا من خلال قنوات سرية في أفريقيا (مثل ساحل العاج والجابون).

ووقتها استخدم الكيان الصهيوني ادعاءات المظلومية المشتركة، زاعماً أن شعب الإيغبو المسيحي في بيافرا يتعرض لإبادة تشبه الهولوكوست على يد الشمال المسلم، وهي نفس الادعاءات التي تكررها واشنطن اليوم في 2026. 

ورغم حيادها الرسمي استخدمت واشنطن المساعدات الإنسانية كأداة للضغط على الحكومة الفيدرالية النيجيرية. ولولا تدخل الزعيم الراجل جمال عبدالناصر في الأزمة، عسكرياً ودبلوماسياً، للدفاع عن وحدة نيجيريا لتفككت وأصبح للكيان الصهيوني موطئ قدم يمتلئ بموارد الطاقة في غرب إفريقيا.

لكن الأمر تطور بالنسبة لنيجيريا خلال فترة حكم دونالد ترامب الأولى. ففي سنة 2020 ومع اقتراب ولايته من الانتهاء أدرج الرئيس الأميركي نيجيريا كدولة ذات قلق خاص (CPC) بدعوى الاضطهاد الديني للمسيحيين. وهو ما قامت إدارة جو بايدن بإلغائه سنة 2021، ليعيد ترامب نيجيريا إلى هذا التصنيف مرة أخرى منذ أواخر عام 2025 لكن هذه المرة، لم يقتصر الأمر على العقوبات، بل شمل تهديدات صريحة بالتحرك العسكري أو العقوبات الاقتصادية الشاملة إذا لم تتحرك نيجيريا بسرعة لحماية الأقليات المسيحية.

وفي المقابل تقدم أميركا إلى نيجيريا عدد من المساعدات، تمثل المساعدات الصحية 80% منها وبلغت 1.2 مليار دولار في عام 2024، ويذهب معظم هذا المبلغ لمكافحة مرض نقص المناعة (الإيدز)، الملاريا، السل، وشلل الأطفال. كما تقدم الوكالة الأميركية للتنمية (USAID) مئات ملايين الدولارات لمواجهة أزمة الجوع في ولاية بورنو والمناطق التي تهاجمها جماعة بوكو حرام.

وهناك كذلك مساعدات تكنولوجية تتمثل في منح لتطوير الانترنت فائق السرعة، وكذلك مبيعات لأسلحة عسكرية تتجاوز مليار دولار وبرامج تدريبية حول تكنولوجيا المراقبة.

إن معرفة بعض المعلومات عن نيجيريا يسمح لنا بمعرفة الأهداف الأميركية من هذه التحرشات. فهذا البلد هو الأكبر في إفريقيا من الناحية السكانية، حيث يبلغ تعدادها 225 مليون نسمة (53% منهم مسلمون)، وتحتوي على موارد طاقة (نفط وغاز طبيعي) في الجنوب والجنوب الشرقي، وتحظى بأكبر احتياطات النفط في القارة الأفريقية والمركز الـ11 عالمياً (أكثر من 37 مليار برميل) وثاني أكبر احتياطات الغاز.

وفي الشمال تتواجد المعادن الحرجة الضروري لصناعة الرقائق الألكترونية والبطاريات الكهربائية مثل ولايات كادونا، ناساراوا، وزامفارا، حيث تحتوي على احتياطيات هائلة من الليثيوم، الكولتان، والزنك.

وفي ولاية زامفارا في الشمال الغربي توجد مناجم ذهب ضخمة. وهناك مؤشرات على وجود احتياطيات يورانيوم في الشمال قريبة من الحدود مع النيجر. أما في إقليم الوسط فإن ولاية بلاتو هي مركز عالمي لإنتاج القصدير والنيوبيوم (يستخدم في صناعة محركات الطائرات). بالإضافة لكون هذا الإقليم هو سلة الغذاء لنيجيريا، ويحظى بأخصب الأراضي الزراعية في أفريقيا، والسيطرة عليه تعني السيطرة على الأمن الغذائي للقارة بأكملها. وليس من المصادفة أنه الإقليم الأكثر اضطرابا من الناحية الأمنية.

