"إسرائيل" بعد حرب إيران: فشل اختبار "إسبرطة" الجديدة

تأييد الجمهور الإسرائيلي لفكرة مواصلة الحرب في لبنان، رغم الشك بنجاحها، تعبّر عن انفصال متزايد بين الفعل العسكري والغاية السياسية منه، وهذه سمة مركزية لكل نموذج "إسبرطي".

0:00
  • فشل اختبار
    فشل اختبار "إسبرطة" الجديدة.

يكشف استطلاع شهر نيسان لمعهد الأمن القومي الإسرائيلي، المتعلق بالجبهة اللبنانية، عن معطى إشكالي لدى الجمهور الإسرائيلي، إذ إن الغالبية الساحقة من الجمهور تؤيد مواصلة القتال ضد حزب الله بغضّ النظر عن مسار الحرب مع إيران.

والمفارقة، أن الجمهور نفسه يبدي "شكوكًا عميقة في قدرة هذه الحملة على تحقيق هدوء أمني طويل الأمد"، حيث يقول 62 % من المستطلَعين أنهم "لا يعتقدون أن القتال في لبنان سيؤدي إلى استقرار مستدام".

هذا التناقض الواضح بين دعم الحرب مع انعدام الثقة بنتائجها يعكس تحوّلًا عميقاً في الوعي الأمني الجمعي الإسرائيلي، إذ يظهر أن الحرب باتت هدفاً بحد ذاته، لا وسيلة لتحقيق نتيجة سياسية محددة.

والأمر اللافت هو أن هذا الميل لا يقتصر على قاعدة الائتلاف اليميني الحاكم، رغم ارتفاع نسبه هناك، بل يتغلغل أيضًا في قطاعات من المعارضة، ما يشير إلى انزياح بنيوي عام في الثقافة الاستراتيجية الإسرائيلية.

تاريخيًا، بُنيت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على مزيج من الردع، والحسم السريع، ونقل المعركة إلى أرض العدو، بهدف تقليص زمن الحرب وتكاليفها الاجتماعية. غير أنّ ما تُظهره معطيات الاستطلاع، وبالتوازي مع الحروب المتنقلة الممتدة منذ تشرين الأول 2023، يبدو أنه تخلٍ تدريجي عن فكرة الحسم، واستبدالها بمنطق القتال المستمر والمتنقل من جبهة إلى أخرى إلى ما لا نهاية.

في هذا السياق، لم تعد الحرب حدثًا استثنائيًا تُقاس جدواه بنتائجه (كما في العلم العسكري والاستراتيجي)، بل تحوّلت إلى "حالة طبيعية" على المجتمع التأقلم معها، وهذا بالضبط ما بشّر به بنيامين نتنياهو حين تحدث عن "إسرائيل الإسبرطية" في وقت سابق.

إن تأييد الجمهور الإسرائيلي لفكرة مواصلة الحرب في لبنان، رغم الشك بنجاحها، تعبّر عن انفصال متزايد بين الفعل العسكري والغاية السياسية منه، وهذه سمة مركزية لكل نموذج "إسبرطي": القتال للحفاظ على الجاهزية والهيبة، لا لتحقيق تسوية سياسية تنهي حالة الحرب وتؤمّن استقراراً طويل الأمد.

وتظهر مؤشرات هذا التحوّل كما يلي:

أ‌- مجتمع مُجنَّد ذهنيًا لقبول حرب طويلة بلا نهاية واضحة.

ب‌- استعداد متزايد للتضحية طويلة المدى مقابل وعود أمنية "غير مؤكدة."

ت‌- تراجع الحساسية تجاه سؤال الكلفة البشرية والاجتماعية والاقتصادية، طالما أن "عدم القتال" بات يُصوَّر كخطر وجودي أكبر من الحرب نفسها.

وبالرغم من ذلك، تشكّل الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران 2026 الاختبار الأشدّ قسوة لعقيدة «إسرائيل الإسبرطية». بعد أسابيع من الضربات الجوية والصاروخية المكثفة، وعمليات الاغتيال والتهديد بإسقاط النظام، انتهى الصراع إلى هدنة قسرية من دون تحقيق الأهداف المعلنة، سواء فيما يتصل بالبرنامج النووي، أم بإعادة رسم توازنات الإقليم.

هذه النتيجة تعيد إلى الأذهان إشكالية كبرى: القدرة العالية على التدمير، لكن بعجز بنيوي عن فرض نهاية سياسية. وهنا تتكشف مفارقة «إسبرطة الجديدة»: كلما وسّعت ميدان الحرب، تقلّ قدرتها على التحكم في نهاياتها. والأهم من النتائج العسكرية هو الأثر على الثقافة المجتمعية الإسرائيلية: الفشل في الحسم العسكري لم يؤدِّ إلى مراجعة الرغبة في القتال، بل إلى تطبيع الفشل نفسه.

لم يخفف الفشل في إيران من اندفاع الجمهور نحو مواصلة القتال في الشمال. على العكس، يبدو لبنان وكأنه المسرح «الأكثر قابلية» لاستمرار الحرب، لأن ثمنها يُعدّ أقل من كلفة مواجهة استراتيجية مباشرة مع قوة إقليمية كبيرة. وهذا يعني، أن الفشل والاستنزاف في لبنان بفعل ضربات المقاومة، سيدفع الإسرائيليين للانتقال إلى جبهة جديدة من القتال، طالما أن الجمهور يحتاج دائماً إلى حروب، ويدفع إليها.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل "إسرائيل الإسبرطية" التي يطمح إليها اليمين ويؤيدها المجتمع الإسرائيلي:

1. الاستنزاف

حيث يستمر القتال على جبهات متعددة، أو عبر الانتقال من جبهة إلى أخرى، بدعم شعبي كافٍ، لكن مع تآكل تدريجي في الاقتصاد والتماسك الاجتماعي، من دون لحظة حسم.

2. التراجع بضغط أميركي

هذا النموذج يقوم على الواقعية والتنازل عن الحروب المتنقلة في الإقليم تحت وطأة الضغوط الخارجية. يعرف الجميع أن البقاء الإسرائيلي قائم على الدعم الخارجي، خصوصًا الأميركي، ما يعني تقليص هامش القرار الاستراتيجي المستقل الطامح للتوسع في الإقليم بعد ثبوت عجز القوة.

لكن في هذا السيناريو، قد يقوم الأميركي بإعطاء "إسرائيل" هامشاً واسعاً من التوسع والقتال داخل فلسطين المحتلة، وذلك لإرضاء اليمين وإرضاء الجمهور المتعطش للحرب.

3. ما بعد إسبرطة

سيناريو أقل احتمالًا في المدى المنظور، يقوم على مراجعة جزئية للعقيدة، والاعتراف بحدود القوة العسكرية، والبحث عن ترتيبات سياسية إقليمية تخفف من منطق الحرب الدائمة.

في النتيجة، لا يشي استطلاع معهد الأمن القومي بتفاؤل باستقرار وسلام في منطقة الشرق الأوسط، بل يعكس قبولًا جماعيًا إسرائيلياً بحروب بلا نهاية. غير أن التاريخ يُظهر أن الدول التي تبني استراتيجيتها على اعتياد الحرب، غالبًا ما تؤجّل أزماتها بدل حلّها، إلى أن تصبح المعضلة داخلية أكثر منها خارجية، فتنفجر من الداخل.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.