"إسرائيل" والولايات المتحدة في حربهما على إيران؛ وسؤال التابع والمتبوع؟؟
هل القرار الأميركي في ظل إدارة ترامب مستقل بالفعل، أم أنّ نفوذ حكومة نتنياهو ما زال عاملاً حاسماً في رسم مساره؟
-
من الذي يقود من؟
تطوّرت العلاقة الأميركية الإسرائيلية سريعاً منذ نشأتها، بُعيد اعتراف الرئيس هاري ترومان بـ "إسرائيل" فور إعلان تأسيسها في 14 أيار/مايو 1948، إلى تحالف وثيق وشراكة استراتيجية اعتُبِرت "إسرائيل" بموجبها أهمّ حليف يحمي مصالح أميركا في الشرق الأوسط ويشكّل قاعدة أميركية متقدّمة تهدّد وتضرب بها خصومها.
ظلّت العلاقة ما بين الحليفين الاستراتيجيين، والتي امتدت لعقود طويلة من التعاون العسكري، الاقتصادي، والدبلوماسي، محلّ تساؤلات متكرّرة حول دوافعها ومُحرّكاتها ومآلاتها، وكان السؤال الأهم في محطات فاصلة التبست فيها مصالح الطرفين، من الذي يقود من؟. تبدّى هذا مثلاً، في الحرب الإسرائيلية على القطاع ومن ثم في الموقف من طريقة إنهائها، ولاحقاً في مراحل تنفيذ خطتَي ترامب الأولى والثانية.
انقسمت المواقف في النظرة إلى هذه العلاقة، بين من يرى في "إسرائيل" ذراعاً ضارباً للولايات المتحدة في المنطقة، تُنفّذ أجندتها وتستفيد منها في قهر من يناوئ سياستها، وبين من يرى فيها انسياقاً أميركياً خلف نزوات "إسرائيل" وأطماعها، ويقدّم دليلاً لا التباس فيه، على تأثير "إسرائيل" الكبير على الإدارات الأميركية المتعاقبة، وبالأخصّ إدراة الرئيس ترامب، ما قدّمته لـ "إسرائيل" من مزايا حتى لحظة دخولها الحرب معها ضد إيران.
ولا شكّ بأنّ الفوائد التي تعود على الولايات المتحدة من علاقتها بـ "إسرائيل" تدلّ على أنّ تحالفهما لا يعتمد فقط على ما يسمّيانه "القيم الديمقراطية" المشتركة بينهما، أو مكانة "إسرائيل" في السياسة الأميركية، بل يعتمد كذلك على المصالح المتبادلة بينهما.
وهو ما أشار إليه وزير خارجية الاحتلال "جدعون ساعر" في كلمته خلال فعّالية احتفالية بمرور 250 عاماً على قيام الولايات المتحدة، حيث أكد "الفوائد الهائلة التي تُقدّمها إسرائيل للمصالح الأميركية والأمن القومي الأميركي"، مُذكّراً أنّ "إسرائيل تمثّل رصيداً مُهماً للولايات المتحدة التي لا تملك صديقاً وحليفاً أقوى منها في هذه المنطقة، وربما في العالم أجمع".
ولا نجد أدلّ على عمق هذه العلاقة "المنفعية" المتبادلة من الإشارة إلى ما جَنَته الولايات المتحدة من علاقتها بـ "إسرائيل" في عدة مجالات؛ منها مواجهة النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط، ومناوأة القومية العربية من خلال التعاون الأمني الذي بدأ منذ أيام الحرب الباردة، كما مواجهة "قوى التطرّف" في الشرق الأوسط، بما في ذلك ما يصفه الطرفان "بالإسلام السياسي المتطرف" أو وفق تعبير بيت هيغسيث، وزير الحرب الأميركي، "الأنظمة المجنونة المتشبّثة بالأوهام النبوية الإسلامية، والتي قال بأنه لن يسمح لها بامتلاك سلاح نووي".
ولا شك بأنّ التحالف الأميركي الإسرائيلي ساعد ولا يزال على توثيق العلاقات الأميركية العربية، بناءً على نظرية مفادها أنّ الولايات المتحدة فقط هي التي يمكنها إقناع "إسرائيل" بتقديم تنازلات في المفاوضات. ناهيك عن تطوير تكنولوجيات عسكرية متطورة، مثل أنظمة الدفاع الصاروخي وتقاسم المعلومات الاستخباراتية بشأن "الإرهاب" وانتشار السلاح النووي والمساهمة في منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في المنطقة عبر إحباط البرامج النووية في العراق وسوريا وليبيا وأخيراً إيران.
في سياق هذا الدور الوظيفي، ما زالت "إسرائيل" مهمة وحيوية بالنسبة للمشروع الإمبريالي، لأنها جزء أساسي منه، وهناك الكثير من المهمات والواجبات الملقاة على عاتقها، والكثير من الأدوار التي عليها تأديتها.
هذه الثقة عبّر عنها وزير الحرب الأميركي في مؤتمر صحفي عقده قبل يومين حين صرّح أنّ "الحليف الحقيقي هو من يملك القدرة ويستخدمها"، في إشادة بـ "إسرائيل"، منتقداً ضمنياً بعض الحلفاء التقليديين في المنطقة الذين يطالبون بوقف الحرب على إيران ويكتفون بالمواقف السياسية من دون انخراط فعلي. وهو تصريح يحمل لهجة نقدية تجاه شركاء واشنطن الإقليميين الذين يفضّلون خفض التصعيد بدل المشاركة العسكرية المباشرة في الحرب، بخلاف "إسرائيل"، التي أظهرت مرة أخرى "قوتها وأثبتت قدرتها على أن تكون رأس الحربة للولايات المتحدة في المنطقة بأسرها"، وبكلمات أخرى، برهنت أنها شرطي يمكن الوثوق به!