بعد هذه المقدمات، يظل التساؤل مطروحاً: ما الذي تريده أميركا؟ ولماذا الآن؟ هناك مطالب علنية للولايات المتحدة الأمريكية قدمها الكونغرس الأميركي للحكومة النيجيرية في فبراير الجاري، بناء على قانون الحرية الدينية والمساءلة في نيجيريا لعام 2026. وتتمحور هذه المطالبة حول: 

1-  المطالبة بإلغاء قوانين التجديف والشريعة الإسلامية في الولايات الشمالية.

2-  تصنيف مجموعات معينة كمنظمات إرهابية وملاحقتها ومحاسبة قادتها.

3-  تسهيل عودة النازحين المسيحيين إلى مناطقهم في الحزام الأوسط.

4-  السماح لمراقبين دوليين (أمريكيين) بالإشراف على السجون والمحاكم في الولايات التي تطبق الشريعة الإسلامية.

5-  تعديل المناهج التعليمية لضمان عدم وجود تحريض ديني وفق الرؤية الأمريكية.

6-  تقديم تقرير سنوي للكونجرس يثبت أن السلاح الأمريكي لا يستخدم في مناطق تحدث بها انتهاكات.

7-  القيام بإصلاح شامل للأجهزة الأمنية بدعوى التواطؤ أو العجز عن حماية القرى المسيحية.

إن هذه المطالب ترفع سقف الابتزاز الأميركي للحد الأقصى، فإدارة ترامب تدرك جيداً أن حكومة الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو (مسلم من قبيلة اليوروبا الجنوبية) لا يمكنها تنفيذها وإلا ستواجه بثورة عارمة من ولايات الشمال قد تتطور لحرب أهلية، كما أن قبول الرئيس النيجيري لمثل هذه المطالب المعبرة عن هيمنة أميركية صريحة تعني اتهامه من قبل المعارضة بالتخلي عن استقلال نيجيريا والتبعية للأميركيين.

لا تعبر هذه المطالب سوى عن العصا التي يتم التلويح بها من جهة لتقبل نيجيريا بالجزرة من جهة أخرى. فالواقع أن المطالب التي تضغط أميركا على النيجيريين لقبولها مختلفة تماماً. حيث تعرض واشنطن:

1- توقيع اتفاقية أمنية ثنائية جديدة توفر حماية عسكرية متطورة ودعماً استخباراتياً لمواجهة الجماعات الإرهابية (بوكو حرام وداعش)، بدلاً من الاعتماد على التقنيات الصينية. وقد تمكنت أميركا من تحقيق هذا الهدف جزئياً عبر تفاهم أمني مع نيجيريا تحت مسمى "مجموعة العمل المشتركة الأمريكية-النيجيرية". وبناء عليها وافق الرئيس النيجيري تينوبو على استقبال 200 مستشار عسكري أميركي ضمن قوات أفريكوم لتقديم تدريبات متقدمة للقوات النيجيرية.

2-  عرض للمشاركة في تمويل إعادة توطين النازحين في "الحزام الأوسط" عبر منظمات إغاثة دولية.

3- تسعى واشنطن لضم نيجيريا لمبادرة باكس سيليكا التي يقودها ترامب لتأمين "سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي والرقائق". فأراضيها الجنوبية غنية بالطاقة والشمالية غنية بالمعادن الحيوية. وتعرض أمريكا لتحقيق هذا الهدف استثمارات لشركات أمريكية في البنية التحتية الرقمية لنيجيريا (مراكز بيانات وشبكات ألياف ضوئية)، بشرط استبعاد شركات الاتصالات الصينية من المشروعات الحساسة، بدعوى أنها غير موثوقة وتساعد في قمع الحريات.

