ورقة إيران في الانتخابات النصفية.. حدود التأثير والمكتسبات (2)
المكسب الإيراني المحتمل ليس كونغرساً ينهي الحرب بالضرورة ولا غالبية ترفع العقوبات وتمنح طهران شروط التسوية التي تريدها.
-
الديمقراطيون ليسوا حلفاء لإيران، وانتقال الغالبية إليهم لا يعني بالضرورة قدرتهم على وقف الحرب.
إذا صحّت فرضيّة أنّ طهران تنظر إلى الانتخابات النصفية بوصفها نافذة للتأثير في هامش حركة دونالد ترامب، فإنّ السؤال التالي يتعلّق بما يمكن أن يتغيّر فعلاً إذا خسر الجمهوريون أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما. فالديمقراطيون ليسوا حلفاء لإيران، وانتقال الغالبية إليهم لا يعني بالضرورة قدرتهم على وقف الحرب أو رغبتهم في رفع العقوبات والحصار أو فتح طريق تلقائي إلى التسوية.
ما قد تكسبه طهران هو شيء أقلّ من ذلك، لكنه شديد الأهمية في خضمّ حرب طويلة: كونغرس أكثر خصومة مع الرئيس، يجعل التمويل والتوسّع العسكري وإخفاء الكلفة السياسية أصعب عليه، وكونغرس له مصلحة في إفشال ما تبقّى من ولاية ترامب وإضعاف الحزب الجمهوري تمهيداً للانتخابات الرئاسية المقبلة، الأمر الذي يمكن أن يفتح مسارات محتملة تصل وفق السيناريوهات المتطرفة إلى حدّ عزل الرئيس وهو احتمال ضعيف، أو إعادة فتح ملفات إبستين بعد السيطرة على لجان الرقابة، وهو احتمال ممكن ومتوقّع.
بهذا المعنى، لا تراهن إيران ــ إذا كانت الفرضيّة صحيحة ــ على توجيه ضربة قاصمة إلى صاحب القرار في واشنطن، بل على تضييق المساحة التي يتحرّك داخلها. إذ إنّ الرئيس يبقى القائد الأعلى للقوات المسلحة، والكونغرس لا يقود العمليات العسكرية اليومية، لكنه يملك أدوات تستطيع إبطاء الحرب وزيادة الاعتراض عليها، ورفع كلفتها السياسية على الرئيس وحزبه وإرباكهما.
أما احتمال توقّف الحرب فإنه يتوقّف أكثر على النتائج الميدانية والأكلاف المرتفعة التي تجعل استمرارها غير قابلة للتحمّل، وما قد يفعله الكونغرس في هذا السياق هو تضخيم أثر هذه الأكلاف وإبراز مساوئ الخيارات الخاطئة التي يتخذها رئيس غير كفء. يمكن على سبيل المثال أن يعيد الحزب الديمقراطي تسويق الاتفاق الذي أبرمه باراك أوباما مع إيران باعتباره الخيار العقلاني والحلّ الأمثل الذي بدّده رئيس متهوّر؛ بسببه بات الشعب الأميركي يتحمّل تبعات حرب لم تكن ضرورية.
ماذا يغيّر انتقال السيطرة؟
معارضة الديمقراطيين للحرب ليست احتمالات دستورية مجرّدة. فمنذ اندلاعها، قاد هؤلاء سلسلة متلاحقة من قرارات صلاحيات الحرب لإنهاء العمليات التي لم يمنحها الكونغرس تفويضاً صريحاً. وبحلول 30 تموز/يوليو، كان ديمقراطيو مجلس الشيوخ قد فرضوا 13 تصويتاً متعلّقاً بصلاحيات الحرب، فيما وصف زعيمهم تشاك شومر المواجهة بأنها حرب مكلفة وغير ضرورية، وتعهّد بمواصلة طرح القرارات الرامية إلى إنهائها.
وتكشف هذه المعطيات عن مسألتين: الأولى أنّ الاعتراض على الحرب قائم فعلاً ولا يحتاج إلى أن تنشئه الانتخابات من الصفر. والثانية أنّ الغالبية الجمهورية الضيّقة قادرة، في معظم الحالات، على منع تحوّله إلى قيد ملزم. ومن هنا تكتسب الانتخابات أهميتها: انتقال السيطرة لا يغيّر الآراء وحدها، بل يغيّر أيضاً من يضع جدول الأعمال، ويرأس اللجان، ويقرّر أيّ مشروع يصل إلى التصويت وأيّ تحقيق يُفتح.
