"حزب جديد" في تركيا .. فهل يهزم أردوغان؟
تأسيس أوزغور أوزال "الحزب الجديد" يعيد رسم خريطة المعارضة التركية، ويفتح مواجهة سياسية مع إردوغان عنوانها الانتخابات المقبلة والتحالفات الكردية وتعديل الدستور، وسط توقعات بتصاعد الضغوط القضائية والأمنية على خصومه.
-
"حزب جديد" في تركيا .. فهل يهزم أردوغان؟
أعلن زعيم حزب الشعب الجمهوري السابق أوزغور أوزال، في 24 تموز/يوليو، تأسيس حزبه الجديد، وأطلق عليه اسم "الحزب الجديد"، بعدما اضطر إلى الاستقالة من حزب الشعب الجمهوري، احتجاجاً على قرار أصدرته إحدى محاكم أنقرة، في 21 أيار/مايو الماضي، وأعادت بموجبه الزعيم الأسبق للحزب كمال كليجدار أوغلو إلى رئاسته.
وجاء القرار بحجة أن العملية الانتخابية في المؤتمر العام للحزب، الذي عُقد في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 وانتُخب فيه أوزال رئيساً، لم تكن نزيهة، على الرغم من أن الهيئة العليا للانتخابات كانت قد أقرت نتائج المؤتمر.
وقال أوزال إن 90 نائباً عن حزب الشعب الجمهوري استقالوا من الحزب وانضموا معه إلى "الحزب الجديد"، ليصبح عدد نوابه 91 نائباً، في وقت تتوقع فيه أوساط الحزب انضمام نحو 20 نائباً آخر من حزب الشعب الجمهوري، وكذلك عدد كبير من رؤساء البلديات المحسوبين عليه، والذين يتهمون كليجدار أوغلو بالتواطؤ مع إردوغان.
وفي الوقت نفسه، تتوقع الأوساط المذكورة أن ينضم عدد آخر من نواب حزب الشعب الجمهوري لاحقاً إلى أحد الأحزاب السياسية الصغيرة، تحسباً للاحتمالات المستقبلية، ومنها أن يمنع الرئيس إردوغان "الحزب الجديد" من المشاركة في أي انتخابات مبكرة.
وتشترط القوانين الانتخابية التركية على الأحزاب الراغبة في المشاركة في الانتخابات استكمال تنظيمها وعقد مؤتمراتها في نصف الولايات التركية على الأقل، قبل موعد الانتخابات بستة أشهر.
استطلاعات متباينة وتقدم للمعارضة
توقعت بعض استطلاعات الرأي التي أُجريت خلال الأسابيع الأخيرة أن يحصل "الحزب الجديد" على نحو 34 أو 35% من أصوات الناخبين في الانتخابات المقبلة، مقابل نحو 30 أو 31% لحزب العدالة والتنمية، فيما أظهرت استطلاعات أخرى نتائج أقل بكثير للحزب الوليد.
كما أظهرت استطلاعات أن رئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو، أو رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش، قد يتقدمان على إردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة، إذا تمكنا من خوضها.
وفي الوقت نفسه، لا تستبعد الأوساط السياسية والإعلامية أن يستمر الرئيس إردوغان في سياسات التضييق على معارضيه سياسياً وإعلامياً، عبر الملاحقات القانونية التي تستهدف رؤساء البلديات ونواب حزب الشعب الجمهوري، ولاحقاً قيادات "الحزب الجديد"، الذي سيسعى إلى بناء تحالفات جديدة داخل البرلمان وخارجه، لضمان الحصول على الأغلبية في الانتخابات المقبلة.
وتزامن الإعلان عن الحزب الجديد مع الذكرى الـ103 لتوقيع معاهدة لوزان، التي وقّعت في 24 تموز/يوليو 1923، ومهدت للاعتراف الدولي بحدود الجمهورية التركية، التي أُعلنت رسمياً في 29 تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه.