4- في "المنتدى الوزاري للمعادن الحرجة" (عقد في فبراير 2026)، طرحت واشنطن تمويلات تصل إلى مليارات الدولارات (عبر بنك التصدير والاستيراد الأميركي EXIM) لمشروعات التعدين في أفريقيا. من بينها مشروعات استخراج الزنك والنحاس والليثيوم في نيجيريا، وتأمين تدفق هذه المعادن نحو الأسواق الأمريكية والغربية لضمان منع الصين من الاستحواذ على هذه الموارد.

5-  في يناير 2026 عقدت مجموعة العمل الأميركية النيجيرية اجتماعاً في العاصمة أبوجا عرضت فيه واشنطن: منح الشركات النيجيرية (غير النفطية) مزايا تفضيلية لدخول السوق الأميركي، وتقديم خبرات تكنولوجية لزيادة الإنتاج الزراعي مقابل إصلاحات في مناخ الأعمال تخدم الشركات الأميركية.

لكن التوقيت الذي اختارته أميركا لممارسة هذه الضغوط على نيجيريا له دلالته كذلك. تدرك الولايات المتحدة أن إيران يمكنها أن تحول مبادرة باكس سيليكا والاتفاقيات التجارية اللاحقة عليها، إلى مجرد أوراق بلا فاعلية على أرض الواقع، ومع الاعتداء الذي قامت به ضد إيران في يوم 28 فبراير الماضي، وقيام الأخيرة بإغلاق مضيق هرمز، فإن أسعار الطاقة شهدت ارتفاعاً لدرجات قصوى تجاوزت 100 دولار، ومن المتوقع أن تواصل الارتفاع حتى 150 دولار، حيث أن هذا المضيق يمر عبر 20% من واردات الطاقة في العالم. 

من فقد سعت أميركا للبحث عن شركاء جدد يمكنه أن يقوم بسد قدر من احتياجات الأسواق من الطاقة والمعادن الحيوية، لكن تحت سيطرة المنظومة الأمنية الأميركية الممثلة في مبادرة باكس سيليكا، بما يسمح لها باتخاذ قرارات مواصلة الصدام مع إيران دون الكثير من الحسابات بخصوص إمدادات الطاقة والمعادن الحيوية (خارج السيطرة الصينية). ومن المؤكد أن نيجيريا بما تحويه من ثروات تعد أحد أهم المطروحين كشركاء.

وإذا كانت رغبة أميركا في حسم الموقف مع إيران قد تحكمت في التوقيت، لكن ثمة أسباب أخرى تدفع أميركا للضغط على النيجيريين منذ ولاية ترامب الأولى، فنيجيريا هي أحد الدول الأفريقية الأساسية في مبادرة الحزام والطريق الصينية، كما أنها تسعى للتقارب مع مجموعة بريكس، وإن كانت عضويتها لم تكتمل بعد (تحمل صفة دولة شريكة)، والصين هي المستثمر الأول في البنية التحتية النيجيرية، وهو ما يعرقل المساع الأميركية لمحاصرة هذه المبادرة الصينية. كما أن نيجيريا هي المنتهى لطريق من المزمع إنشائه ويربط القاهرة بطرابلس الليبية ثم نجامينا في تشاد ومنها إلى لاجوس بنيجيريا. وهذا الطريق يخضع لاستثمارات شركات صينية، ترغب أميركا في إيقافها. لكن المشكلة لا تتوقف عند هذه النقطة، فهذا الطريق يلتقي في نيجيريا مع طريق الوحدة الأفريقية الذي يربط بين لاجوس والجزائر.

أي أن نيجيريا سوف تكون على اتصال مباشر بالشمال الأفريقي الذي يحظى بأغلبية عربية، وهو ما تجتهد أميركا لمنعه. وسيكون من الصعب كذلك محاصرة الجزائر والضغط عليها للابتعاد عن المحور الرافض للهيمنة الأميركية لاحقاً.

