من يقف وراء التحشيد السوري في فك الارتباط الاستراتيجي بين بغداد وطهران؟

المشهد العراقي–السوري الراهن صراعٌ إقليميٌّ معقّدٌ تتداخل فيه الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية، مع بقاء قوة العراق مرهونةً بقدرته على توحيد جبهته الوطنية وتعزيز أمنه واستقراره.

0:00
  • من يقف وراء التحشيد السوري في فك الارتباط الاستراتيجي بين بغداد وطهران؟
    من يقف وراء التحشيد السوري في فك الارتباط الاستراتيجي بين بغداد وطهران؟

يقول المحاربون القدماء إنّ من يختار ساحة المعركة يصنع نصفها. لكن، عندما يتم اختيار قائد ضعيف لساحة لا يملك فيها حتى السيطرة الداخلية، فضلًا عن جيش لا يستطيع فرض النظام داخل حدوده؛ عندها فقط، وفي منطق استراتيجي معاكس، نكشف السر الحقيقي للحركة التي تجري الآن على الحدود السورية-العراقية، وهي جعجعة لا تُفهم إنْ لم نرجع خطوات إلى الوراء، ونرى من ذا الذي يُحرّك الجولاني، وليس الشرع نفسه.
 
الخبر الذي يجول في الأروقة الإقليمية بسيط ومباشر: نظام الشرع يحشد جنودًا على الحدود العراقية؛ جنوداً يُقال إنهم مرتزقة دوليون، يحتشدون أرقامًا مبعثرة بين سطور الأخبار المطبوخة على نار التصعيد المباشر للضغط على بغداد.
 
وربَّ قارئ ينصب لنا حاجزًا استفهاميًّا يفرض نفسه: بماذا يضغط نظام سوري معروف بسقطاته العسكرية، وأسلحته التي تعتمد الرشى والأتاوات مصدرًا تكسبيًّا من أبناء جلدته؟ بماذا يهدد دولة تملك جيشًا منظمًا وحشدًا شعبيًا راسخًا وأجهزة قتالية محترفة؟
 
الإجابة: بلا شيء ملموس.
 
فالجولاني لا يمتلك القدرة على فرض أي ضغط عسكري جدي على العراق، وهو يعرف هذا تمامًا. فلماذا إذن هذه الحركة؟ الإجابة تجدونها في أنقرة.
 
الداخل السوري اليوم في حالة فوضى أمنية واقتصادية متكاملة، وبخاصة أنَّ الجيش السوري "إن صحّ تسميته جيشًا" لا يستطيع حتى السيطرة على جغرافيته الداخلية، وعندما يتعلق الأمر بحركة الجنود والإمدادات عبر المسافات الطويلة، تصبح الحسابات مختلفة تمامًا.
 
فالنقل اللوجستي للقوات يتطلب، بحسب متخصصين، تحكمًا مركزيًا، وتدفقًا مستمرًا للإمدادات، وقدرة على الحفاظ على خطوط الإمداد، والسوريون لا يملكون حاليًا أيًّا من هذا، بل إنّ الفساد الذي ينخر جسد الدولة السورية وصل إلى مستويات عميقة، جعلت الأمراء الصغار يديرون "مكاتب" لجباية الرشى على الطرقات، وتكفينا هذه الحقيقة البسيطة الدالة على أنّ الجولاني ليس وحده؛ بل يقف خلفه تحالف إقليمي-خليجي-دولي واضح الأهداف، إذ إنّ دول الخليج توفر له الدعم المالي والسياسي، وتركيا توفر التغطية الإقليمية والدعم اللوجستي والمرتزقة، والقوتان الحقيقيتان "أميركا وإسرائيل" توفران التخطيط والحساب الاستراتيجي الذي يجعل من كلّ هذا الانغماس إضعافًا للعراق وتعطيلًا لدوره كلاعب حليف وقوي في معادلة الشرق الجديد.
 
والتزامن ها هنا ليس مصادفة؛ فالحركة السورية تأتي في لحظة حساسة جدًا من الملف العراقي الداخلي، الذي يشهد تطورات أمنية حساسة تتعلق بالاقتصاد وحصر السلاح وحرب الفساد، فضلًا عن ترقب الرد العراقي على العدوان السعودي الأخير، وهو رد يعكس مسار المرحلة المقبلة للعراق في حسم هذه الملفات مع كل ما فيها من تعقيد وانقسامات، لئلا يُصبح نقطة ضعف محتملة إذا تم الضغط عليها من الخارج، وبخاصة أنَّ التهديد الحدودي الخارجي قد يُشتت الانتباه عن حاجة داخلية أكثر إلحاحًا، تتمثل في توحيد الرؤية للفرقاء السياسيين تجاه مستقبله، الذي يبرز فيه الدور الأميركي أكثر من الإيراني على مختلف الصعد، لا سيما أنه يناور قبل إنهاء مهام قواته في أيلول المقبل، من خلال إعادة تموضع لقواته استراتيجيًا وسحب منظومة الباتريوت من أربيل، "وهي منظومة دفاعية متقدمة"، وهذا يعني أنها قد تستثمر أي تهديد، سواء أكان حقيقيًا أم مبالغًا فيه؛ كذريعة للبقاء. ولعل التهديد السوري الضعيف قد يكون واحدًا من تلك التهديدات المطلوبة.
 
لذا؛ يجب فهم العدوان السعودي-الأميركي الأخير على العراق بأنه لم يكن حادثة معزولة؛ بل إنّه جزء من معادلة إقليمية أوسع.
 
