هندسة التجويع تُنبئ بعاصفة لصالح بنك الأهداف الاسرائيلي في العراق
العراق يقف اليوم عند مفترق طرق بالغ الدقة والحساسية، تتقاطع عنده هندسة تجويع اقتصادي لم يُحسِن أحد إدارة توقيتها، مع بنك أهداف إسرائيلي يبدو أنّه يقترب من مرحلة (الضغط على الزرّ)، مع خطر إرهابي متصاعد.
-
العراق يقف اليوم عند مفترق طرق بالغ الدقة والحساسية.
يُنقل عن صيادي الأهوار القدماء أنّ السّمكة لا تُصطاد بالشبكة وحدها، بل تُصطاد أولاً بتحييد المسطح المائي الذي تسبح فيه، فإذا ضاق الماء من حولها، ضاقت خياراتها، وأصبحت فريسة سهلة لمن ينتظرها على الضفة بصنارة لا تحتاج إلى مهارة تُذكر.
هذه الحكمة التي توارثتها أجيال من أبناء الجنوب العراقي، تبدو اليوم أقرب ما تكون إلى وصف دقيق لما يجري في بلادنا، إذ إنّ المسطح الاقتصادي والسياسي والأمني الذي يسبح فيه قرار العراق السيادي في مرحلة ما بعد انسحاب قوات التحالف الدولي يضيق يوما بعد يوم، وبين المؤكد والمتداول، يبدو أنّ هناك من ينتظر على الضفة الاخرى حاملا صنارته، وبنك أهدافه الذي يحمل كثيرا من المفاجآت أبرزها:
-تفعيل هندسة التجويع لتأليب الشارع العراقي لاسيما إنّه يعيش أيام تشرين، لكن الصراع يُراد له أن يكون شيعيا- شيعيا:
-تحديد ساعة الصفر لقصف المقدرات العسكرية للقوات المسلحة العراقية، فضلا عن قصف مقرات الحشد الشعبي.
-تنفيذ سلسلة من الاغتيالات لقيادات وشخصيات بارزة.
-تحريك دواعـش السياسية ليوافروا أرضية من الاضطرابات والفراغ السياسي لصالح دواعـش العدو.
-اقتحام السجون لإخراج عديد من الارهابيين والمطلوبين للعدالة لملء صفوف المجاميع والعصابات التي أصبحت مرتزقةً لصالح جغرافيا الشام والحجاز.
أرى، ولا أدّعي امتلاك يقين مطلق فيما أرى، أنّ ما يُمكن تسميته بـ"هندسة التجويع" ليس بالضرورة مخططا واحدا مُحكم الخيوط تُديره يد خفية واحدة، بقدر ما هو تقاطع مسارات ضغط متعددة المصادر، اقتصادية وأمنية وسياسية، تتراكم فوق بعضها بعضا حتى تُنتج بيئة مثالية لمن يُريد أنْ يستثمرها، بصرف النظر عمّن بدأها أو قصدها بذاتها.
وعلى هذا الأساس، ينبغي أنْ تُقرأ الأزمة الاقتصادية الراهنة، وحرق السوق العراقية بالدولار، لا بوصفها حدثا معزولا، بل حلقة في سلسلة طويلة.
فعلى مستوى الملف الاقتصادي؛ أقدم البنك المركزي العراقي هذا الأسبوع على رفع السعر الرسمي لصرف الدولار أمام الدينار إلى مستوى لم يشهده منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وهو خفض فعلي لقيمة العملة الوطنية بنسبة تجاوزت خمسة عشر من المئة، في توقيت تعاني فيه خزينة الدولة تراجعا حادّا في عائدات النفط التي تؤمّن تسعين من المئة من موارد الدولة، ومن تآكل في الاحتياطي الأجنبي بما يقرب من عشرين مليار دولار بحسب اقتصاديين، نتيجة الحرب الإقليمية المُندلعة منذ أواخر شباط الماضي، وإغلاق طال مضيق هرمز لأشهر ولن تنتهي قريبا بإغلاق باب المندب.
والنتيجة المباشرة لهذا القرار كما شهدته الأسواق فور الإعلان عنه، اضطرابا غير مسبوق في بورصات العملة ببغداد إلى أربيل، وموجة غضب شعبي ونيابي واسعة، وتحذيرات من بعض المتخصصين من أنّ الأمر قد يتطور إلى ما هو أبعد من احتجاج اقتصادي عابر.