إلا أن الهدف الأبعد، في المخيلة الأميركية، هو إجبار مصر ذاتها على الانضمام لمبادرة باكس سيليكا، وربما لهذا السبب يتم محاصرتها عبر أثيوبيا وأرض الصومال، والآن تتم محاولة إخضاع نيجيريا بعد أن بدأت بالتعاون مع مصر في مجالات الطاقة والممرات التجارية، وتطمح مصر أن يتم نقل الطاقة النيجيرية عبر طريق القاهرة-نجامينا-لاجوس إليها ومنها إلى أوروبا، وهو ما سيوفر لمصر قدر كبير من احتياجاتها من الطاقة. كما يرتبط بهذا الممر مشروع ترانسكوا وهو مشروع يستهدف إعادة إحياء بحيرة تشاد التي جفت بنسبة 90% عبر ربطها بقناة بطول 2400 كم من أحد فروع نهر الكونغو، مما سيؤدي لنهضة زراعية في شمال نيجيريا وتشاد والنيجر؛ وقد عرضت الصين بالفعل تمويل الجزء الأكبر من المشروع خاصة أن القناة ستكون صالحة للملاحة مما سيربط دولتي أفريقيا الوسطى والكونغو بهذا الممر أيضاً. وفي حال نجاح هذان المشروعان من المؤكد أنه سيعزز التواجد الصيني في القارة أفريقيا، ويدعم مبادرة الحزام والطريق، مقابل إضعاف قبضة أمريكا وحلفائها. 

دور الهند – الكيان الصهيوني في المشروع الأميركي

لا تتحرك أميركا وحدها في الشأن النيجيري، فهي تعتمد كذلك على مشاركة الكيان الصهيوني والهند كأدوات للمشروعات الأميركية. بالنسبة للكيان الصهيوني، يقوم بدوره من النواح الأمنية حيث يركز نشاطه في الجنوب وفي إقليم بيافرا، فالشركات الصهيونية هي المزود الرئيسي لبرمجيات التجسس والأمن السيبراني للحكومة النيجيرية وللأطراف الانفصالية في آن واحد، وهناك شركات أمنية صهيونية خاصة تعمل في دلتا النيجر (بيافرا) بحجة حماية المنشآت، لكن يعتقد بعض المتابعين أن دورها الحقيقي هو تدريب ميليشيات محلية تكون جيشاً بديلاً في حال انهار الجيش النيجيري أو حدث التفكيك.

والأسوأ أن هذه الشركات تقوم بتزويد الإقليم بأنظمة مراقبة متطورة وسواتر سيبرانية، تمهيداً لتحويله إلى منطقة تقنية معزولة عن سيادة أبوجا.

تطلق الدعايات الصهيونية، لتحقيق أهدافها، أسطورة أن قبائل "الإيغبو" المنتشرة في الإقليم هم أحد أسباط بني إسرائيل المفقودة (سبط جاد). وهذه الأسطورة تستخدم لخلق رابطة دم بين الإنفصاليين والصهاينة تدفعهم للولاء التام لتل أبيب وواشنطن ضد الشمال المسلم. وهي قريبة جداً من ذات الأسطورة التي استخدمت مع أثيوبيا سابقاً (سلالة سليمان وملكة سبأ).

وعلى الرغم من أن الحاخامية العليا في الكيان الصهيوني ترفض الاعتراف باليهود (الإيغبو)، إلا أن الادعاءات الصهيونية وجدت أثرها على حركة شعب بيافرا الأصلي التي تمثل حكومة المنفى وتستخدم الرمزية اليهودية في كل ادبياتها، وترفع نجمة داوود بجانب علم بيافرا، بالرغم من أن نسبة اليهود بين قبائل الإيغبو تقل عن 1% (لا يتجاوز عددهم 50 ألف بين 40 مليون نسمة)، لكنهم يستخدمون كرأس حربة في هذا المشروع.

