"الناتو الأوسطي": صراع مع الزمن في لحظة أفول الهيمنة
مشروع "الناتو الشرق أوسطي" قد يتحول، بدلاً من أن يكون إعلاناً عن استعادة الهيمنة الأميركية، إلى مؤشر إضافي على الأزمة العميقة التي تواجهها تلك الهيمنة في مرحلة الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب.
-
لماذا يفشل "الناتو الأوسطي" قبل أن يبدأ؟
في مراكز القرار بواشنطن، عاد الحديث مجدداً عن "الناتو الشرق أوسطي"، لا بدافع الثقة بالقدرة على بنائه، بل بدافع الصراع مع الزمن وخشية نتائج ما بعد الحرب. فالولايات المتحدة تدرك أن النافذة التي لديها لتثبيت أمر واقع جديد في غرب آسيا تضيق سريعاً، وأن الانسحاب من دون ترتيبات أمنية بديلة سيكون بمنزلة اعتراف علني بنهاية دورها كحامٍ للهيمنة الغربية في قلب العالم.
منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من زيارته إلى بكين، بدا واضحاً أن واشنطن تواجه واقعاً استراتيجياً مختلفاً تماماً عمّا اعتادته خلال العقود الماضية.
فالمواجهة مع إيران لم تؤدِّ إلى إخضاع طهران أو دفعها نحو الاستسلام السياسي، بل أظهرت حدود القدرة الأميركية على فرض الإرادة بالقوة، وأعادت طرح أسئلة عميقة حول مستقبل الهيمنة الأميركية في غرب آسيا. زيارة ترامب للصين، التي كان يأمل من خلالها حشد دعم بكين للضغط على طهران، عادت بخفّي حنين، مؤكدة أن بكين لن تتخلى عن حليفتها الاستراتيجية في إيران، وأن العالم لم يعد أحادي القطب.
في هذا السياق، يبدو أن الولايات المتحدة عادت إلى إحياء فكرة "الناتو الشرق أوسطي" بوصفها محاولة أخيرة لإعادة ترميم شبكة النفوذ الأميركي وحماية أمن "إسرائيل"، ليس فقط من الأخطار العسكرية المباشرة، بل أيضاً من التحولات السياسية والجيوسياسية التي تتشكل في المنطقة. فواشنطن تدرك أن أي تراجع في قدرتها على ضبط التوازنات الإقليمية قد ينعكس مباشرة على موقع "إسرائيل" ودورها، وعلى مجمل النظام الإقليمي الذي تأسس لعقود تحت المظلة الأميركية.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل ما زال هذا المشروع قابلاً للحياة؟ أم أنه، كما أشارت مجلة "ناشيونال إنترست" مؤخراً، مجرد "وهم استراتيجي" يعكس حالة الإنكار الجماعي في واشنطن؟
«حلف بغداد»: شاهد تاريخي على مصير الأحلاف المستوردة
إذا أردنا أن نبحث عن شاهد تاريخي على فشل المشاريع الأمنية الغربية في المنطقة، فإن حلف بغداد (المعروف رسمياً بـ"حلف المعاهدة المركزية - CENTO") يظل النموذج الأكثر دلالة. تأسس هذا الحلف في الـ24 من شباط/فبراير 1955 كأداة لمواجهة المد الشيوعي، بمشاركة تركيا والعراق وباكستان وإيران تحت الإشراف البريطاني والأميركي.
ورغم الآمال الغربية الكبيرة، فقد ولد هذا الحلف ميتاً تقريباً. كانت أسباب فشله متعددة: فقد افتقر إلى هوية مشتركة، إذ جمع دولاً ذات توجهات قومية وإسلامية متباينة. كما رفضت القومية العربية الانضواء تحته، وشنّت القاهرة حملة إعلامية ضارية ضده، رافضةً ربط مصير المنطقة بمصالح غربية بعيدة. لكن ربما كان الانسحاب العراقي عام 1959 إثر الثورة التي أطاحت الحكم الملكي، والإعلان التركي للانسحاب عام 1977، والانسحاب الإيراني عام 1979 بعد سقوط الشاه، هي الضربات القاضية التي أثبتت هشاشة البنى الأمنية التي تُفرض بالقوة الخارجية.