ليس هناك وقف فوريّ لإطلاق النار
أقوى ما يملكه الكونغرس ليس إصدار بيان أو إقرار قانون يطلب من ترامب وقف الحرب، بل التحكّم في الأموال اللازمة لاستمرارها. وقد ظهرت أهمية هذه الأداة عندما طلب البيت الأبيض، في 24 حزيران/يونيو الماضي، تمويلاً إضافياً قيمته 87.6 مليار دولار، خُصّص معظمه لتغطية حاجات مرتبطة بالحرب، بينها النفقات التشغيلية وتعويض الذخائر المستهلكة وتعزيز القاعدة الصناعية العسكرية. وقدّرت "رويترز" الجزء المتصل مباشرة بالعمليات العسكرية ضدّ إيران بنحو 67.15 مليار دولار.
لو كان الديمقراطيون يسيطرون على مجلس النواب، لامتلكوا القدرة على رفض طلب كهذا، أو تجزئته، أو ربطه بشروط تتعلّق بمدة العمليات وأهدافها ورفع تقارير دورية عن كلفتها. لكنّ أثر هذا الرفض لا يكون فورياً أو مطلقاً، لأنّ الإدارة تستطيع مواصلة الإنفاق من اعتمادات سابقة أو نقل بعض الأموال ضمن الحدود التي يسمح بها القانون، كما تستطيع تحميل خصومها مسؤولية تعريض الجنود للخطر أو تعطيل عمل الحكومة.
لهذا لا تعمل صلاحية التمويل كزرّ يوقف الحرب لحظة الضغط عليه، بل كورقة تفاوض ومساومة. وكلما طال القتال واحتاج البنتاغون إلى تعويض مخزونه وتمويل عملياته، ازدادت حاجة الرئيس إلى الكونغرس، وارتفعت قدرة الغالبية المعارضة على فرض شروطها. وهذا تحديداً ما يمكن أن يهمّ طهران: ليس وقفاً فورياً لإطلاق النار، بل تضييق قدرة ترامب على تمويل حرب مفتوحة بلا سقف زمني واضح.
بوابة مجلس النواب
يضيف مجلس النواب أداة ثانية لا تقلّ أثراً سياسياً: الرقابة والتحقيق. إذ إنّ سيطرة الديمقراطيين تعني انتقال رئاسة لجان القوات المسلحة والشؤون الخارجية والرقابة والمخصصات إليهم. ويمنح ذلك رؤساء اللجان القدرة على عقد جلسات استماع، واستدعاء المسؤولين، وطلب الوثائق، وإصدار مذكّرات الإحضار ضمن صلاحيات اللجان.
قد لا تسقط جلسة استماع صاروخاً أو تمنع غارة، لكنها تستطيع تغيير المناخ الذي تُدار فيه الحرب. فالاستجوابات العلنية لوزيري الحرب والخارجية وقادة الجيش يمكن أن تكشف اختلاف الروايات بشأن أهداف العمليات، وحجم الخسائر، وكلفة اعتراض الصواريخ وتعويض الذخائر، وحدود ما تحقّق بعد أشهر من القتال. وقد يتحوّل ما يبقى اليوم داخل الإحاطات السرية أو تقارير الأجهزة إلى مادة سياسية وإعلامية يومية، تغذّي اعتراض الرأي العامّ وتدفع مزيداً من المشرّعين إلى الابتعاد عن الرئيس.
ويكون الأثر هنا تراكمياً: التحقيق لا ينهي الحرب بذاته، لكنه يسلب الإدارة قدرتها على احتكار روايتها، ويجعل كلّ طلب تمويل جديد مرتبطاً بأسئلة عن الاستراتيجية والنتائج. من وجهة النظر الإيرانية، قد يكون إضعاف الغطاء السياسي للحرب مكسباً يسير جنباً إلى جنب المكتسبات الميدانية التي تحقّقها ونجاحها في تعطيل بعض الأدوات العسكرية للجيش الأميركي.
بوابة مجلس الشيوخ
إذا انتقلت السيطرة على مجلس الشيوخ وحده إلى الديمقراطيين، فإنهم يستطيعون رئاسة لجانه والتحكّم في جدول أعماله، ورفض مشروعات التمويل أو تعديلها، وتمرير قرارات تنتقد الحرب وتطالب بتفويض واضح لها، كما يمنحهم الموافقة على التعيينات الرئاسية. وبإمكان الغالبية تعطيل مرشحين جدد لمناصب دبلوماسية وعسكرية وأمنية، أو استخدام جلسات تثبيتهم لانتزاع تعهّدات ومعلومات من الإدارة.
