"قوس المرتزقة" والصراع في السودان: قراءة في الأبعاد الإقليمية والدولية
دور المرتزقة الأجانب يتصاعد في الحرب السودانية ويتحولون إلى أداة رئيسية في الصراع الإقليمي.
-
"قوس المرتزقة" والصراع في السودان: قراءة في الأبعاد الإقليمية والدولية
مؤخراً، برز الاهتمام الإعلامي الدولي بمسألة المرتزقة في الصراع السوداني بشكل لافت، خاصة مع تكشف الدور المركزي والحاسم الذي بات يلعبه المرتزقة الأجانب في تطورات هذه الحرب التي اندلعت في نيسان/ أبريل 2023.
ومع استمرار تصاعد الصراع في أبعاده الإقليمية والدولية، لم يعد السكوت حيال هذه الجريمة الدولية ممكناً، رغم التواطؤ الإقليمي والدولي الواضح في هذا الصدد. لم يعد الأمر مقتصراً على التحذيرات من خطورة التدخلات الخارجية، بل تحول إلى دعوات إلى المساءلة عن الجرائم الخطيرة التي ارتكبتها أطراف خارجية لم يعد من ممكناً غض الطرف عنها.
إذ دفعت الضغوط الإعلامية المتزايدة وتقارير المنظمات الدولية، الخزانة الأميركية في كانون الأول / ديسمبر 2025، إلى فرض عقوبات على "شبكة عابرة للحدود" تضم مواطنين كولومبيين، وإن كانت العقوبات استهدفت أفراداً وليس الجهات التي توظفهم.
الدور المركزي للمرتزقة
تشير المعطيات المتاحة إلى أن استخدام المرتزقة في الصراع السوداني بدأ منذ العام الثاني لاندلاع الحرب، أي عام 2024 فصاعداً، بالتزامن مع إحكام متمردي "الدعم السريع" سيطرتهم على العاصمة الخرطوم وتوسعهم في مناطق وسط البلاد. ومع تعرض المليشيات المدعومة إماراتياً لهزائم أدت إلى تراجعها في وسط السودان والعاصمة بحلول أيار/ مايو 2025، سعت أبو ظبي لتعديل موازين القوى عبر تجنيد المرتزقة باستخدام طرق إمداد معقدة عبر المناطق الليبية الخاضعة للحكومة التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر وإقليم بونتلاند الصومالي وقبلها تشاد لإيصال السلاح إلى المتمردين.
والأكثر خطورة، فبجانب مشاركتهم في إسناد العمليات القتالية، برز دور إجرامي آخر يتمثل في مشاركة هؤلاء المرتزقة في تعذيب وقتل المدنيين خاصة في إقليم دارفور، وقد ترقى الجرائم التي وقعت في الفاشر (عاصمة شمال دارفور)، والتي خضعت لحصار محكم دام لأكثر من عام ونصف بمشاركة هؤلاء المرتزقة الأجانب، إلى مستوى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بحسب استنتاج "البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان" المشكّلة من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
أصبحت مشاركة مرتزقة أجانب في الصراع تطرح حقيقتين مهمتين مترابطتين: أولاً، ضرورة الضغط على محاسبة أبو ظبي لوقف دعمها للتمرد في السودان ومحاسبتها على دورها المباشر في تأجيج الصراع رغم إنكارها المستمر. ثانياً، تكشف طبيعة الأدوار المركزية التي اضطلع بها المرتزقة، وتحديداً الكولومبيين، والذين شكلوا، بحسب "فايننشال تايمز" (15 آب/ أغسطس الجاري)، "قوة منظمة على عدة كتائب" تلقى أفرادها "تدريبات متخصصة على تشغيل الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والرادار في منشآت عسكرية داخل الإمارات قبل نشرهم في دارفور". وربما يعود اللجوء إلى الكولومبيين لكونهم الأرخص ثمناً، أو لتوفرهم بأعداد كبيرة، أو للخبرة التي يتمتعون بها، أو لوجود شبكات سابقة ذات صلة بالإمارات سهلت الاستعانة بهم.