ولا يفوتنا ملاحظة أنّ مجتمعا يُشغل بالبحث عن لقمة عيشه، وبمتابعة سعر الصرف لحظة بلحظة، هو مجتمع تتراجع عنده تلقائيا قدرة المُساءلة السياسية والأمنية، وتتراجع معها قدرته على ملاحظة ما يُحاك حوله من ملفات أكثر خطورة وتهدد مقدراته، وهنا بالضبط تكمُن خطورة "هندسة التجويع" بوصفها أداة إلهاء موضوعية، سواء أكانت مقصودة بذاتها أم نتاج سوء إدارة محض.
وعلى مستوى موازٍ تماما، وفي ذروة الانشغال الشعبي بالأزمة المعيشية، تتحدث تقارير غربية وإسرائيلية متعددة، نُشر وسُرّب بعضها خلال الأيام القليلة الماضية، عن تفاهمات أميركية- إسرائيلية تمنح تل أبيب هامشا عملياتيّا أوسع في الأجواء العراقية، بعدما انسحبت قوات التحالف الدولي.
وتضيف هذه التقارير أنّ جيش العدو الإسرائيلي وجهاز الموساد أنهيا استعدادات عملياتية لضربات تستهدف مقرات ومستودعات أسلحة داخل الأراضي العراقية، وهذا يعني -إنْ صحت هذه المعطيات ولو جزئيا- أنّ بنك الأهداف الذي تحدثت عنه صحف عبرية قبل أشهر لم يعد مجرد توصيف صحفي، بل بات على الأقل في مرحلة التنفيذ المفاجئ، والمفارقة المقلقة هنا، أنّ من يُتابع تحركات الكيان الغاصب سواء في الساحة السورية أو في ساحات أخرى، يعرف أنّ الاستهداف حين يبدأ، نادرا ما يبقى محصورا بالفصائل وحدها، بل يتمدد تدريجيا نحو ما تعدّه تل أبيب "مقدرات عسكرية صلبة" لدى الدولة المستهدفة نفسها، من طائرات ومنظومات دفاعية ومستودعات استراتيجية، تحت ذريعة منع تطورها إلى "تهديد مستقبلي" لمشروعها التوسعي بالمنطقة، وهي ذريعة مشروخة استُخدمت من قبل وقابلة للاستخدام مجددا.
لذا؛ فإنّ هذا التصعيد -الخفيّ- المحتمل يتقاطع زمنيا مع استحقاق انتخابي إسرائيلي داخلي مقرر في السابع والعشرين من تشرين الأول الجاري، فهو وعلى حدّ وصف الصحف العبرية، الأكثر مفصلية في تاريخ الكيان منذ عقود، بوصفه استفتاءً غير مباشر على سياسات رئيس حكومته الحالي مجرم الحرب نتنياهو.
وإذا كان من غير المنطق الجزم أنّ أيّ تصعيد مُقبل يُراد منه "حصرا" تحصيل مكسب انتخابي، فإنّه من غير المعقول أيضا تجاهل أنّ ساسة هذا الكيان، وعلى وفق تجارب موثقة سابقة لم يترددوا في توظيف الأدوات العسكرية خدمة لحسابات صناديق الاقتراع بصرف النظر عن كلفة ذلك على استقرار الجوار.
وفي قبال هذين الملفين، يبرُز ملف ثالث لا يقلّ خطورة، وهو ملف التنظيمات الإرهابية انطلاقا من الساحة السورية المجاورة، إذ تؤكد تصريحات متعاقبة لمسؤولين عراقيين رفيعين، من بينهم رئيس جهاز المخابرات ووزير سابق للداخلية والمالية، أنّ عدد عناصر العصابات الارهابية في سوريا، قفز من نحو ألفيّ عنصر إلى ما يقارب عشرة آلاف خلال عام واحد منذ سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، وهو رقم تقابله تقديرات أممية أكثر تحفظا تتحدث عن ألفين إلى ثلاثة آلاف مقاتل نشط في سوريا والعراق مجتمعين، لكنّ اتساع الفجوة بين التقديرين لا ينفي وجود مؤشر خطر حقيقي، وبخاصة إنّ مراصد استخباراتية ميدانية وثقت أكثر من أربعة وستين هجوما لخلايا الارهاب في سوريا منذ مطلع العام الجاري وحده.
