وثيقة ترامب للأمن القومي... أميركا أقوى بحلفاء أقل

تعيد الاستراتيجية الأميركية تشكيل خريطة النفوذ العالمي بناءً على مبدأ "القوة مقابل المصالح". فلم تعد الأولوية تتركّز على نشر القيم الديمقراطية بقدر ما أصبحت ترتكز على إدارة الصراعات.

  • الوثيقة توضح الحاجة إلى تقليل التدخل الأميركي في منطقة الشرق الأوسط.
    الوثيقة توضح الحاجة إلى تقليل التدخّل الأميركي في منطقة الشرق الأوسط.

صدرت مؤخّراً وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة لعام 2025، التي توضّح رؤية الولايات المتحدة للعالم، وأولوياتها في الأمن والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا. وقد حملت توقيع الرئيس ترامب، وعكست توجّهاته ورؤيته للسنوات الأربع المقبلة.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ترامب "رجل صفقات"، فهو أبعد ما يكون عن الاستراتيجيا والتخطيط طويل الأمد، هدفه تحقيق الربح السريع، كما أنّ سلوكه خلال الأشهر الماضية من حكمه يتناقض كلياً مع ما ورد في هذه الوثيقة.

فبدلاً من الدخول في منافسة اقتصادية شاملة مع باقي دول العالم، ركّز على الحروب التجارية فقط بهدف تحقيق الربح السريع، حتى لو كان ذلك غير مجدٍ على المدى البعيد.  

تكوّنت الوثيقة من 33 صفحة ركّزت على عدة قضايا، وخصّصت صفحتين لملف الشرق الأوسط، تحدّثت فيهما عن رؤية الولايات المتحدة لمستقبل المنطقة في ظلّ الصراعات التي تعانيها، وطبيعة التوجّهات الأميركية لما سيحدث مستقبلاً.

جرت العادة على أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية بتحديث استراتيجيتها للأمن القومي كلّ أربع سنوات، فكان من المنتظر أن تصدر الوثيقة الجديدة في العام 2026، إلّا أنّ ترامب استعجل اصدارها مستغلاً وجود أكثرية من الجمهوريين في الكونغرس. حيث صدرت هذه الوثيقة في الرابع من هذا الشهر.

وكانت آخر وثيقة قد صدرت في تشرين الأول/أكتوبر 2022 في عهد الرئيس بايدن. وكان ترامب في العام 2018 قد تعجّل استصدار هذه الاستراتيجية والتي كان من المقرّر صدورها في العام 2019، بعد أن كان أوباما قد أصدرها في العام 2015. 

ركّزت الوثيقة بشكل أساسي على تعزيز الأمن الداخلي وحماية الحدود، مع وضع منطقة الأميركيتين كأولوية استراتيجية قصوى، بما يشمل إعادة تفسير وتطبيق "مبدأ مونرو" بصيغة حديثة.

كما تهدف إلى تعزيز الأمن الاقتصادي من خلال إعادة تنشيط قطاع التصنيع، إضافة إلى التعامل مع الصين باعتبارها منافساً اقتصادياً بدلاً من التهديد الأيديولوجي. وفيما يخصّ الوجود العسكري، تسعى الاستراتيجية إلى إعادة توزيعه عالمياً بما يتماشى مع الأولويات الجديدة  المحدّدة.

تشير الوثيقة إلى أنّ السياسة الأميركية لم تعد ترتكز على الصراعات الأيديولوجية، بل تسعى واشنطن إلى إقامة علاقات تجارية متينة مع مختلف الدول من دون السعي لتغيير أنظمتها. وتشير إلى أنّ الرهان الأساسي على الاقتصاد الذي يمثّل الميدان الأساسي للمنافسة الحقيقية، وأنّ الولايات المتحدة تهدف إلى تحقيق التفوّق المستقبلي في المجال الاقتصادي عبر بناء تحالفات اقتصادية أكثر قوة وفعّالية.

وحملت طابعاً مميّزاً من خلال إدراج لفظ الجلالة "الله" (GOD) بشكل صريح فيها، وهي سابقة لم تتكرّر إلّا في ظلّ قيادته. كان ذلك واضحاً في وثيقة الأمن القومي التي أُصدرت عام 2017 أثناء رئاسته، ويتجدّد هذا النهج في استراتيجية عام 2025، مما يعبّر عن التوجّه المحافظ الذي يتسم به ترامب.

