#الحرية_لمحمد_فرج.. لأن الكلمة ليست جريمة والصحافة ليست تهمة
محمد فرج شاب أردني أصيل وصادق، واعتقاله بهذه الطريقة يقدّم صورة سلبية عن مستوى الحريات في الأردن، فيما يشكّل الإفراج عنه وتوضيح أسباب اعتقاله مصلحة للعدالة وسيادة القانون.
-
قضية محمد فرج هي قضية كل صحافي يرى في قلمه مسؤولية لا تهمة.
منذ أكثر من 20 يوماً، يقبع الإعلامي والباحث الأردني الزميل محمد فرج رهن الاعتقال لدى السلطات الأردنية، في قضية أثارت موجة واسعة من التضامن مع قضيته، والقلق على الحريات الصحافية في الأردن، وهي إن كانت أولاً قضيتنا في الميادين باعتبار الزمالة والصداقة، إلا أنها لا تتعلق بشخص صحافي بعينه، بقدر ما تعكس اختباراً حقيقياً لحدود حرية التعبير والعمل الإعلامي في منطقتنا عموماً، في زمن تتزايد الضغوط السياسية والأمنية، ويتقلص هامش الرأي المخالف، ويصبح الصحافي والناشط المقتنع بقضية أو المدافع عن حق هدفاً للقمع والاعتقال والتغييب.
محمد فرج ليس اسماً عابراً في المشهد الإعلامي العربي. هو صحافي معروف بمواقفه الواضحة، وبكتاباته التي تنحاز إلى قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والتي تتبنى خطاباً نقدياً تجاه السياسات والمخططات الإقليمية والدولية للقوى الإمبريالية.
اعتقاله، وفق ما تشير إليه المعطيات الشحيحة المتوفرة، جاء على خلفية آرائه ومواقفه، لا بسبب أي فعل جنائي واضح، وهو ما يضع القضية في إطار تجريم الرأي والضغط عليه وتخويفه لا تطبيق القانون.
الصحافة بين الواجب المهني وسقف المسموح
ما يثير القلق في قضية محمد فرج، ليس استمرار توقيفه دون معلومات عن ظروف اعتقاله أو التهمة الموجهة إليه فحسب، بل الرسالة التي يحملها هذا الاعتقال إلى الصحافيين والإعلاميين عموماً أيضاً؛ فالصحافة، بطبيعتها، تقوم على طرح الأسئلة، ومساءلة السياسات العامة، وفتح المجال أمام الروايات المختلفة، لا الاكتفاء بترديد الخطاب الرسمي أو السائد.
ما يواجهه فرج اليوم هو نتيجة مباشرة لمناخ عام يتعامل مع الرأي السياسي بوصفه تهديداً، لا حقاً مكفولاً. هذا المناخ لا يقتصر على دولة بعينها، بل هو سمة مشتركة في أكثر من بلد عربي، حيث يُعاد تعريف مصطلح "متطلبات الأمن" ليشمل الأفكار والمواقف والتحليلات، وبالتالي استهداف أصحابها ومساءلتهم والضغط عليهم.
محمد فرج وبلده الأردن
خلال معرفتي بمحمد فرج، والتي امتدت لسنوات، لم أذكر أننا تطرقنا في نقاشاتنا اليومية السياسية إلى بلده الأردن إلا من باب الاستراتيجيا المرتبطة بملفات المنطقة، فمحمد لم يكن منخرطاً في السياسة اليومية الأردنية، ولم يكن يتناولها لا في برامجه ولا مقالاته، كما لم يكن يوماً محرضاً على الاستقرار في الأردن، بل كان خائفاً على أن يكون بلده ضحية لعبة المصالح في المنطقة والتطورات الدراماتيكية التي عصفت بنا، وخصوصاً العام الفائت.
من هذا المنطلق، ورغم تزايد حالات اعتقال الناشطين في الأردن في الآونة الأخيرة، ذهب محمد إلى الأردن لقضاء الإجازة ومعايدة الأهل، وهو يعرف أنه لم يذنب أو يرتكب ما يستحق من أجله أن يكون حبيساً وراء القضبان لأيام وأسابيع!
فهل يستحق الرجل أن يعود إلى بلده بعد أن يحقق النجاح والتميز خارجه ويصبح علامة فارقة في مجاله، ليجد نفسه محتجزاً بتهمة حب وطنه والانتماء إلى قضاياه العادلة؟
محمد فرج وعمله الصحافي
محمد ليس صحافياً أكاديمياً؛ فقد تخصص في نظم المعلومات، وهو مجال أبدع فيه لسنوات، لكنه قرر منذ سنوات أن يتركه ويتحول إلى العمل الصحافي ويتفرغ له، بعدما كان يقارب الإعلام من باب كونه وسيلة نضال يلجأ إليها ليعبر عن رأيه ويرفع الصوت لمناصرة القضية التي يؤمن بها، وكان هذا التحول من باب الميادين.