هذه الدروس التاريخية تؤكد أن ولاءات الدول تتغير بتغير أنظمتها، وأن أي تحالف لا يقوم على قناعة داخلية راسخة هو مرشح للانهيار عند أول اختبار. واليوم، تعيد واشنطن إنتاج الخطأ ذاته، لكن في ظروف أكثر تعقيداً.
صراع مع الزمن: لماذا تستعجل واشنطن الآن؟
ما يثير الانتباه هو أن الحديث عن "الناتو الأوسطي" لم يعد مجرد فكرة نظرية تُطرح في مراكز الأبحاث، بل تحول إلى مشروع تدرسه إدارة ترامب بجدية، في محاولة لتثبيت أمر واقع قبل أن تسفر نتائج الحرب عن ترتيبات إقليمية جديدة لا تصب في مصلحة واشنطن.
أسباب هذا الاستعجال متعددة:
أولاً: خشية الفراغ الاستراتيجي – بعد فشل الحرب في إسقاط النظام الإيراني، تدرك واشنطن أن المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة ترتيب للأوراق. في هذه المرحلة، أي ترتيبات أمنية جديدة ستتم من دون الولايات المتحدة إذا لم تبادر هي إلى تقديم بديل.
ثانياً: مخاوف تل أبيب الوجودية – "إسرائيل" تخرج من الحرب منهكة، وعاجزة عن تحقيق أي من أهدافها المعلنة. الردع الإسرائيلي تضرر بشدة، وحلفاء "إسرائيل" الإقليميون بدأوا يبتعدون. "إسرائيل" بحاجة ماسة إلى مظلة أمنية أميركية جديدة، وهذا ما تحاول واشنطن توفيره عبر الناتو الأوسطي.
ثالثاً: سباق مع المشاريع المنافسة – الصين وروسيا تعملان على بناء نظام إقليمي موازٍ، عبر منظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة البريكس، والمشاريع الثنائية مع دول الخليج وإيران وتركيا. كل يوم يمر من دون ترتيبات أميركية هو يوم تكسب فيه هذه القوى منافسة.
رابعاً: الانتخابات الأميركية – مع اقتراب موسم الانتخابات، تحتاج الإدارة الأميركية إلى إنجاز دبلوماسي ترفعه أمام الناخبين. "الشرق الأوسط الآمن" قد يكون شعاراً جيداً، لكن تنفيذه يبدو مستحيلاً.
لماذا يفشل "الناتو الأوسطي" قبل أن يبدأ؟
الواقع يشير إلى أن الظروف التي سمحت سابقاً بقيام تحالفات واسعة تقودها الولايات المتحدة لم تعد متوافرة بالدرجة نفسها. فالحرب الأخيرة على إيران، مهما كانت نتائجها العسكرية المباشرة، كشفت تراجع قوة الردع الأميركية والإسرائيلية معاً. إذ لم يعد يُنظر إلى واشنطن بوصفها القوة القادرة على الحسم السريع أو فرض التسويات بالقوة، كما أن صورة الالتزام الأميركي تجاه الحلفاء تعرضت لاهتزازات متكررة.
إلى جانب ذلك، تواجه "إسرائيل" نفسها أزمات بنيوية في بيئتها الإقليمية. فالعجز عن تحقيق حسم واضح في لبنان، واستمرار التوترات مع قوى المقاومة، يقابله تصاعد تناقضاتها مع قوى إقليمية كبرى مثل تركيا ومصر. وزير الخارجية التركي هاكان فيدان كان واضحاً عندما قال إن "المنطقة تحترق لكنها لم تنفجر بعد"، في إشارة إلى أن تركيا لن تسمح بتمرير أي مشروع إقليمي يستثنيها أو يستهدف حلفاءها.