عودة الهيمنة

يعتمد ترامب في خطابه الإعلامي على ما يمكن تسميته بـ "التضليل الممنهج"، ويرى أنّ الوثائق والتوجّهات الاستراتيجية للولايات المتحدة بعد الحرب الباردة اعتمدت على مفاهيم مبهمة وتوجّهات غير واضحة، وركّزت الوثيقة على أنّ الولايات المتحدة استنزفت نتيجة السياسات التي اتبعتها بعد الحرب الباردة والتي اعتمدت على فكرة أن تكون الولايات المتحدة "شرطي العالم"، وأن تتدخّل في جميع مشكلاته وتنخرط في البحث عن حلول لها. 

تحدّثت الوثيقة عن الفترة الممتدة من عام 1991 وحتى اليوم (34 سنة)، وكان قد تعاقب على الولايات المتحدة ستة رؤساء، ثلاثة جمهوريين وثلاثة ديمقراطيين، فالمرحلة تقريباً متساوية ما بين الجمهوريين والديمقراطيين.

عندما يقول ترامب إنّ التركيز اليوم سوف يكون على نصف الكرة الغربي والمحيطين الهندي والهادي فإنّ ذلك ليس جديداً، فهو عبارة عن إعادة إنتاج لأفكار قديمة بشكل جديد، وبالتالي فهو لم يأتِ بشيء جديد. 

فكرة "أميركا أولاً" التي يدّعي ترامب أنها له، كان أوّل من أطلقها هو مونرو في العام 1823، حيث كان يرى ضرورة التركيز على المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وضرورة عزل الدول الأوروبية بشكل كامل عن أميركا اللاتينية وأميركا الشمالية، وأن تصبح الولايات المتحدة هي القطب الأول في النظام العالمي الجديد.

تعديل ترامب لمبدأ مونرو، يستند إلى ثلاث ركائز أساسية:

1- استعادة التفوّق: تأكيد الهيمنة الأميركية الكاملة على نصف الكرة الغربي (الأميركيتين).

2- منع الوجود المعادي: التصدّي لأيّ وجود عسكري أو أمني لقوى خارجية مثل الصين أو روسيا في المناطق الجغرافية المحيطة بأميركا.

3- السيطرة على الأصول: الحدّ من قدرة القوى الأجنبية على امتلاك أو تشغيل أصول حيوية أو بنى تحتية استراتيجية في الدول القريبة من الولايات المتحدة.

إعادة ترتيب الأولويات..

تشير الوثيقة إلى أنّ السياسة الخارجية للولايات المتحدة ركّزت، ولما يزيد عن نصف قرن، على منطقة الشرق الأوسط باعتبارها ذات أولوية تفوق أيّ منطقة أخرى.

وقد ارتكز هذا التركيز على أسباب واضحة: فقد شكّل الشرق الأوسط لعقود طويلة المصدر الأساسي للطاقة العالمية، وكان ميداناً رئيساً للصراع بين القوى العظمى. إضافة إلى ذلك، احتضنت المنطقة سلسلة من النزاعات والصراعات التي كانت تهدّد بالامتداد إلى مناطق أوسع وحتى الوصول إلى السواحل الأميركية نفسها.

وتضيف أنّ هذه الديناميكيات قد شهدت تحوّلاً جذرياً في الحاضر، حيث اختفت اثنتان من تلك السمات على الأقل. فقد أصبح التنوّع في مصادر الطاقة العالمية بارزاً بشكل كبير، مما أدّى إلى تحوّل الولايات المتحدة إلى مصدر صافٍ للطاقة مرة أخرى. علاوةً على ذلك، تغيّرت طبيعة المنافسة بين القوى العظمى لتتحوّل إلى تنافس بين قوى كبرى، وهي بيئة تنظر إليها الولايات المتحدة من موقع قوة يُحسَد عليه؛ وهو موقع تعزّزه النجاحات التي حقّقتها إدارة الرئيس ترامب في إعادة إحياء التحالفات الاستراتيجية في منطقة الخليج ومع شركاء عرب آخرين، وكذلك مع "إسرائيل".