بالاستناد إلى ذلك، يمكن الافتراض أنّ الولايات المتحدة وظّفت، إضافة إلى أساطيلها وأصولها العسكرية التي استجلبتها إلى المنطقة، عدوانية نتنياهو وتوقه اللامحدود ليسجّل لنفسه إنجازاً في إطار المواجهة المفتوحة مع إيران، كعصا غليظة هشّت بها على إيران على امتداد جولات المفاوضات النووية التي جرت بين الطرفين، في محاولة لتخويف إيران باستخدام الحرب النفسية والتسريبات المتواصلة من الإعلام الأميركي والإسرائيلي، والتلميحات الغامضة من ترامب، حول نيّة "إسرائيل" توجيه ضربة لإيران، والتي كانت كلّها جزءاً من "عرض" أميركي هدف إلى الضغط على إيران في المفاوضات ودفعها للموافقة، غير المشروطة، على الشروط الأميركية الإسرائيلية. وحين استعصت إيران وأظهرت صلابة في مواقفها، ولم تفلح معها التهديدات والحرب النفسية، ذهبت الولايات المتحدة ومعها "إسرائيل" "الدولة المُقاوِلة"، لشنّ حرب عدوانية مُنسّقة ضدّها.
ويبدو أنّ "إسرائيل" استطاعت، نظير كلّ هذه المنافع والخدمات التي تُسديها للولايات المتحدة، أن تفرض إخضاع السياسة الخارجية الأميركية لنتنياهو، ولم تكتف هذه المرة، بالدعم السياسي والدبلوماسي والدولي والمعونات المالية والمساعدات العسكرية الجمّة التي تحصل عليها.
فإضافة إلى ضغوط مارستها قوى متطرفة مؤيّدة للاحتلال الإسرائيلي، استغل نتنياهو نرجسية ترامب ونوازع الأنا المُفرطة التي تسكنه، وسطا على عقله وساقه إلى الحرب بشكل مريع، بما يخالف مسار السياسة الخارجية، والمصالح الاستراتيجية الأميركية التي رفعت شعار "أميركا أولاً"، والتي ركّزت كذلك، على الالتفات إلى الشأن الداخلي الأميركي من دون التورّط في حروب خارجية. وهو ما جرّ الولايات المتحدة إلى حرب ضدّ إيران بخلاف رغبة غالبية الأميركيين الذين وعدهم ترامب بأنه سينأى بهم عن حروب جديدة هم في غنى عنها.
أدّى هذه "الانجرار" إلى تصاعد الجدل داخل واشنطن، ولا سيما في الكونغرس وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حول طبيعة القرار الأميركي في الانخراط العسكري ضد إيران، وسط تساؤلات حادة عن مدى استقلالية هذا القرار، ومرجعيته الفعلية، ومن يقوده، ترامب أم نتنياهو! ورغم محاولات إدارة الرئيس ترامب تقديم تبريرات لاحتواء الغضب المتنامي في الأوساط السياسية، تتكشّف، مؤشرات تململ لا تقتصر على الديمقراطيين فحسب، بل تمتد إلى أوساط جمهورية، بل وحتى داخل قاعدة "ماغا" المحافظة التي طالما شكّلت الحاضنة السياسية الأبرز للرئيس الأميركي دونالد ترمب. هذا المزاج العام الرافض للحرب عبّرت عنه عضو الكونغرس الأميركي سارة جاكوبس التي قالت إنّ نتنياهو "حاول إقناع كلّ رئيس أميركي بمهاجمة إيران؛ لكنّ ترامب كان الغبي الوحيد الذي اقتنع".
فقد ذهب ترامب هذه المرة، في سبيل إرضاء "إسرائيل"، وفي مجاراة نزواة نتنياهو، إلى ما هو أبعد من التغطية والدعم ليصل إلى حدود الشراكة الفعلية في الحرب الغاشمة التي تُشنّ على إيران والتي تتجاوز أهدافها السعي لتدمير برنامج إيران النووي، وترسانتها الصاروخية، وصولاً إلى إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية.
وربما، لو تُرك الأمر لترامب بعيداً عن سطوة الضغط والإغراء الإسرائيلي، لَعَقَدَ صفقة مع إيران وأنهى الأمر، لكن نتنياهو الذي رأى في هذا الرئيس الأميركي فرصة ذهبية لن تتكرّر لإكمال سلسلة الانتقام من فواعل طوفان الأقصى وعلى رأسهم ايران، زجّ به في هذه "المغامرة" التي تجسّد في جوهرها إرادة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو واليمين المتطرف الساعي لتحقيق مصالح "تل أبيب".
تؤكد الأسئلة الأميركية المطروحة حول مشروعية هذه الحرب تصاعد الانتقادات للدعم غير المشروط لـ "إسرائيل" والذي يُخشى أن يزج بالولايات المتحدة في صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة. زد على ذلك أن هذه الحرب تطرح بقوة مستوى "سيادة القرار الوطني"، والحدود الفاصلة بين المصالح القومية الأميركية ومقتضيات التحالف مع "إسرائيل"، التي ظلّ الدعم لها أحد ثوابت الإجماع الحزبي في واشنطن لعقود متتالية.
وبينما تستمر الحرب، يبقى السؤال مفتوحاً داخل الولايات المتحدة على وجه الخصوص، هل القرار الأميركي في ظل إدارة ترامب مستقل بالفعل، أم أنّ نفوذ حكومة نتنياهو ما زال عاملاً حاسماً في رسم مساره؟