هل تنجح وساطة مصر في وقف الحرب على إيران؟

تواصل مصر تحرّكاتها المكثّفة لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران من أجل الوصول لاتفاق عادل ومستدام يراعي مصالح الأطراف كافة، وذلك تزامناً مع حديث أميركي عن تلقّي إيران نقاطاً للبحث عبر وسطاء.

  • تدرك القاهرة خطورة استمرار الحرب على منطقة الشرق الأوسط واستقرار النظام الإقليمي.
    تدرك القاهرة خطورة استمرار الحرب على منطقة الشرق الأوسط واستقرار النظام الإقليمي.

فتحت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران المشهد في منطقة الشرق الأوسط على مصراعيه في إعادة ترتيب العلاقات والتحالفات وسيناريوهات الأدوار السياسية والدبلوماسية؛ إذ إنّ هذه الحرب ليست كغيرها ولن تنتهي من دون أن تُفضي لإحداث توازنات إقليمية وأدوار سياسية واستراتيجية في المنطقة. 

وقد برزت مصر بما لديها من ثقل سياسي ودور دبلوماسي وأدوات وخبرات في وسط الأحداث والمواجهة العسكرية الحاصلة كأحد أبرز الفاعلين والوسطاء الساعين لوقف الحرب واحتواء تداعيات التصعيد وفتح الباب للحلّ السياسي؛ فهل تنجح وساطة مصر في وقف الحرب على إيران؟.

على مرّ التاريخ كانت مصر حاضرة كوسيط سياسي ودبلوماسي قادر بما يمتلكه من خبرة وأدوات ومُحدّدات واضحة وموضوعية وواقعية على إعادة موازين الاستقرار في المنطقة؛ وقبل بدء الحرب على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، كانت مصر حاضرة كوسيط بين طهران وواشنطن يهدف إلى نزع فتيل الحرب ومنع اندلاعها.

بدأت وساطة مصر قبل الحرب تحديداً في حزيران/يونيو 2025؛ وقادت مساراً تفاوضياً استطاع أن يُحدث اختراقاً نوعياً لو كُتب له أن يمضي، ونجحت الوساطة المصرية في 9 أيلول/سبتمبر 2025؛ في التوصّل إلى اتفاق تعاون وشفافية بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ومنذ اندلاع الحرب واصلت مصر اتصالاتها لمنع اتساع رقعة الصراع في المنطقة، مؤكّدة أهمية العمل على احتواء آثار التصعيد الممتد بالمنطقة في ظلّ استهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية، ومؤخّراً ازدادت تحرّكات القاهرة ووساطتها وفي 22 آذار/مارس 2026، وبتوجيهات من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، جرت اتصالات بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي وكلّ من نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان، ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، والمبعوث الأميركي الخاصّ للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.

وسبق أن أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة خليجية ضمّت السعودية وقطر والإمارات والبحرين أعقبت جولة خليجية مماثلة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، وكان الرئيس المصري قد أكد خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، استعداد مصر للاضطلاع بكلّ جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة. مؤكداً أنّ مصر "ما زالت تقوم بوساطة لوقف الحرب"، مشدّداً على ضرورة اعتماد الدبلوماسية كسبيل وحيد لحلّ الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. مشيراً إلى أنّ الحرب تمثّل "انعكاساً لخطأ في الحسابات والتقديرات".

وتواصل مصر تحرّكاتها المكثّفة لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران من أجل الوصول إلى اتفاق عادل ومستدام يراعي مصالح الأطراف كافة، وذلك تزامناً مع حديث أميركي عن تلقّي إيران نقاطاً للبحث عبر وسطاء.

أفضت التحرّكات المصرية وفق ما كشفته صحيفة وول ستريت جورنال بأنّ المخابرات المصرية نجحت في فتح قناة اتصال مع حرس الثورة الإيراني، وقدّم المسؤولون المصريون، عبر هذه القناة، مقترحاً يقضي بوقف الهجمات العسكرية لمدة 5 أيام، على أن تُستخدم هذه الفترة في بناء الثقة تمهيداً للتوصّل إلى وقف لإطلاق النار. 

وجاء هذا التحرّك في وقت عقد فيه وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان اجتماعاً في الرياض، في محاولة لإيجاد مسار دبلوماسي لإنهاء الحرب. وقد أسهمت هذه الاتصالات في نقل مؤشّرات إلى واشنطن بشأن إمكانية التوصّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.

في قراءة دلالات الوساطة المصرية حظوظها وفرص نجاحها ومحدّداتها نجد أنّ التحرّك المصري تجاه الحرب الأميركية -الإسرائيلية على إيران قد اتسم بالعقلانية الكاملة والدبلوماسية المتوازنة التي تُميّز سياسات الدولة المصرية على مرّ التاريخ وفي كلّ الصراعات التي تدخل وتتدخّل فيها كوسيط والتي تحافظ على بقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المتحاربة بحيادية موضوعية وعقلانية ودبلوماسية مكوكية نشطة متوازنة متسلّحة بخبرة طويلة وتجارب عديدة. لا تستبعد ولا تُسقط مشاركة أيّ طرف من حساباتها واتصالاتها.

