هل سيَجمع انسحاب التحالف الدولي من العراق "الدولة والفصائل" حول سيادة واحدة؟

هل الدولة والفصائل خصمان؟ هل لا بد من أنْ ينتصر أحدهما على الآخر؟ أم أنهما وجهان لرغبة واحدة قد تتشعب طرقها لكن تبقى غاياتها موحدة؟

  • هل الدولة والفصائل خصمان؟
    هل الدولة والفصائل خصمان؟

إذا كان البناء المؤسساتي للدول العراقية يشبه الهياكل والأبراج التي امتلأت بها مناطق بغداد، فإن نهاية أيلول الجاري 2026؛ ستشهد تُخمة في الأحداث الساخنة التي تشبه أوجه المقارنة بين تلك المدن الفارهة، وبين صراع البقاء للأزقة الضيقة التي شوّهتها العشوائيات والبيوتات المقسمة.

فالجهة الأولى تسكن وتستثمر الطوابق التي أنجزتها الدولة العميقة، والثانية تحتل الشوارع والأسطح، انتظاراً بأنْ تصل إليها الدولة والمؤسسات المعنية. وحوار السيادة الطبقية بينهما يمتلئ برواية ما تزال تُكتب في صفحات المستثمرين واقتصاديات الأحزاب.

إنّ أيام أيلول/ سبتمبر الجاري بدأت تشهد سخونةَ الترقب للحوار المفصلي بين الدولة والفصائل حول السيادة، وهو بُعد أعمق من نتيجة "حصر السلاح"، ليتّجه حول من يملك القدرة على حماية الوطن وبناء دولة تستحق أنْ يثق بها مواطنوها.

إذ لا يمكن للمرء أنْ يتفهّم الأزمة العراقية المعاصرة بقراءة تختزل المسألة إلى صراع بسيط بين طرفين يتقاتلان على السلطة؛ إنما على الواقع الأعمق والأشد تعقيداً، فالقضية ليست تقنية، في من يمسك بندقية ومن يمسك القانون؟ بل هي سؤال وجودي عن جوهر السيادة نفسها، ومعنى الدولة في سياق وطني عانى من الاحتلال والتفتت والإهمال المؤسساتي.

والعراق، الذي مرّ بتجارب قاسية وواجه تهديدات تجاوزت بكثير قدرات مؤسساته الرسمية الضعيفة؛ يستحق أنْ نفهم قضاياه بعمق وحكمة، لا بانفعال سياسي أو تسطيح إعلامي.

هل الدولة والفصائل خصمان؟

في هذه اللحظات الفاصلة من تاريخ العراق تظهر أسئلة تشبه الاختبار الحقيقي للنضج السياسي والفكري. هل الدولة والفصائل خصمان؟ هل لا بد من أنْ ينتصر أحدهما على الآخر؟ أم أنهما وجهان لرغبة واحدة قد تتشعب طرقها لكن تبقى غاياتها موحدة؟

الإجابة عن هذه التساؤلات تُحدد مسار المرحلة المقبلة؛ فإذا تبنّينا الفكرة الأولى فسندخل في منطق العنف المتبادل، إذ تحاول الدولة استئصال الفصائل بوصفها تهديداً لسلطتها، فيما تسعى الفصائل إلى إضعاف الدولة بوصفها عاجزة أو خائنة، وعندما يحدث هذا؛ سيخسر الجميع سواء الدولة التي ستفقد شرعيتها الشعبية في ممارسة سيادتها، أم الفصائل التي تفقد جزءاً من معناها الوطني الذي من المفروض أنْ يحميها من التوصيف الإرهابي الذي تسعى إليه واشنطن وشركاؤها الخليجيّون، أما الشعب؛ فسيبقى في الوسط يراقب ويعاني ويختار جانباً واحداً عندما لا يرى بديلاً.