أيّ تمويل إضافي للحرب يحتاج إلى موافقة المجلسين، ويكفي رفض أحدهما لمنع إقراره. غير أنّ سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب تمنحهم نفوذاً أوسع في صياغة مشروعات الإنفاق وبدء مسارها وربطها بالشروط.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
إذا احتفظ الجمهوريون بالمجلسين، يبقى الوضع قريباً من صورته الراهنة: تستطيع الأقلية الديمقراطية فرض تصويتات محرجة واستقطاب عدد محدود من الجمهوريين، لكنها لا تتحكّم في جدول الأعمال أو اللجان. ويظلّ ترامب أقدر على تمرير التمويل وحماية مسؤولي إدارته من تحقيقات تقودها المعارضة، وإن بقي معرّضاً لانشقاقات داخل حزبه كلما ازدادت الخسائر والكلفة.
أما إذا فاز الديمقراطيون بمجلس النواب وحده، فسيمتلكون الأداة الأكثر وضوحاً في الرقابة والتحقيق، وسيكون في وسعهم تعطيل التمويل الإضافي أو ربطه بشروط. غير أنّ مجلس الشيوخ الجمهوري يستطيع منع مشروعاتهم، كما يبقى للرئيس هامش واسع في إدارة العمليات واستخدام الاعتمادات القائمة. هذا السيناريو لا يوقف الحرب، لكنه يجعل استمرارها أصعب سياسياً وأكثر خضوعاً للمساومة.
وإذا انتزع الديمقراطيون المجلسين، تتسع قدرتهم على تمرير تشريعات تفرض قيوداً على التمويل أو تطالب بإنهاء العمليات غير المفوّضة، وعلى فتح تحقيقات متوازية في المجلسين وتعطيل تعيينات الإدارة. عندها يتحوّل الاعتراض من سلسلة قرارات متفرّقة إلى برنامج تشريعي ورقابي متكامل. ومع ذلك، لا تصبح يد ترامب مغلولة تماماً.
حسابات معلّقة
يستطيع الرئيس استخدام حقّ النقض ضدّ أيّ قانون ملزم يقرّه المجلسان، ولا يمكن تجاوز هذا الفيتو إلا بموافقة ثلثي أعضاء كلّ مجلس على حدّة، وهي عتبة أعلى كثيراً من الغالبية العادية التي قد يفوز بها الديمقراطيون. كما يحتفظ ترامب، بصفته القائد الأعلى، بسلطة واسعة في توجيه العمليات والاستجابة لما يصفه بالتهديدات المباشرة، بينما استمرّت الإدارات الأميركية المتعاقبة في تفسير صلاحيات الرئيس زمن الحرب تفسيراً واسعاً.
ولا يعني وصول الديمقراطيين إلى الغالبية أنهم سيتبنّون حتماً موقفاً واحداً من إيران. فالحزب منقسم بين جناح يريد إنهاء الحرب سريعاً، وآخر يعارض طريقة ترامب في إدارتها من دون التخلّي عن الضغط على طهران أو عن الالتزام بأمن "إسرائيل".
وقد يصوّت بعض أعضائه ضدّ توسيع القتال، ثم يؤيّدون تمويل حماية القوات الأميركية أو إعادة ملء مخازن السلاح. لذلك من المبالغة الافتراض أنّ خصومة الديمقراطيين لترامب ستتحوّل تلقائياً إلى سياسة أقرب إلى إيران.
المكسب الإيراني المحتمل، إذاً، ليس كونغرساً ينهي الحرب بالضرورة، ولا غالبية ترفع العقوبات وتمنح طهران شروط التسوية التي تريدها. إنه قيام مركز قوة مؤسسي داخل واشنطن يستطيع عرقلة قرارات ترامب، ورفض منحه شيكاً مفتوحاً، وكشف كلفة الحرب، وتحويل كلّ خطوة جديدة إلى معركة داخلية. وفي مواجهة تقوم على الاستنزاف والوقت، قد يكون إبطاء الخصم وإرباك قراراته مكسباً استراتيجياً بحدّ ذاته.
لكنّ هذه الحسابات تبقى معلّقة على سؤال يسبق تغيّر الكونغرس: ما الذي يمكن أن يدفع الناخب الأميركي أصلاً إلى معاقبة حزب الرئيس؟ هنا تنتقل الحرب من قاعات اللجان إلى محطة الوقود ومتجر الغذاء؛ فالأثر الانتخابي لا يصنعه الجدل الدستوري وحده، بل الطريقة التي يعبر بها النفط من مضيق هرمز إلى فاتورة الأسرة الأميركية.