"هرمجدون" المؤجلة: مذكرة التفاهم بين سندان التطبيع الإسرائيلي ومطرقة الاستنزاف الإيراني
· هل يستطيع ترامب الصمود أمام ضغوط الآيباك والكونغرس لإبقاء الاتفاق على قيد الحياة، أم أنّ الاتفاق سيسقط قبل أن يبلغ نهاية نافذة الستين يوماً؟
-
إيران: الانتصار بالبقاء واستراتيجية الانتظار.
في اللحظة التي وقّعت فيها واشنطن وطهران على مذكّرة تفاهم إسلام آباد المؤلفة من 14 بنداً، لم تكن الحرب قد انتهت. لقد تحوّلت للتوّ من ساحات القتال المفتوحة إلى "حرب منخفضة المستوى" في براري السياسة والضغوط والاستنزاف.
نصّ المذكّرة يمنحنا مهلة 60 يوماً للتفاوض على بنود نهائية، قابلة للتمديد بموافقة الطرفين، لكنّ كلّ ما يتبع هذه النافذة الزمنية المؤقتة هو أشبه بمسيرة على حبل مشدود فوق هاوية، حيث يتربّص بنا سيناريوهان مرعبان بتداعياتهما: إما انهيار الاتفاق تحت وطأة ضغوط داخلية أميركية و"تل أبيب"، وإما تحوّله إلى هدنة هشّة توفّر غطاءً لإعادة التموضع العسكري الإيراني وتوسيع قدراته.
ترامب في قبضة الآيباك: هل يستطيع الصمود؟
المشكلة الأكبر التي تواجه الرئيس ترامب، والتي قد تجعل نافذة الستين يوماً مجرّد ممرّ إلى الانهيار، هي أنه ليس سيّد قراره داخل واشنطن. فهو يواجه جبهة داخلية متحالفة ضدّه تجمع بين "جماعات الضغط الإسرائيلية" وفي مقدّمتها الآيباك، التي كانت وراء إلغاء الاتفاق النووي عام 2015، والتي تتصدّر الآن حملة لتقويض أيّ اتفاق جديد مع إيران. فالآيباك أصدرت بياناً محذّراً قالت فيه إنها "تتطلّع لمعرفة ما إذا كانت الصفقة تحتفظ بالحقّ السيادي لإسرائيل في الردّ على التهديدات الأمنية التي تواجهها"، مشيرةً إلى أنّ أيّ اتفاق نهائي يجب أن يتعامل مع برامج الصواريخ والمسيّرات الإيرانية ودعمها للجماعات المسلحة في المنطقة.
الآيباك لم تكتفِ بذلك، بل أعلنت صراحة أنّ الكونغرس "سيؤدّي دوراً حاسماً في مراجعة الاتفاق النهائي"، وهو ما يعني أنها ستسعى لتقويض أيّ اتفاق في الكونغرس. يضاف إلى ذلك الديمقراطيون الوسطيون الموالون لـ"إسرائيل"، الذين ينتظرون الانتخابات النصفية لاستعادة زمام المبادرة وإعادة فرض عقوبات جديدة على إيران، ليس بالضرورة عن طريق العودة إلى الحرب، بل عبر سياسات ضغط تدريجية تصعّب على طهران التنفّس اقتصادياً وتدفعها إلى الانسحاب من الاتفاق.
"إسرائيل" بين الانهيار والاستنزاف: مشروع "إسرائيل الكبرى" ينهار
في الجانب الآخر من المعادلة، تعيش "إسرائيل" أزمة وجودية غير مسبوقة. فالاتفاق الذي وصفه إعلامها بأنه "كارثة استراتيجية" و"استسلام مذلّ"، أنهى فعلياً أيّ أمل في تحقيق أهداف الحرب التي صُنعت في "تل أبيب": تغيير النظام في إيران أو تفكيك برنامجها النووي أو حتى تجريدها من قوتها الصاروخية.
المشكلة الأكبر أنّ "إسرائيل" تدرك اليوم أنّ اتفاق إسلام آباد لا يكتفي بعدم تحقيق أهدافها، بل يُضعف موقعها الاستراتيجي بشكل كبير. فالاتفاق يُلزمها بالانسحاب من جنوب لبنان، ويُخرج القوات الأميركية من محيط إيران، ويُطلق العنان لتدفّق مئات المليارات من الدولارات إلى طهران، وهو ما سيُستخدم حتماً لتعزيز قدراتها الصاروخية ودعم حلفائها في المنطقة. وكما قال المحلّل العسكري الإسرائيلي البارز يعقوب عميدرور: "إنها اتفاقية سيئة، يدفع فيها الأميركيون بالمال، وحصلوا في المقابل على خطاب نوايا فقط".
بعبارة أخرى، تدرك "تل أبيب" أنّ "مشروع إسرائيل الكبرى" الذي راهن عليه نتنياهو منذ سنوات أصبح الآن مجرّد ذكرى. الحرب لم تحقّق أياً من أهدافها، ودفعت "إسرائيل" من الانتصار الوهمي إلى التراجع عن مشروع الهيمنة الإقليمية إلى مجرّد "الدفاع داخل القلعة". الأهمّ من ذلك، أنها فقدت عامل الردع الذي كان حجر الزاوية في أمنها، واكتشفت أنّ إيران قادرة على تحمّل خسائر فادحة من دون أن تنهار.
