واشنطن وفنزويلا: الدعاية السياسية والرمزية في صلب العدوان
كيف تحاول واشنطن عبر "سيميولوجيا الصورة" تحويل اختطاف الرئيس الفنزويلي إلى عرض مسرحي لكيّ الوعي الثوري وتحطيم الرموز البوليفارية؟"
-
إرث تشافيز والصدام مع المركزية الأميركية.
لم تكن المشاهد المقبلة من نيويورك للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مكبّل اليدين ومعصوب العينين، مجرّد إجراء جنائي تقليدي؛ بل كانت عرضاً مسرحياً سياسياً مُصمّماً بعناية في مختبرات الدعاية الأميركية. إنّ نقل "الوريث التشافيزي" من كراكاس ليُعرض في أهمّ شوارع الولايات الأميركية، أمام كاميرات الإعلام العالمي، يمثّل ذروة "العدوان الرمزي" الذي يتجاوز في خطورته فعل الخطف نفسه، والعقوبات الاقتصادية والضغوط العسكرية التي نفّذتها الولايات المتحدة ضدّ فنزويلا على مدى السنين.
إنّ واشنطن، عبر هذا الفعل، لم تكن تحاكم رجلاً، بل كانت تحاول تغيير صورة رمزية وتاريخاً طويلاً من التمرّد البوليفاري في نصف الكرة الغربي أمام الشعوب عامّة، والمناضلة للإمبريالية والهيمنة الأميركية خاصة.
إرث تشافيز والصدام مع المركزية الأميركية
لفهم أبعاد هذا المشهد، يجب العودة إلى الجذور. نيكولاس مادورو ليس مجرّد رئيس انتخبه الفنزويليون، بل هو وريث إرث هوغو تشافيز والمؤتمن عليه، الرجل الذي أعاد إحياء الحلم البوليفاري بالوحدة اللاتينية بعيداً عن الوصاية الأميركية.
منذ وصول مادورو إلى السلطة في عام 2013، تحوّلت فنزويلا إلى "حالة استعصاء" أمام "مبدأ مونرو"، ذلك المبدأ الذي صاغته واشنطن في القرن التاسع عشر لاعتبار أميركا اللاتينية منطقة نفوذ حصرية لها.
لقد نجح مادورو، رغم الحصار الاقتصادي الخانق والعقوبات التي تجاوزت الأطر القانونية الدولية كافة، في الحفاظ على هيكلية الدولة الفنزويلية بوصفها رمزاً للمقاومة السيادية. هذا الصمود هو ما دفع واشنطن للانتقال من سياسة الخنق الاقتصادي إلى العدوان العسكري المباشر؛ حيث أقدمت على اختطاف الرئيس وزوجته يوم السبت الماضي، سبقها سلسلة غارات نفّذها الجيش الأميركي خلّفت ضحايا في صفوف العسكريين والمدنيين.
ولم تكتفِ واشنطن بالعدوان المادي، بل واكبته بماكينة دعاية سياسية ضخمة. بدأت هذه الحملة الترويجية منذ الغارات الأولى التي استهدفت قوارب في البحر الكاريبي بذريعة مكافحة مروّجي المخدرات، وصولاً إلى ذريعة اختطاف مادورو نفسه بزعم دعمه لكارتلات المخدرات؛ وهي سردية تُوّجت بتصويره في مشهدٍ أُريد له أن يحمل طابعاً إذلالياً وانهزامياً، لكنه في الحقيقة جاء بنتائج عكسية كشفت زيف الادّعاءات الأميركية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: من هو المهزوم حقيقةً؟ هل هو القائد الذي صمد لسنوات أمام التهديد والوعيد الأميركي مسنوداً بحاضنة شعبية هائلة؟ أم هي واشنطن التي عجزت عن إزاحته عبر الصناديق أو الضغوط السياسية، ولم تجد سبيلاً إلا عبر العنف المسلح، والاختطاف، والتواطؤ الداخلي؟ إنّ المنتصر لا يحتاج لكسر القوانين الدولية أو التعدي على سيادة الشعوب وجيوشها ليثبت قوته؛ بل إنّ اللجوء إلى البلطجة السياسية هو بحد ذاته اعتراف صريح بالهزيمة الأخلاقية والسياسية أمام صمود كراكاس.
سيميولوجيا الصورة.. كسر الهالة الكاريزمية
في علم الرموز (Semeiology)، تُعتبر الصورة سلاحاً يفوق في قدرته التدميرية الصواريخ العابرة للقارات. إنّ مشهد "القائد المكبّل" يهدف إلى ممارسة عملية "كي الوعي الجمعي".