لكنْ ثمّة معادلة مختلفة وأكثر نضجاً تستحق أن نتأملها وهي:

أنّ الدولة الحقيقية ليست تلك التي تحتكر السلاح فقط، بل التي تكسب الثقة الشعبية وتُثبت أنْ لديها القدرة على حماية سيادة الوطن، والمقاومة الحقيقية ليست تلك التي تحتل فراغات الدولة، بل التي تتحول تضحياتها إلى قوة وطنية مؤسساتية تخدم المشروع الوطني لا مصالح فئة أو حزب، فعندما تنتصر الدولة ومقاومتها الشعبية معاً وتتجهان نحو هدف موحد؛ تُصبح مزيجاً من المقاومة والسلطة في بنية الدولة من خلال تحويل الشعور الوطني إلى فعل سياسي منظم.

وبخاصة أنّ أخطر ما يمكن أنْ يحدث في الساحة السياسية والأمنية العراقية؛ هو أنْ تتحول المناقشة من: كيف نحمي العراق؟ إلى: من يملك الحق الحصري في تمثيل العراق؟

هذا التحول من السؤال الأول إلى الثاني يعكس انهياراً في المشروع الوطني الموحد، وتحوله إلى صراع على السلطة والشرعية، والعراق لا يستطيع أنْ يحتمل هذا الانهيار؛ ليس لأن هناك جهات تريد إضعافه وتغيير نظامه السياسي وجعله خاصرة رخوة لجارته إيران، بل لأنّ ضعفه يجعله أكثر احتياجاً إلى توحيد جبهته الداخلية تحت مظلة وطنية موحدة.

إنّ شرعية النظام السياسي في العراق على الرغم من تعقيداتها، فإنها باتت تهديداً وجودياً للمشروع الأميركي- الإسرائيلي في المنطقة وبخاصة شرعيته الانتخابية، النضالية، التاريخية، والجغرافية التي تجعله نقطة الشروع للتغيير السياسي في شكل الحكم بين جيرانه؛ والنتيجة هي أنّ تلك الأطراف الخارجية باتت تُغذي انقساماته الداخلية ومشكلاته السياسية والأمنية، لتجعل كلّ طرف يرى نفسه ممثلاً شرعياً للعراق، ويرى الأطراف الأخرى انتقاصاً من هذه الشرعية.

وفي مثل معادلة كهذه لا يكون الحلّ في احتكار الوطنية من قبل أي جهة، بل في تطوير لغة سياسية مشتركة، تعترف بأنّ التمثيل الحقيقيّ يأتي من القدرة على تحقيق مصلحة البلد، وليس من القدرة على فرض الإرادة عليه، ولا سيما أنّ الدول لا تكون ناجحة إلا من خلال دمج القوى المختلفة تحت سقف وطني واحد، بدلاً من محاولة إقصاء بعضها الآخر.

البنية الحقيقية للأزمة هي: الفساد والفراغ المؤسساتي والتحديات الاقتصادية

إذا أردنا أنْ نفهم الصراع حول السلاح والسيادة بشكل حقيقي، يجب أن نعود خطوة إلى الخلف ونسأل: لماذا يتمتع جزء غير قليل من الفصائل بالتأييد الشعبي الكبير في مناطق عديدة من جغرافيا العراق، بينما تراها أجزاء أخرى تهديداً لأمنها؟

الإجابة ليست معقدة كما يُعتقد لأنّ الشعب يدعم من يوفر له الأمان والكرامة والاستقرار، وعندما تفشل الحكومة في توفير هذه الركائز الثلاث يبحث الشعب عن بدائل.

ولا أحد يستطيع نكران أنّ الحكومات المتعاقبة فشلت على أكثر من صعيد في السيطرة على الفساد الذي نخر جسد مؤسساتها، وواجهت تلكؤاً في توفير الرواتب بانتظام لموظفيها ومقاتليها، وتركت الملايين في حالة من اليأس الاقتصادي، ولم تضمن سهولة الوصول إلى الخدمات الأساسية من الكهرباء والماء والبنزين، بينما تعيش دول نفطية أخرى رفاهاً مجتمعياً يتناسب إلى حدّ ما مع حقوق المواطنة والعيش.

نعم، هناك قوانين مكافحة الفساد، هيئات متخصصة، وخطاب حكومي يفرض الوجود الشكلي في محاربته، لكن أين النتائج؟ أين المحسوبيات التي تم كسرها؟ أين الشبكات التي تم تفكيكها؟ أين الأموال المنهوبة التي تم استردادها؟ الإجابة المُحبطة هي أنّ الفساد مُستمر، وربما في أشكال أكثر براعة وتعقيداً.