الشرق الأوسط

تشير الوثيقة إلى أنّ الصراع لا يزال يشكّل الديناميكية الأكثر إثارة للاضطراب في منطقة الشرق الأوسط، إلّا أنّ حجم المشكلة يبدو اليوم أقلّ حدّة مما قد تعكسه العناوين الإخبارية البارزة.

وتشير إلى أنّ منطقة الشرق الأوسط لم تعد تشكّل محوراً دائماً لاهتمام الولايات المتحدة. ومع ذلك، تظلّ واشنطن تؤكّد التزامها بحماية أمن"إسرائيل"، وضمان استقرار إمدادات الطاقة، وتأمين ممرات الشحن البحري. 

توضح الوثيقة الحاجة إلى تقليل التدخّل الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، مشيرة إلى انخفاض اعتماد الولايات المتحدة على نفط الخليج كسبب رئيسي لذلك.

السياسة العامّة الجديدة للولايات المتحدة تعتمد على نهج "الواقعية المرنة". هذا النهج يعني أنها لن تسعى إلى فرض نموذج سياسي أو اجتماعي معيّن كالأنظمة الديمقراطية أو قيم محدّدة أخرى على دول المنطقة، بل ستضع مصالحها الخاصة في الأولوية، مثل التعاون التجاري، الأمن، والمصالح الاستراتيجية.

بالنسبة لسوريا، ترى الولايات المتحدة أنّ الوضع في سوريا لا يزال هشّاً، وأنّ تحقيق الاستقرار فيها يحتاج إلى دعم  ومساعدة كلّ من أميركا وتركيا و"إسرائيل" وبعض الدول العربية، بدلاً من التدخّل المباشر وإدارة الأزمة بنفسها. 

تُعتبر سوريا مساحة استراتيجية تقع ضمن لعبة النفوذ والتوازنات الإقليمية، ما يعني أنّ الولايات المتحدة لم تعد تراها كملف محوري في سياستها الخارجية كما كانت في الماضي. 

سيظلّ تركيزها الأساسي منصبّاً على ضمان أمن "إسرائيل" وأمن الطاقة وممرات الشحن البحري، إضافة إلى مكافحة الإرهاب. 

لن تسعى واشنطن لإعادة إعمار سوريا أو فرض نموذج سياسي محدّد هناك، بل ستتعامل مع الملف بناءً على اعتبارات واقعية تركّز على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية فقط.

أية تغييرات ستطرأ على الوضع في سوريا ستكون نتاج موازين القوى الإقليمية والدولية بدرجة كبيرة، وليس نتاج تخطيط أميركي مباشر كما كان يحدث في أوقات سابقة.

بالنسبة لإيران، ترى الوثيقة أنّ إيران، التي تعتبر القوة الرئيسية "المزعزعة للاستقرار في المنطقة"، تأثّرت وبشكل كبير نتيجة العمليات الإسرائيلية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. كما ساهمت عملية "مطرقة منتصف الليل" التي أطلقها الرئيس ترامب في حزيران/يونيو 2025 في إلحاق ضرر كبير ببرنامج إيران النووي. 

هذه الفكرة تتبنّى الرواية الأميركية والإسرائيلية، في حين أنّ الواقع يقول إنّ الاعتداء على إيران لم يحقّق النتائج المرجوّة منه، والدليل الحديث عن التحضير لعدوان مقبل على طهران.

أفريقيا والبحر الأحمر

تُعدّ القارّة الأفريقية منطقة استراتيجية ذات أهمية بالغة للأمن القومي الأميركي، خصوصاً فيما يتعلّق بجهود مكافحة الإرهاب والصراع المتزايد مع النفوذ الصيني. وتُسلِّط الوثائق ذات الصلة الضوء على عدد من الدول الأفريقية كعناصر رئيسية في هذه الديناميكية، من بينها السودان، والصومال، وإريتريا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ورواندا، وإثيوبيا، حيث يُنظر إلى هذه الدول على أنها ذات أهمية محورية لتحقيق المصالح الأميركية في المنطقة.

