هل حان وقت رحيل ترامب؟!

الفيلسوف الأميركي بول غرينييه وصف سياسة ترامب بأنها أشبه بعمليات المافيا، حيث تبنى الرئيس الأميركي "أسلوبًا أشبه بأسلوب زعيم عصابة: "افعلوا ما أقوله بالضبط، وبهذه الطريقة لن أضطر إلى قتلكم جميعًا"!

0:00
  • فنزويلا.. غزو غير دستوري وغير قانوني.
    فنزويلا.. غزو غير دستوري وغير قانوني.

في المؤتمر الصحافي المتشعب وغير المترابط، الذي عُقد صبيحة الاعتداء على فنزويلا واختطاف رئيسها والسيدة الأولى، والذي أعلن فيه دونالد ترامب غزو فنزويلا والسيطرة عليها، ارتكب زلة لسان عندما قال، وهو على وشك تسليم الميكروفون لوزير حربه الذي بدا فاقدًا للوعي، إن العملية تتعلق، من بين أمور أخرى، بـ"هجوم على السيادة". أحسنتم.. يا سيادة الرئيس! يعلّق جيمس كاردن محرر مدونة The Realist Review، والمستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية.

يقول كاردن، لطالما شكّلت فنزويلا هاجسًا غريبًا لترامب وعصابته، منذ رئاسته الأولى، حين سمح باقتحام سفارة فنزويلا بواشنطن على أيدي مهاجرين فنزويليين من اليمين المتطرف، مدعومين من المحافظين الجدد، من أنصار خوان غوايدو "البغيض"، الصديق المقرّب لوزير الخارجية الحالي، ماركو روبيو. لطالما دعا روبيو ورفاقه من المحافظين الجدد إلى تغيير النظام في فنزويلا.

وقد زاد من بشاعة اقتحام السفارة مشهدُ تواطؤ عناصر الأمن الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية الأميركية، وجهاز الخدمة السرية الأميركية، وشرطة العاصمة واشنطن، في الجريمة. فقد رفضوا التدخل لمنع الاعتداءات المتكررة التي ارتكبها مهاجرون فنزويليون فاشيون موالون لغوايدو على متظاهرين أميركيين عُزّل مناهضين للحرب.

الدولة الحديثة... منظمة مافيا!

إذًا، كان انقلاب الثالث من كانون الثاني الجاري متوقعًا منذ زمن. في نيسان 2019، قدّم عضو الكونغرس آنذاك مايك والز (الذي أصبح لاحقًا مستشارًا للأمن القومي لفترة وجيزة أوائل 2025، ويشغل حاليًا منصب سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة)، والسيناتوران ريك سكوت وماركو روبيو من ولاية فلوريدا، ما يُعرف بقانون "تقييد التعاقدات" مع فنزويلا، والذي يفرض عقوبات على التعامل التجاري مع فنزويلا.

وكما أشارت وثيقة "حقائق" تسربت من وزارة الخارجية الأميركية بتاريخ الـ24 من نيسان 2019، أصدرت الحكومة الأميركية أكثر من 150 قرارًا بحظر أفراد وكيانات في فنزويلا منذ عام 2017، وذلك بموجب أوامر تنفيذية وقانون مكافحة تجارة المخدرات. ويشمل ذلك 10 قرارات حظر في عام 2019 وحده، طالت العديد من الأفراد والكيانات وقوائم العقارات.

وكان الفيلسوف السياسي الأميركي بول غرينييه قد وصف سياسة ترامب الخارجية وصفًا دقيقًا بأنها أشبه بعمليات المافيا، حيث تبنّى الرئيس الأميركي "أسلوبًا خطابيًا أشبه بأسلوب زعيم عصابة: 'افعلوا ما أقوله بالضبط، وبهذه الطريقة لن أضطر إلى قتلكم جميعًا'. يا له من أسلوب تفاوض!"