قوس إقليمي للمرتزقة
منذ بدايات التمرد، برزت شبكة إقليمية منظمة لإدارة وتشغيل خطوط إمداد المرتزقة، مع انخراط مباشر وتدريجي لدول جوار السودان، حتى شملت جميع الدول المجاورة عدا إريتريا ومصر. ولم يكن لتمرد "الدعم السريع" أن يتحوّل إلى تمرد إقليمي الطابع، أو يتوسع عسكرياً داخل البلاد ويتحرك بسهولة عبر الحدود مع دول الجوار، لولا الدعم الخارجي الكبير، وتحديداً من الإمارات العربية المتحدة التي راهنت على هذا التمرد لتحقيق أهدافها في السودان.
ومع انتشار مراكز الدعم اللوجستي حول دول جوار السودان، أصبح اللجوء إلى المرتزقة لإدارة العمليات التشغيلية أمراً طبيعياً. وبالتالي، يمكن القول إن خطوط الإمداد حول السودان أصبحت تتوسع لتشمل عدة دول، لتشكل بذلك قوساً يحيط بالسودان: يمتد من الكفرة في ليبيا غرباً إلى بوصاصو في الصومال شرقاً. وقد كان لوجود أبو ظبي في جنوب ليبيا، حيث مناطق سيطرة خليفة حفتر، العامل الأكبر في بروز دور المرتزقة، إذ أسهمت الخطوط القائمة والشبكات الإقليمية والبنية التحتية في تعزيز خطوط إمداد المتمردين.
طبقات متعددة من المرتزقة
رغم إشارة بعض وسائل الإعلام الدولية إلى أرقام حول أعداد المرتزقة المنخرطين في القتال لمصلحة أبو ظبي إلى جانب متمردي قوات "الدعم السريع"، فإن الطبيعة الغامضة والسرية التي أحاطت بعملية نقل المرتزقة، وتواطؤ الدول والحكومات في المنطقة، حال دون توفر إحصائيات دقيقة. ومع ذلك، كشفت تقارير إعلامية مؤخراً أن "نحو 2000 مرتزق من كولومبيا وصلوا إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع"، وأنهم لعبوا "دوراً بارزاً في عمليات قوات الدعم السريع" لاسيما في مدينة الفاشر التي سقطت في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 حيث لعب المرتزقة المتمركزين في جنوب ليبيا دوراً كبيراً في ذلك.
بشكل عام، وحتى تتم الإحاطة بطبيعة أدوار المقاتلين الأجانب في حرب السودان، هنالك نوعان من المرتزقة في حرب السودان: مرتزقة دوليون: مثل المرتزقة الكولومبيين. ومرتزقة إقليميون: مثل أبناء القبائل العرب وغير العربية في الساحل ومن جنوب السودان إلى جانب مواطني دول أخرى في المنطقة.
بجانب العامل الرئيسي المتمثل في الدور المحوري للقوى الإقليمية، برزت ظاهرة أخرى أدت إلى زيادة وتيرة انخراط المرتزقة الإقليميين من دول جوار السودان في هذا الصراع. إذ وجدت بعض دول الجوار المضطربة في حرب السودان فرصة سانحة للتخلص من معارضيها الداخليين، من خلال دفعهم للعمل كمرتزقة إلى جانب قوات "الدعم السريع". وهذا يفسر بشكل كبير تزايد أعداد هذه الفئة تحديداً في صفوف المتمردين، حيث تحولت الحرب إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين تحت غطاء القتال في ساحة خارجية.
دوافع استخدام المرتزقة
يشير تقرير الفريق العامل المعني بمسألة استخدام المرتزقة كوسيلة لانتهاك حقوق الإنسان وإعاقة ممارسة حق الشعوب في تقرير المصير (تشرين الأول/ أكتوبر2023) إلى أن بعض الدول أصبحت تمنح جنسياتها إلى المرتزقة، ليصبحوا مواطنين يقاتلون لمصلحتها في دول أخرى.