أما الهند فإن دعمها للمشروع الأميركي يتخذ مظهراً اقتصادياً وتقنياً، فالهند هي أكبر مستثمر في قطاع التصنيع النيجيري (أكثر من 600 شركة هندية). أميركا تدفع الهند لتقديم بدائل تقنية لنيجيريا بأسعار منافسة للصين، ولكن بمعايير أميركية. كما تسيطر الشركات الهندية على قطاع الاتصالات والبرمجيات في نيجيريا. وفي حال اكتمل ممر القاهرة-لاجوس، تريد الهند (بإيعاز أمريكي) أن تكون هي المشغل الرقمي لهذا الممر لضمان عدم سيطرة الصين على البيانات التجارية. وتطمح الهند للاستحواذ على عقود إدارة الموانئ في لاجوس (بتمويل أميركي) لقطع الطريق على الشركات الصينية، ودفع نيجيريا للانضمام إلى ممرها التجاري (طريق التوابل).

أثر السيطرة الأميركية على نيجيريا في أفريقيا

من المؤكد أن نجاح أميركا في فرض هيمنتها على نيجيريا، بطريقتها مع الهند وتايوان ستمثل ضربة قاسية للنفوذ والمشروعات الصينية، لكن الأمر لن يقتصر على نيجيريا وحدها، والتي تعتبر نقطة ارتكاز قوية للغاية يمكن لأميركا عبرها حصار وإضعاف النفوذين الصيني والروسي في منطقة شمال أفريقيا. خاصة بين الدول المترددة في موقفها كتشاد والنيجر ومالي وبوركينا فاسو.

هذا الحصار سيؤثر سلباً على مصر والجزائر في النهاية حيث سيتم محاصرتهما في مجالهما الحيوي. الأمر الذي سيمتد إلى شرق وغرب القارة كذلك، ليلتقي مع نقطة الارتكاز الأثيوبية في الشرق والقرن الأفريقي، والمغرب في الغرب، بما يكفل لأميركا محاصرة الدول التي تعتبرها متمردة، أو غير خاضعة بالكامل لهيمنتها الأمنية والتكنولوجية.

السياسة الأميركية الآن لم تعد تكتفي بالنفوذ. كما لم تعد تقبل العلاقات المتنوعة أو الوقوف في المنطقة الرمادية والمحايدة، سواء بالنسبة لنيجيريا أو أي دولة أخرى، وإنما ترغب كذلك بالتبعية الكاملة، وهو ما صرح به المبعوث الأميركي ناثانيل فيك، الذي يشغل منصب سفير الولايات المتحدة المتجول للمجال الرقمي وسياسة التكنولوجيا، خلال لقاء مع مسؤولين في وزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي النيجيرية قائلاً: "في الحرب الباردة الجديدة على التكنولوجيا والمعادن، لا يمكن لنيجيريا أن تظل في المنطقة الرمادية.

اختيار البنية التحتية للصين يعني الابتعاد عن سلاسل التوريد الموثوقة التي تقودها الولايات المتحدة". ورغم أن تصريحات فيك أثارت غضب النيجيريين ووصفها الرئيس النيجيري بكونها إملاءات استعمارية جديدة، لكن من الواضح أن الأميركيين لن يقبلوا أي نوع من الحياد في مواجهتهم المصيرية مع الصين، الأمر الذي سيتكرر لاحقاً مع دول أفريقية أخرى. وفي المقابل لا يبدو أن الرئيس تينوبو متحمساً أو مستعداً للتخلي عن أكبر ممول للبنية التحتية في نيجريا وهي الصين، أو التعاون المتصاعد مع مصر.

ما الذي حققته أميركا نتيجة ضغوطها على نيجيريا

من الواضح أن الضغوط الأميركية حققت بعض النتائج، ففي 10 مارس الجاري، تم الإعلان عن قرار الاستثمار النهائي لمشروع Bonga South-West Aparo بقيمة 20 مليار دولار. المشروع تقوده شركة شل مع شركاء دوليين، لكنه يحظى بدعم سياسي أميركي هائل لضمان ضخ 150 ألف برميل نفط يومياً و140 مليون قدم مكعب من الغاز خارج منطقة التوتر في الشرق الأوسط، بهدف تعويض النقص الناتج عن توقف إمدادات الخليج العربي.