وما يستحق التوقف عنده هنا، وبعيدا عن المبالغة وبعيدا عن التوهين، هو عديد السجناء الذين نقلوا الى العراق والذين يمثلون واقعا بنيويا قابلا للانفجار والاندماج مع العصابات الارهابية متى ما تهيأت له الظروف، سواء من خلال فرار جماعي أو من خلال تفكك تدريجي في منظومة الحراسة نتيجة انشغالها القوى بمعارك مشاغلة.
وأكثر ما ينبغي على أجهزتنا الأمنية الانتباه إليه في هذه المرحلة؛ هو ذلك الخطاب الذي يتصدر المطالب المشروعة واحتواء الازمة قبل أن ينزلق تدريجيا نحو رايات ذات طابع ديني، ثم يستقر أخيرا في قالب تنظيم مسلح، والدين من هذا كله براء، وما هذه الخناجر المسمومة إلا أداة في يد مشروع أكبر منها.
وهنا يحق لنا نحن أصحاب الرأي العام أنْ نطرح أسئلة مشروعا لا اتهاما جاهزا: من يستفيد فعليا لو تقاطعت هذه الملفات الثلاثة في توقيت واحد؟ من يستفيد من مجتمع منهك اقتصاديا، ومن ثغرة أمنية ممتدّة على الحدود السورية-العراقية، ومن غطاء دولي يمنح حرية حركة أوسع لضربات خارجية؟ لست هنا بصدد الجزم بوجود تنسيق مباشر بين أطراف بعينها، فهذا ادعاء خطير لا تسنده معطيات موثقة حتى اللحظة، لكنّ غياب التنسيق المقصود لا ينفي تقاطع المصالح الموضوعي، وبخاصة إنّ هناك مستفيدا من اشغال الشارع العراقي بسعر الصرف بدلا من ملفات تهدد أرضه وسمائه.
ولعلّ أخطر ما في هذا المشهد المركب؛ هو احتمال انزلاق العراق لا بفعل قرار واحد بل؛ بفعل تراكم هذه الضغوط مجتمعة، نحو فراغ أمني وسياسي مزدوج، فراغ أمني ناتج عن تجريد الدولة التدريجي من بعض أدوات ردعها في خضم انشغالها بالصراع الداخلي، وفراغ سياسي ناتج عن انشغال الطبقة الحاكمة بإدارة أزمات يومية متلاحقة بدل التفرغ لصياغة استراتيجية وطنية شاملة، وفي مثل هذا الفراغ بالذات، كما علّمتنا الفصول المؤلمة من راهننا المعاصر، تجد الجماعات الإجرامية المنظمة والتنظيمات الإرهابية فرصتها التاريخية للتمدد، لا لأنّ أحدا دعاها بالضرورة، بل لأنّ الباب تُرك مواربا أمامها.
وبذا فإنّ العراق يقف اليوم عند مفترق طرق بالغ الدقة والحساسية، تتقاطع عنده هندسة تجويع اقتصادي لم يُحسِن أحد إدارة توقيتها، مع بنك أهداف إسرائيلي يبدو أنّه يقترب من مرحلة (الضغط على الزرّ)، مع خطر إرهابي متصاعد، تتزامن معه معضلة سيادية داخلية تحاول حكومة الزيدي اثباتها على أرض الواقع.
وهذه الملفات الأربعة، وإنْ بدت متباعدة الأسباب، فإنّها قابلة للتلاقي في لحظة واحدة لحساب الجوكر، إنْ تُركت من دون معالجة (سياسية- أمنية- دبلوماسية- اقتصادية) جادة وصريحة تخاطب المواطن بالحقيقة بدل تخديره بالتطمينات الفارغة.
لأنني أخشى أنْ ينطبق علينا قول الحكيم لمن استرعاه أمر قومه حين قال: إنّ حفظ الأمانة لا يكون بإخفاء الحقائق عن الناس، بل بمصارحتهم بها، واتخاذ القرار الصعب في وقته لا بعد فوات الأوان، فمن يزرع الريح اليوم، على حدّ التعبير المأثور، لا يحصد غدا إلا العاصفة.