فعندما تغيب الحكومة ومؤسساتها ذات المسؤولية عن هموم الناس واحتياجاتهم المعيشية؛ لا تتوقع أن يثقوا بها في الأمور الكبرى، لأنّ المواطن الذي يصرف أكثر من نصف دخله على أساسيات الحياة التي هي واجب حكومي، لن يَعتقد بأنْ الدولة عندما تتحدث عن السيادة والسلاح تتحدث باسمه، لاعتقاده بأنها تتحدث باسم مجموعة  لا تشعر بمعاناته.

دور الطبقة السياسية: من الخندق إلى الجسر

هناك مسؤولية وطنية تقع على عاتق القوى السياسية التي تملك تجربة متّزنة في الحقلين معاً: التقرب من مؤسسات الدولة والقرب من قواعد الفصائل والحركات الاجتماعية.

فهذه القوى، وإنْ كانت لا تمثل غالبية الشعب إلا إنّها تستطيع أنْ تلعب دوراً فريداً لا يمكن لأحد آخر أن يلعبه. لذا بدلاً من أنْ تصطفّ في خندق المصالح مع الفاعل الخارجي، تستطيع أن تكون جسراً حقيقياً للعبور من عنق الأزمة الراهنة، وهو ليس تنازلاً مرحلياً أو موقفاً انتقالياً، بل هو موقف استراتيجي واضح يعتمد (العراق) قوة دولية فاعلة، والفصائل تُهيّأ كقوة وطنية موجّهة نحو حماية السيادة لا نحو بناء دولة موازية، وهاتان القوتان لو عملتا بهذه العقلية، لأمكنهُما الانطلاق من المشتركات في القرار والمصير بدلاً من توسيع الفجوات بين أبناء الوطن الواحد.

وهذا يتطلب شجاعة سياسية حقيقية، لأنّه يعني أنْ تقول لحزبك: قد نختلف مع الدولة في بعض السياسات، لكننا لا نختلف في أنّ العراق يحتاج إلى دولة قوية.

وأنْ تقول الفصائل للحكومة: قد تختلفين معنا في بعض الرؤى، لكن هذا لا يعني أننا لا نحترم الدولة ومؤسساتها ولا نسعى إلى تقويتها.

وبالنتيجة لا يوجد حلّ إلا في تكامل الأدوار ضمن مشروع الدولة والسيادة.

دور الإعلام: من التهديم إلى التقويم

ولا يمكن الحديث عن بناء دولة متماسكة من دون الحديث عن دور الإعلام، وبخاصة الإعلام الذي يُحسب على الدولة أو يقترب من مؤسساتها بالمصلحة أو الانتماء غير المباشر حزبياً أو استثمارياً، إذ إنّ معركة السردية والرواية في الأزمات ليست مجرد علامات على الورق أو موجات صوتية في الهواء التلفازي أو الرقمي؛ إنّما هي رقم صعب في أدوات التعبئة العامة، والتهيؤ نحو المصير من حيث بناء الوطن أو المساهمة في تهديمه. 

فالإعلام الحكومي الذي يستخدم لغة محتقنة تجاه قوى اجتماعية وسياسية لها حضورها التاريخي وجذورها الاجتماعية، لا يقوّي الدولة؛ بل يدفع المجتمع نحو مزيد من الاستقطاب، ويجعل الحوار صعباً إنْ لم يكن مستحيلاً، ويعمّق الشعور بالاستبعاد والإقصاء لدى من يشعر أنّ الإعلام يتحدث ضده لا معه.

وهنا ندعو مخلصين إلى أن يكون الإعلام الحكومي ومن حوله؛ عقلاً يفكر بمصلحة الدولة لا الحكومة، ولا يكون بوقاً للسلطة، بل يجب أنْ يشرح لا يصرخ، يُهدّئ لا يُثير، يجمع لا يُفرق، ويجب قبل كل شيء أنْ يضع الخلافات الحقيقية داخل إطارها الوطني الداخلي من دون استثمار لمصالح عابرة للحدود ولأخلاقيات المهنة.