في عمله الصحافي، لم يكن محمد فرج إلا مهنياً وموضوعياً؛ كان باحثاً عن الحقيقة وما يختبئ خلف الحدث، كان حريصاً على الدقة في نقل الخبر ومعالجة أي ملف من دون دعاية أو تهويل، ومع فهم أبعاد كل حدث وتوضيحه، وكذا كانت باكورة برامجه في الميادين "في المعادلة" الذي عمل عليه بين عامي 2022 و2023، وهما عامان حفلا بالكثير من الأحداث، سواء في فلسطين والمنطقة أو في أوكرانيا والصراع العالمي حولها. ويمكن لمن تابع حلقات البرنامج أن يلحظ عمق الطرح والمسؤولية في معالجة القضايا وتحليلها.
وحتى عندما عالج حدثين بالغي الأهمية والخطورة في السنوات الأخيرة؛ "طوفان الأقصى" والعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، لم يتخلَ عن مهنيته وموضوعيته، وإن عادت روح الباحث العميق إلى الظهور بقوة، فكانت سلسلتا "الطوفان" و"الرهان الخائب" التوثيقيتان أكثر من حلقات تلفزيونية، لتشكلا وثيقة تأريخية تحليلية هامة لهذين الحدثين الكبيرين، وهو بين كل هذه المحطات لم يكن يتوانى عن المقاربة اليومية للأحداث من خلال إطلالات يومية على شاشة الميادين أو من خلال مقالاته الثرية في الميادين نت.
أما عمل محمد في الميادين نت، وهو المساحة التي تعمقت فيها معرفتي به وصداقتي معه، فقد كانت مليئة بالنقاشات اليومية، والاختلاف حيناً والاتفاق أحياناً كثيرة، وهو وإن كان في موقع المسؤول، إلا أنه لم يتحرج يوماً في طلب المشورة والرأي، وهو إلى ذلك كله كان دائم الهوس بتطوير العمل وآلياته، ولم يكن ينسى أن الإعلام رسالة ومسؤولية، ويجب أن يكون لعملنا معنى وهدف، وهو الدفاع عن المقاومة أينما وجدت، والوقوف ضد أي محتل أو معتدٍ أو مستغل أياً كان وفضحه.
رسالة إلى السلطات الأردنية
إن إطلاق سراح محمد فرج لا ينبغي أن يكون استجابة لمطلب حقوقي أو تضامني فحسب، بل يجب أن يكون أيضاً خطوة ضرورية لإعادة التأكيد على التزام الأردن بحرية الصحافة، واحترام الدستور، والمواثيق الدولية التي تكفل حرية الرأي والتعبير.
السلطات الأردنية مدعوة إلى معالجة هذه القضية بحكمة، بعيداً عن منطق التخويف والترهيب، لأن كلفة تقييد الحريات – على المدى البعيد – أعلى بكثير من كلفة السماح بالنقد والاختلاف.
محمد شاب أردني أصيل وصادق واعتقاله بهذه الطريقة يصدّر صورة سلبية جداً عن مستوى الحريات في الأردن، وعن سيادة القانون، والإفراج عنه بسرعة وتوضيح أسباب اعتقاله مصلحة أردنية للسلطات الأمنية وللعدالة وسيادة القانون، وبالتالي لكل الأردنيين.
كما أن الدفاع عن الصحافيين المعتقلين هو دفاع عن حق المجتمع في المعرفة، وحقه في الوصول إلى فهم أعمق وروايات متعددة للأحداث، لا رواية واحدة مصفّاة ومراقَبة؛ فالصحافي الذي يُعتقل اليوم بسبب رأيه، يفتح الباب أمام اعتقال آخرين غداً، وربما إسكات مشهد إعلامي كامل.
قضية محمد فرج هي قضية كل صحافي يرى في قلمه مسؤولية، لا تهمة، وفي رأيه حقاً، لا جريمة، وهي أيضاً قضية مجتمع لا يمكن أن يتنفس دون إعلام حر، ولا أن يواجه تحدياته دون نقاش مفتوح وصريح.
الحرية لمحمد فرج.
الحرية لكل صحافي يدفع ثمن الكلمة.
الحرية لنا جميعاً.