وقد استفادت الشركات الأميركية من قانون صناعة البترول (PIA) الذي فعّله الرئيس النيجيري بولا تينوبو وتبعته الحكومة النيجيرية بأوامر تنفيذية في فبراير 2026 لتقديم حوافز مالية غير مسبوقة. هذه الإجراءات أدت لتسهيل استحواذ الشركات الكبرى (إكسون موبيل وشيفرون) على بلوكات نفطية جديدة وساهمت في ضمان أن تظل الإدارة الفنية والمالية للنفط النيجيري مرتبطة بالغرب. 

لكن نيجيريا وحدها لن يمكنها سد ثغرة النفط التي أدى إليها إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، فهذا المضيق يمر عبره يومياً من 17 – 20 مليون برميل من النفط الخام، بينما لا تنتج نيجيريا أكثر من 1.7 مليون برميل يومياً، وحتى لو ضخت نيجيريا كل نفطها للسوق العالمي، فهي لن تغطي إلا أقل من 10% من حجم النفط الذي فقد بإغلاق المضيق. إلا أن نوعية النفط النيجيري ومسار تصديره هي التي ترفع من أهميته، فنفط نيجيريا يتشابه في خصائصه مع العديد من الخامات الإيرانية والخليجية. وهي نوعية النفط التي ترغب المصافي العالمية في التعامل معها، لذا فإن نيجيريا تعد المسعف الأول لهذه المصافي. يضاف لهذه الميزة كون نيجيريا بعيدة عن مضيق هرمز، ومسار إمداداتها لأوروبا وأمريكا يتحرك عبر طريق الأطلسي، وفي هذه الظروف يظل هو المسار الأكثر أماناً واستقراراً، مما يقلل من المخاطر وتكلفة الشحن.

على أن الأمر لن يتوقف عند نيجيريا، فالأميركيون يسعون كذلك لحل مشكلة كمية النفط التي فقدتها الأسواق عبر محاولة تدجين دول أفريقية أخرى، مثل أنجولا (ثاني منتج للنفط في القارة الأفريقية)، ليبيا، غينيا الاستوائية، ناميبيا، الجابون، موريتانيا وموزمبيق مستغلة نشاط شركات مثل شل وكوسموس إنرجي وكونوكو فيليبس وهاليبرتون وشيفرون وأكسون موبيل والتي استحوذت في الفترة الأخيرة على عقود واتفاقيات لإنتاج النفط والغاز بهذه الدول.

إذن تحاول أميركا أن تحافظ على هيمنتها وصورتها كقوة عظمى، عبر تشكيل قوس أفريقي لإنتاج الطاقة بعيداً عن مناطق الاضطراب التي صنعتها، حتى تتمكن من إعادة صياغة الوضع في الشرق العربي بما يتناسب مع هدف بقائها كقوة مهيمنة.

لكن هذا البحث الحثيث للأميركيين عن البديل المناسب لنفط الخليج الفارسي، يدفعنا للاستنتاج أنه ربما يضع صانع القرار الأميركي في اعتباره، احتمالية طول فترة الاضطرابات في هذه المنطقة أو خروج إيران منتصرة من هذه الحرب، بما يؤدي لفقدان أميركا السيطرة على الخليج ويصب في النهاية بمصلحة الجانب الصيني، والذي بدوره يراقب المساع الأمريكية للسيطرة على أفريقيا باهتمام ويسعى لمواجهتها.

يبقى أن نتائج الصدام بين أميركا وإيران سيكون لها الدور الأكبر في تحديد الموقف النيجيري والأفريقي من الضغط الأميركي، وفي حال تمكنت إيران من الاحتفاظ بنظامها السياسي الإسلامي، وعدم الخضوع للإملاءات الأميركية، فإن الاندفاع الأميركي المجنون في اتجاه التلويح بالقوة العسكرية لفرض التبعية على الدول الأفريقية سوف يضعف، وسيمنح محور الرفض للهيمنة الأميركية (الصين وروسيا وإيران) الفرصة الذهبية لإعادة التموضع بمنتهى القوة واتخاذ مبادرة الهجوم المضاد.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.