فعندما يسمع الناس إعلاماً حكومياً أو حزبياً يتحدث بتوازن واحترام عن قوى لها تاريخها الوطني، يشعرون أنّ الدولة قوية وآمنة ولديها ثقة تكفي لئلّا تسمح بالاختلاف. بينما عندما يسمعون إعلاماً محتقناً ومهاجماً، يستنتجون أنّ الحكومة خائفة وضعيفة وتحتاج إلى تشويه صورة الآخرين لكي تبقى في السلطة. والإعلام بكل بساطة يجب أن يعكس صورة الدولة في عيون شعبها لا الحكومة في عيون الخارج.

وهذا يتأتى من الثقة أولاً في حوار وطني شامل قبل أنْ تأتي القوانين والقرارات، سواء في معالجة ملف السلاح والسيادة، أم في ملفات الطاقة والاقتصاد التي تمثل العمود الفقري للحرب المقبلة، فالثقة تُبنى عندما ترى الحكومة أنّ الفصائل ملتزمة بمشروع وطني، وعندما ترى الفصائل أنّ الحكومة تسعى حقاً إلى بناء مؤسسات قوية قادرة على حماية السيادة، وهذا الحوار يحتاج إلى ضمانات وطنية تقول: لا أحد سيتم تصفيته أو إقصاؤه طالما يبقى داخل إطار الدولة العراقية، ضمانات تقول: السلاح الذي يُسلّم سيُستخدم في حماية الوطن لا في قمع المعارضة الشعبية- السياسية، ضمانات تقول: الدولة هي المظلة الجامعة لمكونات الشعب لا المكونات السياسية.

السيادة على المحك: أين هي خطة الحكومة وشركائها المتقاسمين معها السلطة والنفوذ؟

عندما تنظر إلى السياسة العراقية من بُعد، تلاحظ أنّ هناك خطاباً كثيفاً عن السيادة والحفاظ على السلاح بيد الدولة، لكنْ لا توجد خطة واضحة لكيفية تحقيق هذا، وبالتالي تحكم عليها عين الحصيف بأنّها شعارات ليس إلا، إذ إنّ سياسة حصر السلاح بيد الدولة تحتاج إلى خطوات معروفة حكومياً وسياسياً:

أولاً: إعادة بناء مؤسسات عسكرية قوية وموثوقة وشفافة.

ثانياً: توافر ضمانات للقوى المسلحة غير النظامية أنها ستحقق مكاسب اجتماعية وسياسية من خلال هذا التسليم.

ثالثاً: بناء مشروع وطني شامل يشترك فيه الجميع بصيغة تحافظ على كرامتهم وتاريخهم.

رابعاً: إعادة النظر في النمط الطائفي للتوازن الذي ساد شكل الحكم في العراق، والذي جعل كلّ مجموعة تشعر أنّها يجب أنْ تملك أسلحتها الخاصة لكي تحمي مصالحها.

فمن دون هذه الخطوات سيكون الحديث عن السيادة مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي وصبّ زيت الاحتقان الداخلي على نار المواجهة والاقتتال الداخلي وهو ما يرنو إليه العدو.

خلاصة القول: إنّ العراق يقف عند مفترق طرق حقيقي، والخيار ليس بين دولة بلا فصائل أو فصائل بلا دولة، بل بين مشروع وطني موحد وبين حالة من الصراع الشعبي الذي سيستنزف الدولة والمجتمع معاً، والدولة القوية ليست تلك التي تُخيف مواطنيها، بل هي التي تجعلهم يشعرون أنّ قوتها امتداد لأمنهم وكرامتهم وآمالهم، وأنّ أبناءها من (المقاومة أو الفصائل) سيكونون شركاء في مصير دولة تسعى إلى السيادة الوطنية في القرار والتنفيذ، وعندها يُمكن أنْ يصبح السلاح وسيلة، والدولة إطاراً جامعاً، وتضحيات أبنائها جزءًا من تاريخ القوة الوطنية، لا عناوين متصارعة داخل وطن أرجو مخلصاً أنْ ينتصر على أزماته.