وعليه فإنّ دور مصر ووساطتها لا تأتي من فراغ، بل تعكس إدراك القاهرة لخطورة استمرار الحرب على منطقة الشرق الأوسط واستقرار النظام الإقليمي، ولأنّ مصر تدرك بأنّ أيّ حرب مفتوحة مع إيران قد تُعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة بشكل جذري. فاستمرار الحرب لا يهدّد فقط أمن المنطقة واستقرار دول الخليج، بل قد يمتد تأثيره إلى البحر الأحمر وطرق التجارة الدولية، وهو ما يمسّ عماد الأمن القومي المصري بشكل مباشر نظراً لتهديد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، وتراجع حركة التجارة العالمية، وتأثّر إيرادات قناة السويس، من أجل ذلك تتحرّك مصر لوقف الحرب قبل أن يتحوّل الأمر إلى أزمة اقتصادية عالمية كبرى. والشاهد هنا أنّ تحرّك مصر لوقف الحرب على إيران محكوم بمصالح مصرية سياسية واقتصادية تدفعها بضرورة القيام بكلّ ما هو مطلوب من أجل نجاح دورها لحماية مصالحها والحفاظ عليها وليس من أجل نجاح الوساطة في حدّ ذاتها.

محدّدات الوساطة المصرية محكومة أيضاً بمخاوف من أن يؤدّي استمرار الحرب إلى توسيع دائرة الصراع الإقليمي، خاصة إذا انخرطت قوى إقليمية أخرى -أنصار الله - بشكل مباشر. ومثل هذا السيناريو قد يدفع المنطقة إلى حالة من الفوضى الاستراتيجية، بما يهدّد استقرار العديد من الدول العربية. وإلى جانب كلّ ذلك، تسعى مصر إلى استعادة دورها التقليدي كوسيط إقليمي قادر على إدارة الأزمات الكبرى، وهو الدور الذي تراجع نسبياً خلال العقد الماضي لصالح قوى إقليمية أخرى.

وساطة مصر دورها ونجاحها من عدمه وتحرّكها مرتبط بالأدوات والمقوّمات التي تمتلكها، وأهمها العلاقات المتوازنة نسبياً مع معظم الأطراف المتصارعة، فمصر تحتفظ بقنوات اتصال مع القوى الإقليمية والدولية كافة، ولديها خبرة طويلة في إدارة ملفات الوساطة ولا سيما تلك الملفات التي تتعلّق بأمن المنطقة وتتقاطع مع مصالح القاهرة السياسية والاقتصادية والأمنية. وهي بحكم الموقع الجغرافي والرصيد التاريخي قادرة على التحرّك ضمن إطار عربي وإقليمي ودولي واسع وهو الأمر الذي يمنحها مساحة أكبر على التحرّك والوساطة وتقديم المقترحات.

ولكن رغم ما يتوفّر لمصر من مقوّمات وأدوات فإنّ نجاح وساطتها في وقف الحرب على إيران مرتبط بعوامل وتحدّيات أخرى عديدة، ذلك أنّ الحرب على إيران ليست مجرّد صراع عسكري تقليدي أو صراع مصالح أو حدود بل صراع مرتبط بمتغيّرات غير تقليدية كالنسق العقيدي لكلّ من ترامب ونتنياهو وحساباتهما الشخصية والسياسية والانتخابية.

 وأيضاً مرتبط بمتغيّرات أيديولوجية تتعلّق بـ "إسرائيل الكبرى" وبسيطرة واشنطن على كلّ منافذ الطاقة ومكوّنات النظام الدولي، ومرتبط بعقيدة دينية تتعلّق بتعجيل ظهور المسيح وتتعلّق بأسواق النفط والمصالح المالية للوبي اليهودي في الولايات المتحدة واللوبي اليميني المتطرّف المُكوّن لحكومة الاحتلال.

 وبالتالي هذه كلّها متغيّرات تتحكّم في فرص وظروف وحظوظ الوساطة المصرية. التي يخدمها هنا ارتفاع التكلفة وقدرة إيران على إفساد المخططات والتقديرات الأميركية - الإسرائيلية. السبب الوحيد القادر على وقف الحرب هو اقتناع كلّ من واشنطن و"تل أبيب" أنه لا يمكن هزيمة إيران ولا يمكن تحقيق أهدافهم ولا يمكن الاستمرار في الحرب. 

وساطة مصر، نجاحها أو فشلها في وقف الحرب على إيران محكومة بثلاثة سيناريوهات، الأول: نجاح القاهرة في التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار يبدأ مؤقتاً ثمّ يصمد ويستمر، وهذا يعني اختراقاً دبلوماسياً لمصر يضمن لها موقعاً ومقعداً متقدّماً كوسيط إقليمي ودولي موثوق به وقادر على التأثير.

الثاني: نجاح جزئي لمصر في تخفيف التصعيد وإذابة الجليد بمعنى تبادل المقترحات وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ولكن من دون التوصّل إلى اتفاق شامل، هذا قد يقلّل من فرص تدحرج الصراع وقد تستعين مصر بقوة إقليمية أخرى كتركيا وباكستان لتصبح وساطة جماعية، هذا السيناريو يعني أنّ مصر ثبتّت موقعها كرأس حربة عربي فاعل في المنطقة ويشارك ويتشارك مع تركيا وباكستان في دور الوساطة في المنطقة.

السيناريو الثالث: فشل الوساطة المصرية واستمرار الحرب وهو ما يعني تدحرج الحرب وإعادة ترتيب التوازنات والعلاقات والتحالفات، ومردود هذا السيناريو خطير على دول المنطقة كلّها وليس على دور مصر ووساطتها فقط. 

ختاماً على مدار سنوات كنت دائماً متفائلاً من الوساطة المصرية دون غيرها في وقف الحروب الإسرائيلية على غزة، ولكنّ نجاح جهود مصر ووساطتها في وقف الحرب على إيران لا يعتمد فقط على قدرة القاهرة وأدواتها، بقدر الاعتماد على رغبة وإرادة الأطراف المتحاربة على تقديم تنازلات متبادلة؛ هناك مؤشّرات تدعم نجاح الوساطة المصرية لكننا في منطقة محكومة بمنطق نرجسي يقوده ترامب مدفوعاً بابتزاز نتنياهو؛ فهل ينزل ترامب عن الشجرة بحبل من الوساطة المصرية؟.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.