يشير غرينييه أيضًا إلى أنه: قبل أربعين عامًا، خلص عالم الاجتماع الأميركي تشارلز تيلي إلى المشترك غالبًا بين بنية الدولة والجريمة المنظمة. ويصدق هذا بشكل خاص عندما تقوم الدول أولاً باختلاق "تهديد" ثم تشرع بـ"حماية" من هم تحت رعايتها من هذا التهديد المختلق نفسه. إذًا، ألا يصف هذا بدقة الوضع السياسي الراهن – الذي طال أمد تورطنا فيه – وليس فقط فيما يتعلق بإيران؟

غزو غير دستوري وغير قانوني

وكان جيمس كاردن قد دعا، في الـ25 من تشرين الثاني 2025، ترامب إلى القيام بخطوة نبيلة، أي التنحي عن الرئاسة. في ضوء الغزو غير الدستوري وغير القانوني الذي طال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وتحوّل إلى اختطاف، ومواجهتهما لتهم يُرجّح أن تكون ملفّقة بالكامل أمام محكمة فيدرالية أميركية، والآن يتجدّد هذا النداء بقوة.
ففي تشرين الثاني 1946، بعد هزيمة الديمقراطيين الساحقة في انتخابات التجديد النصفي، قدّم والتر ليبمان، كاتب العمود الأكثر تأثيرًا آنذاك، الأسباب التي دفعته للاعتقاد بأن على الرئيس هاري ترومان أن يقوم بالخطوة المشرّفة، أي الاستقالة والعودة إلى بلدته إندِبندنس، بولاية ميزوري.

يتساءل كاردن بحق: "كيف يُمكن إدارة شؤون البلاد من قِبل رئيس لا يُؤدّي مهامه، ولا يُقدّم أي دليل على قدرته على أداء وظائف القائد الأعلى للقوات المسلحة؟! إنها فكرة خاطئة عن "الخدمة العامة" (المناصب الحكومية) تجعل من واجب المرء "أخلاقيًا" التشبّث بالمنصب، أو أن يكون سجينًا فيه، إذا لم يكن قادرًا على ممارسة وظائفه. إن حق الاستقالة هو أحد الحقوق العزيزة لدى الإنسان الحر. إنّ الاستعداد للاستقالة، عندما تخدم الاستقالة المبادئ والمصلحة العامة، حاضرٌ دائمًا لدى ذوي الروح الوطنية واحترام الذات. فهم لا يرونها جبنًا أو استسلامًا أو كارثة شخصية، بل يرونها الضمانة النهائية لتأثيرهم الإيجابي وكرامتهم الشخصية".

لأسباب سياسية أو سلوك شخصي

كان آخر رئيس أميركي استقال طواعيةً من منصبه هو ريتشارد نيكسون، الذي غادر البيت الأبيض في الـ9 من آب 1974. وكان أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يفعل ذلك. ولعل الرئيس الديمقراطي السابق، جوزيف بايدن، كان عليه أن يستقيل لتورطه في الإبادة الجماعية الإسرائيلية، فضلاً عن أسباب صحية.

في عام 2006، اقترح وليم بكلي الابن، وهو الأب الروحي للحركة المحافظة، أن يستقيل جورج بوش الابن بسبب غزو العراق. كما طالبت أعداد لا تحصى من هيئات التحرير وكتاب الأعمدة باستقالة بيل كلينتون بسبب قضية أو فضيحة مونيكا لوينسكي. لم يستقِل ليندون جونسون بسبب حرب فيتنام، لكنه، مثل بايدن، اتخذ القرار الأمثل ورفض الترشح لإعادة انتخابه.

أحيانًا يُطلب من الرؤساء الاستقالة لأسباب سياسية، وأحيانًا أخرى لأسباب تتعلق بسلوكهم الشخصي.

لدينا اليوم، في شخص دونالد ترامب، رئيسٌ قدّم لنا أسبابًا وافرة من كلا الجانبين. ففي دولة طبيعية ذات نظام دستوري فاعل، كانت الحربان غير الشرعيتين – ضدّ مهربي المخدرات في منطقة الكاريبي وداعميهم المزعومين في فنزويلا، وضدّ إيران نيابةً عن حكومة إسرائيلية ترتكب الإبادة الجماعية – وخضوعه لنتنياهو (إذ وصفه ترامب في آب 2025 بأنه "بطل")، وحكام دول الخليج المستبدين، واستضافته في البيت الأبيض لقيادي "سابق" في تنظيم القاعدة، يتستر الآن برئاسة سوريا، كلها أسباب كافيةً لعزله، بالنسبة إلى كاردن.

أما ترامب في جانب "السلوك الشخصي" – ولا سيما تهجمه الشخصي الفظيع على عضوي الكونغرس، النائبين توماس ماسي ومارجوري تايلور غرين، وعلى المخرج السينمائي روب راينر الذي اغتيل بوحشية – فيُغني عن أي تعليق.

لقد حان وقت رحيله.