وتتوقع الأوساط السياسية أن تنفتح قيادات الحزب الجديد على الشارع الشعبي المحافظ، الذي نجح الرئيس إردوغان في كسبه إلى جانبه من خلال خطابات دينية وقومية، تتناقض، في كثير من الأحيان، مع النهج العلماني للجمهورية التركية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك.
انتصار البلديات وحملات الملاحقة
أدت هذه السياسات إلى تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية الأخيرة، التي جرت في آذار/مارس 2024، وحقق فيها حزب الشعب الجمهوري، بزعامة أوزغور أوزال، انتصاراً كبيراً، بعدما فاز مرشحوه في عدد من الولايات والمدن الرئيسية، وفي مقدمتها إسطنبول وأنقرة وإزمير وأضنة وأنطاليا.
كما أدت اتهامات الفساد التي طالت الرئيس إردوغان وأفراداً من عائلته والمقربين منه دوراً مهماً في هزيمة حزب العدالة والتنمية، الذي يسعى، منذ نحو عام، إلى التخلص من هذه الاتهامات عبر الاعتقالات والتحقيقات التي استهدفت عدداً كبيراً من رؤساء البلديات المنتمين إلى حزب الشعب الجمهوري، ومن بينهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، بتهم تتعلق بالفساد.
وتقول المعارضة إن بعض هذه القضايا بُني على شهادات زور أو اعترافات أدلى بها موظفون في البلديات تحت الضغط، وإن النيابة العامة أجبرت بعضهم على الاعتراف بعدما هددتهم بالسجن أو باعتقال أفراد من عائلاتهم.
كما نجحت هذه الأساليب، بحسب المعارضة، في إقناع أو إجبار بعض رؤساء البلديات التابعين لحزب الشعب الجمهوري على الاستقالة والانضمام إلى حزب العدالة والتنمية، خوفاً من الاعتقال بتهم الرشوة أو السرقة.
تحالفات محتملة وضغوط متوقعة
يتوقع أن يتحالف "الحزب الجديد" في الانتخابات المقبلة مع "الحزب الجيد"، ذي التوجه القومي، إلى جانب أحزاب يسارية ويمينية أخرى.
وفي المقابل، تشير التقديرات إلى أن الرئيس إردوغان سيعمل على خلق مزيد من المشكلات للحزب الجديد، عبر الملاحقات والمضايقات القانونية، بما في ذلك احتمال رفع الحصانة البرلمانية عن أوزغور أوزال وعدد من قيادات الحزب.
كما تستبعد المعلومات أن يُقدم الرئيس إردوغان على إجراء انتخابات برلمانية أو رئاسية قبل موعدها المحدد، في 14 أيار/مايو 2028، إلا إذا ضمن أن الدعوة إلى انتخابات مبكرة ستسمح له بالترشح والفوز من جديد. ويأتي ذلك في ظل سيطرته على الأجهزة الأمنية ونفوذه الواسع في المؤسسات القضائية، وسط اتهامات معارضيه له بالتأثير في الهيئة العليا للانتخابات.
الورقة الكردية والدستور الجديد
يستمر الرئيس إردوغان في سياساته الرامية إلى منع الأكراد من التحالف مع "الحزب الجديد" والتصويت لمرشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، من خلال مواصلة مساعي المصالحة مع حزب العمال الكردستاني، وما قد يرافق ذلك من خطوات تتعلق بزعيمه عبد الله أوجلان، المعتقل منذ عام 1999.
ويهدف إردوغان، عبر هذا المسار، إلى كسب تأييد الناخبين الأكراد لمساعيه إلى صياغة دستور جديد، يتيح له ترشيح نفسه للانتخابات المقبلة مرة أخرى.
ويمنع الدستور، وفق النظام الرئاسي الحالي، انتخاب الرئيس لأكثر من ولايتين، إلا إذا قرر البرلمان إجراء انتخابات مبكرة خلال الولاية الثانية، أو جرى تعديل النصوص الدستورية ذات الصلة. أما علمانية النظام السياسي، فهي مبدأ دستوري مستقل، ولا ترتبط مباشرةً بعدد الولايات الرئاسية.