إيران: الانتصار بالبقاء واستراتيجية الانتظار
في الجانب الآخر من الطاولة، تقف إيران التي خرجت من الحرب برأس مرفوع، رغم الخسائر الفادحة التي تكبّدتها. فطهران تدرك أنّ النصر الحقيقي لا يُقاس بعدد الصواريخ التي أطلقتها، بل بقدرتها على البقاء وفرض معادلات جديدة على الأرض. وكما يظهر الاتفاق، إيران استطاعت أن تفرض شروطها: رفع الحصار البحري، فتح مضيق هرمز، إطلاق سراح أصولها المجمّدة، وبدء مفاوضات نووية من موقع قوة، مع بقاء برنامجها النووي في الوضع الحالي.
استراتيجية إيران الآن هي الانتظار. الانتظار حتى تنهار الضغوط الداخلية على ترامب، أو حتى تنجح الانتخابات النصفية في تغيير موازين القوى في واشنطن، أو حتى تتصدّع العلاقة بين واشنطن و"تل أبيب" إلى درجة لا تسمح بأيّ عمل عسكري مستقبلي. وفي هذه الأثناء، ستعمل طهران على تعزيز دورها الإقليمي في المنطقة، على حساب الدور الإسرائيلي، عبر استثمار الأموال التي ستنهال عليها من إعادة الإعمار ورفع العقوبات، تماماً كما فعلت بعد الاتفاق النووي عام 2015
مسارات الحرب منخفضة المستوى: سيناريوهات محتملة
في خضمّ هذا الجمود، يمكننا توقّع عدّة مسارات لإدارة الصراع خلال الفترة المقبلة:
السيناريو الأول: انهيار الاتفاق وعودة الحرب. إذا فشلت نافذة الستين يوماً في تحقيق تقدّم ملموس، أو إذا نجحت الضغوط الإسرائيلية والديمقراطية في تقويض الاتفاق في الكونغرس، فقد نشهد عودة إلى حرب مفتوحة. لكن هذه المرة، ستكون "إسرائيل" وحدها في ساحة المعركة، بعد أن تخلّى عنها حلفاؤها الأوروبيون، وانسحبت القوات الأميركية، وتراجعت مكانة واشنطن الدولية.
السيناريو الثاني: اتفاق هشّ وطويل الأمد. قد تنجح المفاوضات في التوصّل إلى اتفاق نهائي، لكنه سيكون هشّاً وعرضة للانهيار عند أول أزمة. هذا السيناريو قد يخلق فترة من "السلام المسلّح"، حيث تستثمر في فترة الهدوء لإعادة بناء قوتها العسكرية والاقتصادية، بينما تستعدّ "إسرائيل" وأميركا لجولة جديدة من المواجهة.
السيناريو الثالث: حرب استنزاف دبلوماسية. قد يتحوّل الصراع إلى حرب منخفضة المستوى في المجال الدبلوماسي والاقتصادي، حيث يسعى كلّ طرف لتقويض موقف الآخر عبر العقوبات والضغوط والتحالفات الجديدة. في هذا السيناريو، قد تتبلور شبكة التحالفات الجديدة التي بدأت تعبّر عن نفسها بعد اندلاع الحرب (تركيا- باكستان- مصر-قطر- السعودية) التي ساهمت بشكل كبير بالوصول إلى مذكّرة التفاهم، كعنصر موازن لنتائجها وبشكل يدفع نحو التحوّل لتشكيل نظام أمني خاصّ بأهل المنطقة مع إيران.
ماذا بعد؟ أسئلة مفتوحة
في ظلّ هذه السيناريوهات المتشابكة، تبقى الأسئلة الآتية مفتوحة على كلّ الاحتمالات:
· هل يستطيع ترامب الصمود أمام ضغوط الآيباك والكونغرس لإبقاء الاتفاق على قيد الحياة، أم أنّ الاتفاق سيسقط قبل أن يبلغ نهاية نافذة الستين يوماً؟
· كيف سيكون شكل غرب آسيا إذا فشل الاتفاق وعادت الحرب من جديد؟ وهل ستكون "إسرائيل" مستعدّة لخوض حرب وحدها من دون غطاء أميركي؟
· ما هو مصير "مشروع إسرائيل الكبرى" بعد انكشاف حدود القوة الإسرائيلية وفشل الحرب في تحقيق أهدافها؟ وهل سنشهد تحوّلاً استراتيجياً في السياسة الإسرائيلية نحو الدفاع بدلاً من التوسّع؟
· هل سيكون هناك توافق دولي على ضرورة استقرار غرب آسيا، أم أنّ الصراع سيستمر في التغذية من خلال الصراعات الداخلية في كلّ دولة على حدّة؟
الأيام والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار غرب آسيا للسنوات المقبلة. إما أن نصل إلى تسوية تاريخية تعيد تشكيل المنطقة بعيداََ عن "إسرائيل" أو ننزلق إلى حرب جديدة قد تكون أكثر دموية من سابقاتها وصولاً لـ"هرمجدون"؟
الشيء المؤكّد الوحيد أنّ غرب آسيا لن يعود إلى ما كان عليه منذ عقود طويلة، وربما قرن ونيف من الزمان.