أما العامل الأكثر حساسية، فهو التحول التدريجي في الموقف السعودي. فالرياض تبدو اليوم أقل اندفاعاً نحو الانخراط الكامل في المشروع الإبراهيمي بشروطها التعجيزية، وأكثر ميلاً إلى إدارة توازنات دقيقة بين القوى الكبرى والإقليمية. وزير الدفاع السعودي أبلغ الكونغرس بوضوح أن بلاده لن تكون جزءاً من أي حلف لمواجهة إيران، مطالبةً بعلاقة جديدة مع واشنطن تقوم على الاحترام المتبادل لا التبعية. بل إن الرياض ربطت أي تطبيع مستقبلي بحل الدولتين، ما يُفقد أي تحالف إقليمي بقيادة أميركية أهم أذرعه السياسية والمالية.
سوريا نموذجاً: تراجع القدرة الغربية على إعادة تشكيل الإقليم
التحولات الجارية في سوريا تمثل نموذجاً واضحاً على تراجع القدرة الغربية على إعادة تشكيل الإقليم وفق الرؤية التقليدية. فالمشهد السوري، رغم تعقيداته، يعكس صعود أدوار إقليمية ودولية جديدة (تركيا، إيران، روسيا)، وتراجع فاعلية أدوات الضغط الأميركية.
سوريا اليوم ليست مجرد دولة منهارة، بل هي ساحة تتصارع فيها القوى الإقليمية والدولية، من دون أن تكون لأميركا كلمة حاسمة. قواتها التي كانت منتشرة في شرق الفرات موجودة بموافقة ضمنية من القوى الأخرى، وانسحبت منها قبل الحرب، لا بقدرتها على فرض إرادتها. أي حديث عن "ناتو أوسطي" يتجاهل هذه الحقيقة الأساسية: أميركا لم تعد اللاعب الوحيد في الساحة السورية، ولا يمكنها بناء تحالف إقليمي من دون موافقة أو على الأقل قبول من القوى الفاعلة الحقيقية (تركيا، إيران، روسيا).
الأهم، أن سوريا الجديدة، رغم ضعفها، لن تكون أداة بيد أحد. الحكومة الانتقالية في دمشق تدرك أن البقاء في السلطة يتطلب توازناً دقيقاً بين القوى المختلفة، وأي انحياز كامل لواشنطن سيعني خسارة الدعم التركي-الروسي الذي تحتاجه لاستقرار البلاد، وفيما بعد الإيراني، عدا عن حاجتها لتحقيق الاستقرار الداخلي، الذي يبدو أنه ما زال بعيداََ كانعكاس لتصاعد الصراع الدولي.
الخلاصة: مشروع في غير أوانه
ما تريده واشنطن اليوم ليس "ناتو أوسطياً" حقيقياً، بل ترتيبات أمنية سريعة تثبت أمر واقع مؤقتاً، وتوفر غطاءً للانسحاب الاستراتيجي من المنطقة من دون أن يبدو انهزامياً. لكن الظروف التي تدفع الولايات المتحدة إلى محاولة إنشاء هذا الحلف، هي نفسها التي قد تؤدي إلى فشله.
فالإقليم لم يعد موحد الاتجاه، والقوى المحلية لم تعد مستعدة للارتهان الكامل لمحور واحد، بينما تتقدم قوى دولية منافسة بخطوات ثابتة نحو إعادة رسم النظام العالمي. "إسرائيل" نفسها، التي يفترض أن تكون محور هذا الحلف، خارجة من الحرب أضعف مما دخلت، ومصداقيتها الردعية في أدنى مستوياتها.
وعليه، فإن مشروع "الناتو الشرق أوسطي" قد يتحول، بدلاً من أن يكون إعلاناً عن استعادة الهيمنة الأميركية، إلى مؤشر إضافي على الأزمة العميقة التي تواجهها تلك الهيمنة في مرحلة الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب. وكما يتذكر أي دارس للتاريخ، حلف بغداد وُلد في ذروة القوة الغربية وسقط مع أول هزة، فكيف بحلف يولد في لحظة تراجع واضح، وفي ظل غياب أي إرادة إقليمية حقيقية لولادته؟
السؤال المتبقي: هل تدرك واشنطن أن الوقت قد فات لإحياء نماذج الهيمنة القديمة؟ أم أنها ستستمر في خوض صراعها مع الزمن حتى النهاية، آملة في تحقيق ما عجزت عن تحقيقه بالقوة العسكرية المباشرة؟