مشروع إردوغان الإقليمي
يسعى الرئيس إردوغان، منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في نهاية عام 2002، إلى أسلمة الدولة والمجتمع التركي، بعدما قدّم نفسه زعيماً للأمة الإسلامية، وأصبح لاعباً رئيسياً في تطورات المنطقة التي سبقت ما سُمي "الربيع العربي" ورافقته.
وساعدت سياساته تركيا على تعزيز وجودها العسكري والأمني والاقتصادي والثقافي في سوريا والعراق وقطر والصومال وليبيا والسودان، ودول أخرى في البلقان وآسيا الوسطى و"الشرق الأوسط". وشجع كل ذلك إردوغان على إحياء ذكريات الخلافة والسلطنة العثمانية، في نهج يبدو أنه نال إعجاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعلن أكثر من مرة إعجابه بإردوغان وعلاقته الجيدة به.
وكان ترامب قد أشاد بإردوغان بعد إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برونسون عام 2018، وشكره على دوره في الإفراج عنه، بعد أزمة سياسية واقتصادية حادة بين أنقرة وواشنطن. وجاءت تصريحات منسوبة إلى السفير الأميركي توم برّاك، قبل ثلاثة أشهر، لتثير جدلاً بشأن طبيعة الدعم الأميركي لإردوغان وعمق العلاقة الشخصية بينه وبين ترامب.
وتقول المعارضة إن إردوغان يعتمد في سياساته الداخلية والخارجية على دعم ترامب، الذي يرغب في بقائه في السلطة، حتى لو تطلب ذلك التخلص من معارضيه عبر أساليب غير ديمقراطية، لم تعد تثير الاهتمام نفسه لدى العواصم والمؤسسات الأوروبية، التي كانت تتدخل سابقاً في تفاصيل السياسة الداخلية التركية.
واشنطن وأنقرة والرهان على البقاء
تراجعت آفاق انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، الذي لم يعد مؤثراً في السياسة التركية بالقدر السابق، فيما ازداد ارتباط أنقرة بالسياسات الأميركية، وسط اتهامات من المعارضة بأن واشنطن تدعم الرئيس إردوغان، وساعدته على البقاء في السلطة منذ نهاية عام 2002، وقد تدعم مساعيه إلى تمديد حكمه عبر تعديل الدستور.
ويبقى الرهان على استمرارية الدعم الأميركي، الذي قد يساعد إردوغان على سد الطريق أمام المعارضة، وخصوصاً "الحزب الجديد"، الذي تضعه بعض استطلاعات الرأي في صدارة المنافسة، شريطة إجراء الانتخابات في أجواء ديمقراطية ونزيهة، وهو ما يستبعده كثيرون.
وسيضع ذلك تركيا أمام مرحلة مثيرة من الصراع والتوتر السياسي، يسعى إردوغان خلالها إلى البقاء في السلطة مهما كلفه ذلك، مع استمرار الأزمة الاقتصادية والمالية الخطيرة.
وتتهم المعارضة إردوغان بالتورط في القضايا الإقليمية والدولية بناءً على تعليمات الرئيس ترامب. وقال زعيم "الحزب الجديد" أوزغور أوزال إن إردوغان "ينسق ويتعاون مع تل أبيب بهدف تدمير المنطقة، بعد العدوان على غزة، ثم لبنان، وأخيراً إيران، وبعد إسقاط نظام الأسد في سوريا".
وأضاف: "إننا، فور تسلمنا السلطة، سنتصدى لكل هذه السياسات الإرهابية، ونعمل مع دول المنطقة وشعوبها على فتح صفحة جديدة في الحوار والتنسيق والتعاون بين جميع دول المنطقة، بعيداً من التأثيرات الخارجية، وخصوصاً الأميركية منها، وهي السبب في جميع مشكلات المنطقة والعالم"، على حد قوله.
وكان أوزال قد دعا إردوغان إلى "استقبال الرئيس ترامب، خلال قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، بصور طالبات المدرسة الابتدائية ضحايا العدوان الإجرامي الهمجي على مدرستهن في مدينة ميناب جنوبي إيران".