وتُبرز الوثيقة أهمية تكثيف الجهود لمكافحة الإرهاب داخل القارة، مع التركيز بشكل خاصّ على المناطق المضطربة كمنطقة الساحل والصحراء. وفي هذا السياق، تؤكّد ضرورة تعزيز أُطر التعاون مع الدول الأفريقية في مجالات مختلفة تشمل الأمن، والاقتصاد، والتنمية المستدامة، الأمر الذي يُسهم في تحقيق استقرار أوسع ويدعم مواجهة التحدّيات المشتركة.

إعادة ترتيب الأولويات

في العام 1991 كان هدف هذه الاستراتيجية هو التركيز على "القلب الأوروبي في مواجهة الاتحاد السوفياتي، فتمّ نشر عدد من القواعد العسكرية في أوروبا وعدد من دول العالم.

استراتيجية عام 2010 التي صدرت في عهد أوباما جرى التركيز فيها على جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ بشكل أساسي. 

تتعهّد الاستراتيجية الجديدة بإجراء تغييرات على الوجود العسكري الأميركي حول العالم، مع إعادة توجيه الموارد نحو نصف الكرة الغربي، وهو ما يعكس عملياً خفض الاهتمام الأميركي بمناطق مثل الشرق الأوسط.

تستخدم الوثيقة عبارات صارمة تجاه أوروبا، وتتهمها بمواجهة تهديد بـ"طمس هويتها الحضارية" نتيجة الهجرة، داعية إلى تعزيز الدعم للأحزاب القومية واليمينية داخل الدول الأوروبية.

تشدّد الاستراتيجية على رفضها لتوسيع حلف الناتو، مما يُحبط التطلّعات الأوكرانية للانضمام إلى الحلف.

اندثار الحضارة الأوروبية

تشير الوثيقة إلى أنّ التراجع في القوة الاقتصادية الأوروبية يترافق مع خطر أكبر وأكثر حدّة يتمثّل في اندثار حضاري محتمل خلال العقدين المقبلين. كما تربط الوثيقة هذا الخطر بسياسات الهجرة التي ترى أنها تغيّر تركيبة القارة وتولّد التوترات. وتشير أيضاً إلى دور الاتحاد الأوروبي والمؤسسات فوق الوطنية التي يُعتقد أنها تضعف الحرية السياسية والسيادة الوطنية، إلى جانب ما تعتبره كبتاً لحرية التعبير وقمع المعارضة السياسية. ويتطرّق النصّ كذلك إلى انخفاض معدلات المواليد، وفقدان الهويات الوطنية، وضعف الثقة بالنفس داخل المجتمعات الأوروبية.

لقد بدا واضحاً أنّ الدول الأوربية كانت الخاسر الأكبر من الحرب في أوكرانيا، وبات الاتحاد الأوروبي خارج المنافسة بين القوى الصاعدة لتشكيل أقطاب دولية جديدة. 

الصين

تصدّرت الصين النصّ بأكبر عدد من الإشارات في الوثيقة، حيث ورد ذكرها 22 مرة. ومع ذلك، تكمن المفارقة في تصنيف التهديد المرتبط بها. فبينما ركّزت استراتيجية بايدن على اعتبار الصين "التهديد الأول" والمنافس الوجودي، أدرجتها استراتيجية 2025 كمنافس ينبغي احتواؤه.

إلّا أنّ مكانتها كتهديد وجودي مباشر لم تعد بالحدّة نفسها أو الأهمية كما كانت سابقاً، مع تأكيد ضرورة حثّ كلّ من اليابان وكوريا الجنوبية على زيادة إنفاقهما الدفاعي لضمان حماية تايوان، وهو ما يعني أنّ الولايات المتحدة مستمرة في سياساتها الرامية إلى "تطويق الصين" ونسج المزيد من التحالفات في منطقة بحر الصين الجنوبي.

تعيد الاستراتيجية الأميركية تشكيل خريطة النفوذ العالمي بناءً على مبدأ "القوة مقابل المصالح". فلم تعد الأولوية تتركّز على نشر القيم الديمقراطية بقدر ما أصبحت ترتكز على إدارة الصراعات باستخدام القوة، وحماية الداخل سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري، مع تشجيع الحلفاء على تعزيز اعتمادهم على أنفسهم.