أدت طريقة القتال التي تتبعها مليشيا "الدعم السريع"، والتي تقوم على "الموجات البشرية" لتراجعها العسكري، خاصة بعد هزائمها في الخرطوم والجزيرة، إلى دفع أبو ظبي للاستعانة بالمرتزقة الأجانب لأسباب عدة: أولأ، إطالة أمد القتال لاستنزاف القوات المسلحة والضغط على قيادتها. ثانياً، منع انهيار مليشيا "الدعم السريع"، حيث يعمل المرتزقة على سد القدرات القتالية حتى تتمكن من إعادة بناء قواتها. ثالثاً، إدخال قدرات نوعية في القتال، كاستخدام المسيرات وأنظمة الاتصالات وإدارة خطوط الدعم اللوجستي، ما يصب في مصلحة التمرد.
وعلاوة على ذلك، هنالك عامل أيضاً مهم جداً في تفسير لجوء أبو ظبي لاستخدام مرتزقة أجانب في وقت مبكر من الصراع، وهو إبقاء إدارة وتشغيل بعض الأسلحة النوعية بيد خبراء يمكن سحبهم بسهولة، بدلاً من عناصر "الدعم السريع" الأقل كفاءة وفاعلية رغم تحقيقهم انتشاراً واسعاً أدى إلى سقوط مناطق شاسعة في أيديهم.
ضعف استجابة الاتحاد الأفريقي
رغم وجود نقاشات داخل أروقة المنظمة في السنوات الأخيرة، اتسم موقف الاتحاد الأفريقي تجاه الصراع في السودان، كالمعتاد، بالضعف والتردد. ولم يقتصر القصور على العجز والتبعية للأطراف الخارجية فحسب، بل كانت الاستجابة حيال ظاهرة المرتزقة في الصراع السوداني أكثر جوانب الفشل وضوحاً.
رغم وجود إطار قانوني ملائم، ممثل في معاهدة الاتحاد الأفريقي المتعلقة بالقضاء على الأرزاق في أفريقيا (تموز/ يوليو 1977)، والتي يجري العمل لإعادة تنشيطها، فإن قيادة المنظمة اختارت الصمت حتى لا تخسر "شركاءها"، بدلاً من الالتزام بالمبادئ والقيم. في هذا الصدد، فإن الأخطر في صمت الاتحاد الأفريقي هو ما تكشفه الاستعانة بمرتزقة أجانب من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار، وانتشار الأسلحة والجريمة المنظمة العابرة للحدود في القارة.
ويشير تزايد المرتزقة في الصراع السوداني إلى تراجع وتآكل مفهوم السيادة في الدول الأفريقية، حيث أصبحت العديد من الدول عرضة لإغراءات قوى إقليمية أو دولية للتفريط في أسس سيادتها من خلال السماح باستغلال أراضيها وأجوائها.
وقد أدى ذلك إلى تكريس "تجزئة السيادة" أو "السيادة المجزأة"، إذ تخضع أجزاء من هذه الدول لسيطرة أطراف ودول إقليمية تسخرها في خدمة أجندات شريرة، وليس للدولة المركزية والحكومات المعترف بها دولياً، كما هو ملاحظ في حالة مناطق حكومة حفتر في ليبيا وبونتلاند في الصومال ودورها المركزي في الصراع الحالي في السودان.
تكشف حالة الصراع في السودان أن ظاهرة المرتزقة بحاجة إلى إعادة تعريف، مع تجدد مشاركة مرتزقة في بعض بلدان القارة بشكل كبير، وبروز أدوار الشركات الأمنية الخاصة، إضافة إلى سعي بعض القوى الإقليمية للتوسع في استخدام المرتزقة الأجانب لتحقيق مصالحها وأهدافها الجيوسياسية.
عليه؛ فإن التعريف التقليدي للمرتزقة بأنهم: مجرد "مجموعة مقاتلين أجانب عابرة للحدود تنشط داخل البلدان لمصلحة أحد أطرافها المتحاربة وفقاً لاتفاق مالي" لم يعد كافياً، بل أصبحت شبكات المرتزقة ظاهرة أكثر تعقيداً، خاصة مع إدماجها في سياسات دول مثل الإمارات، التي أصبحت بالفعل "مركز أنشطة المرتزقة" في العالم، وفقاً لأندرياس كريغ، الخبير في شؤون السياسة الإماراتية.