فالسعودية وحلفاؤها من دول الخليج لديهم مصلحة مباشرة في إضعاف العراق. لماذا؟ لأنّ العراق القوي يعني حليفًا قويًا لإيران في المنطقة. والعراق الضعيف المنقسم على نفسه، يعني فرصة للسعودية ودول الخليج لأداء دور إقليمي أكبر من دون منافس حقيقي كالعراق. لهذا؛ فإن الدعم الخليجي للتحركات السورية جزء من استراتيجية الحرب الشاملة على إيران، والعراق إحدى بواباتها التي تمثّل أمنًا قوميًّا لإيران.
 
وللدقة: فإن هذا الضغط "السوري" يُشتت الانتباه العراقي، ويجعل العراقيين مشغولين بتهديد خارجي، بينما يجري العمل الحقيقي داخليًا على إذكاء الاقتتال الشيعي-الشيعي أو السني-الشيعي باللعب على وتر القوى "المارقة" على نظام الدولة الديمقراطية، وهذا الباب نفسه الذي دخل منه الاحتلال الأميركي عام 2003 كمخلّص.
 
وعندئذ يأتي دور إسرائيل في المعادلة لاستلام عراق ضعيف، ومنقسم على نفسه، وهو عراق لا يستطيع أن يشكل تهديدًا محتملًا على الأمن الإسرائيلي. منقسم على نفسه بسبب ضغوط خارجية، وقد يصبح معتمدًا على الحماية الخارجية، وبخاصة الحماية الأميركية، فـ"الأمن-الاقتصاد" سيكون بأيديهم، وسيستخدمون هذا الاعتماد لفرض السياسات التي تخدم مصالحهم، والتي غالبًا ما تتوافق مع المصالح الإسرائيلية.
 
لكن دعونا نكون واضحين بشأن نقطة مهمة جدًا: إنّ الخطر الحقيقي للعراق ليس الخطر الذي يأتي من الجولاني الضعيف ومن يقف خلفه؛ إنما من الداخل.
 
فإذا بقيت الانقسامات الداخلية على حالها، "سواء أكانت انقسامات سياسية أو أمنية"، فستبقى الثغرات مفتوحة، و"الثغرات المفتوحة" هي ما تستثمره القوى الخارجية المتجذرة بالداخل العراقي منذ 2003 بأشكال وأنماط مختلفة.
 
فأميركا وإسرائيل ودول الخليج قد تحتاج إلى جيش يحقق أهدافها في العراق، على أنّي أذكر القارئ بالإرهابيين الذين فتكوا بالعراق وشعبه بالمفخخات والانتحاريين. لكنها في هذه المرحلة ستلعب على وتر تغذية الانقسام الداخلي العراقي، وإذا استطاعت أن تُعمّق هذا الانقسام فإنها ستنتقل إلى المرحلة التالية، وهي تشكيل نظام حكم جديد مقسم على مقاسات المصلحة العليا للمشروع الإسرائيلي-الأميركي في المنطقة.
 
ومن هنا يأتي الدور على حكومة السيد علي الزيدي التي أراها بحاجة إلى أن تفهم الصورة الكاملة، ليست التي تتشكل على الحدود الشمالية، بل الصورة المعقدة التي تقف خلفها أنقرة، التي قدمت له تركيبة مختلفة من العسل الجبلي من خلال كومة من الأوراق الاستثمارية أحادية المنافع، والتي حتمًا سيشعر بمفعول سمّها القاتل في قابل الأيام، ولعل أول غيثها هو تحرك قوات الجولاني.
 
إنّ ما يتطلبه الوضع الآن: هو ترتيب صارم للأوراق الداخلية من خلال ترتيب سياسي يُوحّد الرؤية الوطنية حول الملف الأمني، وحلول اقتصادية تُنعش السوق المحلية المُحتضرة، وتعزيز دفاعي يُعيد تنظيم القوات والأجهزة الأمنية بما يضمن فعاليتها ومكانتها. هذا الترتيب الداخلي هو الدرع الحقيقية ضد أي تهديد خارجي، سواء أكان على أرض الواقع أم مجرد ستار تمويه للحرب الشاملة في المنطقة.
 
في جميع الأحوال؛ يجب أن تكون هناك رسالة واضحة من حكومة الزيدي: أن العراق لن يسمح بأن يُصبح ساحة للقوى الخارجية، لا لسوريا، ولا لتركيا، ولا لدول الخليج، ولا لأميركا وربيبتها إسرائيل؛ بل للعراقيين أنفسهم. والعراقيون، عندما يتوحد صفهم وهدفهم تحت مظلة وطنية جامعة "وهذا للأسف ضعيف المنال بفعل المال الحرام الذي أتخم بعضًا منهم"، سيملكون القوة الكافية للدفاع عن أنفسهم ضد أي تهديد خارجي، مهما كان مصدره.
 
والدرس الأخير لمن يشاهد العراق من الخارج، يجده وعلى الرغم من قوته الكامنة وثرواته وموقعه الاستراتيجي، بأنه يملك وقتًا محدودًا لكي يتدارك ما فات، ويوحد جبهته الداخلية.
 
المعطيات تشير إلى أن القوى التي تريد إضعافه لن تتوقف عند حد معين، وهي تعيش ترقبًا حذرًا للرد العراقي من "الفصائل" على العدوان السعودي. لذا، على القائد العام للقوات المسلحة السيد علي الزيدي إدراك أن اللعبة الإقليمية الكبرى قد بدأت، وسوريا وتركيا وبعض دول الخليج ليسوا إلا أدوات فيها. والعراق يجب أن يؤدي دوره بذكاء وقوة وحزم، أو أنّه سيكون ضحية لعبة لا يملك فيها بيدقًا.