القائد في الحركات الثورية يمثّل "الأب الرمزي" و"الدرع السيادي". حين يتمّ عرضه في حالة من الضعف المطلق (مكبّلاً ومعصوباً)، تهدف واشنطن إلى خلق حالة من "الإحباط الوجودي" لدى القاعدة الشعبية التشافيزية، وتحطيم صورة البطل الذي لا يُقهر.
عبر تحويل الصراع من "دولة ضدّ دولة" إلى "شرطة ضدّ مجرم"، تسعى الدعاية الأميركية إلى نزع الصفة السيادية عن فنزويلا، واختزالها في شخص مادورو كمطلوب للعدالة، مما يمهّد الطريق لتبرير أيّ تدخّل مستقبلي تحت غطاء "إنفاذ القانون" بدلاً من "العدوان العسكري".
الدعاية السياسية والسرديات الدولية
تشير الدراسات الحديثة في تحليل السرديات السياسية إلى أنّ القوى الكبرى لا تعتمد على القوة العسكرية فحسب، بل على ما يسمّى بـ "الهيمنة السردية".
في دراسة أكاديمية تناولت "التأطير الإعلامي للأزمات اللاتينية"، وُجد أنّ الإعلام الغربي يعتمد استراتيجية "الشيطنة التدرجيّة". الهدف من عرض مادورو في نيويورك هو إرسال رسالة "ردع بصري" لكلّ الأنظمة والحركات التي تدور في فلك المقاومة للهيمنة الأميركية.
اختيار نيويورك، قلب الرأسمالية العالمية، كمسرح للحدث، يحمل دلالة أنّ "القانون الأميركي" هو القانون الكوني، وأنّ السيادة الوطنية تتوقّف عند حدود المصالح الأميركية.
البعد الاستراتيجي للدعاية الأميركية
إنّ التركيز الأميركي على البعد الإعلامي ينمّ عن إدراك عميق بأنّ "الحروب الحديثة" تُكسب في الفضاء الرقمي وعلى شاشات التلفزة قبل ساحات المعارك.
في فنزويلا، تهدف الدعاية إلى خلق شرخ بين القيادة والقاعدة، وتصوير المقاومة كفعل "عبثيّ" لا يؤدّي إلّا إلى هذا المصير المأساوي.
أما إقليمياً ودولياً، فتعمل الصورة كتحذير لدول مثل كوبا، نيكاراغوا، وحتى القوى الصاعدة في "بريكس"، بأنّ اليد الأميركية طويلة وقادرة على اختطاف السيادة في وضح النهار.
تتوافق هذه التحليلات مع نماذج السياسة الأميركية التاريخية، حيث تمّ استخدام أساليب مشابهة (وإن اختلفت الأدوات) مع قادة مثل مانويل نورييغا في بنما، وصدام حسين في العراق. إنها سياسة "الصدمة والترويع البصري" التي تسبق أو ترافق التغيير الجيوسياسي الشامل.
دراسة في تأثير الوسائط الرقمية
تؤكّد الأبحاث التي تناولت أزمة الشرعية في فنزويلا أنّ منصات التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى "ميادين قتال" للسرديات المتعارضة. الصورة المسرّبة لمادورو لم تكن عفوية، بل هي محتوى مصمّم ليتمّ تداوله ملايين المرات، مما يخلق واقعاً افتراضياً يطغى على الحقائق السياسية الميدانية. وجرى في الساعات الأولى بعد خطف الرئيس الفنزويلي من بلده برفقة زوجته، توليد مشاهد وصور وجرى استخدامها وإعادة نشرها من قبل الملايين، فيما كانت هي مفبركة في الواقع. وهذا ليس أمراً تمّ عشوائياً بل هناك مجموعات تعمل لصالح ذلك.
إنّ الهجوم الأميركي على فنزويلا، في رؤيته الرمزية، هو حرب على "الإرادة الوطنية". إنّ الصورة التي تمّ تداولها لمادورو المكبّل ليست حدثاً عابراً، بل هي وثيقة إدانة لسياسة دوليّة تتجاوز الأعراف الدبلوماسية.
فهم هذا المشهد يتطلّب وعياً عميقاً بآليات الدعاية الحديثة؛ فالمعركة ليست على النفط والذهب فحسب، بل هي معركة على "الصورة" و"الكرامة" و"السردية التاريخية". واشنطن لم تعتقل مادورو في نيويورك، بل حاولت "اعتقال" فكرة الاستقلال في عقول ملايين اللاتينيين، لكنّ التاريخ يخبرنا أنّ القيود على الأيدي لا تعني أبداً قيوداً على الوعي الثوريّ.